من علامات المحبة

ابن قيم الجوزية

ومنها: غيرتهُ لمحبوبه وعلى محبوبه, فالغيرة له: أن يكره ما يكره, ويغار إذا عصي محبوبه, وانتهك حقه, وضُيع أمرُه, فهذه غيرة المحب حقاً.

  • التصنيفات: الزهد والرقائق -

قال ابن القيم رحمه الله في روضة المحبين:

 

من علامات المحبة التي يستدل بها عليها:

منها: كثرة ذكر المحبوب, واللهجُ بذكره وحديثه, فمن أحبَّ شيئاً أكثر من ذكره بقلبه ولسانه, ولهذا أمر الله سبحانه عباده بذكره على جميع الأحوال, وأمرهم بذكره أخوف ما يكونون, فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون} [الأنفال:45]

ومن علامتها: الانقياد لأمر المحبوب وإيثارُه على مراد المحبوب..قال الله تعالى: {قُل إن كنتم تُحبونُ الله فاتبعوني يُحببكم الله }  [آل عمران:31] فجعل سبحانه متابعة رسوله سبباً لمحبتهم له, وكونُ العبد محبوباً لله أعلى من كونه محبّاً له, فليس الشأنُ أن تحبُّ الله, ولكن الشأن أن يُحبك الله, فالطاعة للمحبوب عنوان محبته.

ومنها: قلةُ صبر المحب عن المحبوب, بل ينصرف صبره إلى الصبر على طاعته, والصبر عن معصيته, والصبر على أحكامه, فهذا صبرُ المحب.

ومنها: الإقبالُ على حديثه, وإلقاءُ سمعه كله إليه,...وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا قارئاً يقرأ وهم يستمعون, وكان عمر بن الخطاب إذا دخل عليه أبو موسى, يقول: يا أبا موسى, ذكِّرنا ربنا, فيقرأ أبو موسى, وربما بكي عمر.

ومنها: محبة دار المحبوب وبيته,...وهذا هو السرُّ الذي لأجله عكفت القلوب على محبة الكعبة البيت الحرام, حتى استطاب المحبون في الوصول إليها هجر الأوطان

ومنها: محبة أحباب المحبوب...وكان أنس بن مالك يحبُّ الدباء كثيراً, لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبعها من جوانب الصحفة.

ومنها: غيرتهُ لمحبوبه وعلى محبوبه, فالغيرة له: أن يكره ما يكره, ويغار إذا عصي محبوبه, وانتهك حقه, وضُيع أمرُه, فهذه غيرة المحب حقاً.

والدين كلُّه تحت هذه الغيرة, فأقوى الناس ديناً أعظمهم غيرةً, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( «أتعجبون من غيرة سعدٍ, لأنا أغير منه, والله أغير مني» ) فمحبُّ الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله, وإذا خلا قلبه من الغيرة لله ورسوله فهو من المحبة أخلى, وإن زعم أنه من المحبين, فكذب من ادعى محبة محبوبٍ من الناس, وهو يرى غيره ينتهك حُرمة محبوبه, ويسعى في أذاه ومساخطه, ويستهين بحقه, ويستخف بأمره, وهو لا يغار لذلك, بل قلبه بارد, فكيف يصحُّ لعبدٍ أن يدَّعى محبة الله, وهو لا يغار لمحارمه إذا انتهكت ولا لحقوقه إذا ضيعت,..وإذا ترحلت هذه الغيرة من القلب ترحلت منه المحبة, بل ترحل منه الدين, وإن بقيت فيه آثاره.

من كتاب روضة المحبين