(18) محاصرة الخصم بكلماته الباطلة

محمد صالح المنجد

ثم مما يستعان به على إفحام الخصم خصوصاً المبتدعة أن تمسك عليه الكلمات الباطلة التي يقولها وتسجلها، قد لا تعترض الآن اتركه يتكلم مع أنه يقول كلاماً خطأً لتسجل ألفاظاً تُدِينه من خلالها

  • التصنيفات: الآداب والأخلاق -
(18) محاصرة الخصم بكلماته الباطلة

ثم مما يستعان به على إفحام الخصم خصوصاً المبتدعة أن تمسك عليه الكلمات الباطلة التي يقولها وتسجلها، قد لا تعترض الآن اتركه يتكلم مع أنه يقول كلاماً خطأً لتسجل ألفاظاً تُدِينه من خلالها، وتقول: أنت قلت كذا في كلامك، والمناقضة تظهر في أهل البدعة أثناء النقاشات؛ لأنه لا يوجد مبتدع إلا وتتناقض أقواله، فتجده يقول شيئاً، وبعد صفحات أو بعد مسافة زمنية يخالفه ويأتي بشيء آخر؛ لأنه ما دام الأصل فاسداً فلابد أن تضطرب أقواله، فعليك باكتشاف المتناقضات في أقوال المبتدعة أو المخطئين، أو الذين هم على ضلالة وأنت تناقشهم، وهذا ما كان يفعله علماء الإسلام في المناظرات، فمثلاً: من المشهورين بالمناظرات مع النصارى الإمام الباقلاني رحمه الله تعالى، وهو من أذكياء المسلمين وعلمائهم، وكان الخليفة قد أرسله إلى النصارى لمناقشتهم، فجاءوا له بالبطريك فاحتفى الباقلاني به واحتفل، ورحب وسأله أحسن سؤال وقال له: كيف الأهل والولد -طبعاً الراهب عندهم لا يمكن أن يتزوج، ولذلك هذا البابا ما عنده زوجة ولا أولاد، وفي الفاتيكان رهبانهم لا يتزوجون لأنهم يعتقدون حرمة ذلك- فـ الباقلاني لما جاء البطريك احتفى به واحتفل ورحب به ثم قال: كيف أهلك وأولادك؟ فعظم عليه وعلى الحاضرين من النصارى جداً، وتغيروا وقطبت وجوههم وقالوا: كيف تسأل عن أهله وأولاده؟ قال: وما تنكرون؟ قالوا: إنا ننزه هذا عن الصاحبة والولد، قال: يا هؤلاء! تستعظمون لهذا الإنسان اتخاذ الصاحب والولد وتربئون به عن ذلك، ولا تستعظمون لربكم عز وجل أن تضيفوا له هذه السوءة وهذا الكلام؟ فسقط في أيديهم، وبهتوا، وانكسروا، ولم يثيروا جواباً، أي: لم يرجعوا بجواب.


ويروى أن يهودياً قال لـ علي رضي الله عنه: ما نفضتم أيديكم من تراب نبيكم حتى قلتم: منا أمير ومنكم أمير، فقال علي رضي الله عنه: وأنتم ما جفت أقدامكم من ماء البحر الذي جمده الله لموسى حتى قلتم: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة: من الأسوأ الأعظم؟ وكذلك ما حصل في مناظرة الباقلاني مع النصارى وسؤال أحدهم الباقلاني قال: ما فعلت زوجة نبيكم وما كان من أمر الإفك هذا؟ فيريد أن يطعن في عائشة رضي الله عنها، فقال الباقلاني على البديهة مجيباً: هما امرأتان ذكرتا بسوء - مريم وعائشة - فبرأهما الله عز وجل، وكانت عائشة ذات زوجٍ ولم تأت بولد، ومريم أتت بولد ولم يكن لها زوج، فبهت النصراني.


وذكر أن المقوقس قال لـ حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه لما أرسل إليه، كيف الحرب بين محمد وبين المشركين؟ قال: سجال يدال عليهم ويدالون عليه، فقال المقوقس: أنبي الله يغلب؟ فقال حاطب: وابن الله يصلب؟ فسكت.
ولما استعمل عمر رضي الله عنه المغيرة بن شعبة على أهل البحرين فكرهه بعضهم، فعزله عمر رضي الله عنه، فخافوا أن يرده إليهم فجاءوا إلى الدهقان يقولون: نخشى أن عمر يرد المغيرة أميراً علينا، ونحن لا نريده، فانظر ماذا تعمل في أمره؟

قال: اجمعوا مائة ألف درهم حتى أذهب بها إلى عمر وأقول: إن المغيرة اختلس هذه الأموال ووضعها عندي أمانة، فجمعوا له مائة ألف درهم وأعطوها للدهقان فذهب إلى عمر في المدينة، وقال: يا أمير المؤمنين! إن المغيرة الأمير الذي جعلته علينا اختلس مائة ألف وسرقها من الأموال العامة، وجئتك الآن أردها لك، فدعا عمر للمغيرة قال: ما يقول هذا؟ قال: كذب أصلحك الله، إنما كانت مائتي ألف، فقال عمر للمغيرة: ما حملك على ذلك؟ قال: العيال والحاجة، فقال عمر للدهقان: ما تقول؟ قال: لا والله لأصدقنك، والله ما دفع إليَّ لا قليلاً ولا كثيراً، ولكن كرهناه وخشينا أن ترده علينا، فقال عمر للمغيرة: ما حملك على ما صنعت من الكلام؟ قال: إن الخبيث كذب عليَّ فأحببت أن أخزيه.


ولما قال ملك النصارى للباقلاني: هذا الذي تدعونه في معجزات نبيكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟ قال: صحيح، انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأى الناس ذلك، وإنما رآه الحاضرون ومن اتفق معهم في النظر إلى القمر في ذلك الوقت، فقال الملك: وكيف ولم يره جميع الناس؟ -يعني: كل الناس في العالم ما رأوا انشقاق القمر- قال: لأن الناس لم يكونوا على أهبة ووعدٍ من انشقاقه وحضوره -أي ليس كل الناس في العالم كانوا يتطلعون إلى القمر في ذلك الوقت- فقال الملك: وهذا القمر بينكم وبينه نسبة أو قرابة؟ لأي شيءٍ يظهر لكم ولا يظهر لهم، ورأيتموه أنتم خاصة ولم يره بقية الناس؟ فقال الباقلاني: وهذه المائدة التي نزلت عليكم؛ هل بينك وبينها نسبة قرابة؟ فلماذا رأيتموها دون اليهود والمجوس والبراهمة، وأهل الإلحاد واليونان جيرانكم، وهم ينكرون المائدة؟ فتحير الملك وقال: سبحان الله! ثم قال القاضي الباقلاني لقسيس عندهم: ألست تزعم أن الأرض كروية؟ قال: بلى.


قال: أفتنكر أن يرى في هذا الإقليم ما لم يُرَ في إقليمٍ آخر؟ كالكسوف يرى في موضعٍ دون موضع، وكواكب السماء ترى في موضعٍ دون موضع، أم تقول: أن الكسوف يحدث لأهل الأرض كلهم؟ فقال القسيس: بل لا يراه إلا من كان في محاذاته، قال الباقلاني: كما أنكرت من انشقاق القمر إذا كان في ناحيةٍ لا يراه إلا أهل تلك الناحية ومن تأهب للنظر إليه، فأما من أعرض عنه وكان في مكانٍ آخر من الأرض لا يرى القمر منها كان عندهم نهار، أو بعد أن طلع القمر عندهم في ذلك الوقت فلا يرى، فقال: هو كما قلت، وسلم له.


على أية حال المناظرات بين أهل الإسلام والنصارى، واليهود والمبتدعة، والمناظرات بين أهل السنة والمبتدعة كثيرة جداً وكلها دالة على اعتنائهم بتبليغ الدعوة وإقامة الحجة.


والغرض من الحوار هو إقامة الحجة على الناس، وأما الحوار بين الإخوان فلابد أن يكون فيه اعتناء زائد بالأدب؛ لأن الله قال: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة:54] فلا يصلح أننا إذا ناقشنا كافراً ونصرانياً تأدبنا وجلسنا نحاول في هداية الرجل، وإذا تناقشنا مع إخواننا المقربين ارتفعت الأصوات وهاجت العبارات وصار الكلام بلا حساب ولا ضبط.
على أية حال فن المناظرات هذا يحتاج إلى درسٍ خاص لكي يتم معرفة محاصرة الخصم، وكيف يصل الإنسان إلى الإقناع ونحو ذلك، المسألة فيها مزيد من الكلام، لكن الكلام في الحوار وليس في المناظرة، واعلموا أيها الإخوة أن مسألة الحوار قد اتخذت في عصرنا ذريعة لإزالة الفوارق العقدية وتلميع الإسلام في الأرض، تارةً باسم الحوار بين الأديان، أو الصداقة الدينية، أو الملة الإبراهيمية ونحو ذلك، وأعداء الإسلام يعرفون جيداً أهمية إزالة الفوارق العقدية من نفوس المسلمين، حتى نقبلهم ونقبل ما يأتون به، وأنه لابد من أن تتحطم الحواجز العقدية في نفوسنا مثل بغضهم وكرههم، وإذا حطموا هذه الحواجز، دخل علينا منهم كل شيء، إخوة وأبناء عم ونحو ذلك من الكلام، فيهتمون بقضية حوار الحضارات، أو الحوار بين الأديان، فما هو مقصودهم من قضية الحوار بين الأديان؟ المقصود من قضية الحوار بين الأديان هو: السعي لإزالة الفوارق والحواجز بيننا وبينهم، وإذا زال الولاء والبراء، وزال كره الكافر والكفر، وكره اليهود والنصارى مع نفوسنا؛ إذا زال هذا الحاجز وصار بيننا محبة وأخوة وعلاقات حميمة وود؛ قبلنا ما يأتي منهم من الباطل بعد ذلك، ولذلك لابد أن نحذر من هذه المسألة حذراً شديداً.


ثانياً: تحدث الآن حوارات في القنوات الفضائية يستضاف فيها أناس من المنافقين الذين يمثلون اتجاه فصل الدين عن الحياة، ويستضاف فيها أناس من المبتدعة، ويستضاف فيها أناس من أرباب الشهوات وهذا أمر خطير جداً لابد أن نحذر منه، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.