من يطلبون رضا الله جل جلاله (2-2)

فهد بن عبد العزيز الشويرخ

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلتْه» ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]؛ [ متفق عليه] .

  • التصنيفات: التقوى وحب الله -


أنهم يشكرون نعم الله:

قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿  {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ } ﴾ [الزمر: 7].

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن اللهَ لَيَرضى عن العبد أن يأكلَ الأكلة، فيحمد اللهَ عليها، أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها»   [أخرجه مسلم] .

قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: الشاكر ينال رضا ربه.

أنهم يتجنبون الأعمال التي لا يرضاها الله:

ومنها الكفر، والابتداع في الدين، قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ { إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}  ﴾ [الزمر: 7]، قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: هل رضي الله من عباده الكفر؟ الجواب: لا، وهل رضي الله لعباده أن يبتدعوا في دينه ما ليس منه؟ الجواب: لا.

ومنها الفسق، وهو الخروج عن طاعة الله وعن طاعة رسوله، قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ { فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}  ﴾ [التوبة: 96].

والعبدُ عندما يقوم بما يرضي الله من الأعمال، فقد يسخط عليه بعض الناس، فعليه ألا يهتمَّ ولا يبالي، فمن أرضى الله رضي الله عنه، وأرضى الناسَ عنه؛ فعن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ الْتَمس رضا الله بسخط الناس, رضي الله عنه وأرضى الناس عليه, ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط الناس عليه» [أخرجه ابن حبان]

قال العلامة محمد العثيمين رحمه الله: إذا التمس العبد رضا الله بنية صادقة رضي الله عنه؛ لأنه أكرمُ مِن عبده، وأرضى عنه الناس، وذلك بما يلقي في قلوبهم من الرضا عنه ومحبته؛ لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبها كيف يشاء.

ورضا الله أكبر وأجلُّ وأعظم النعيم؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبَّيك وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تُعطِ أحدًا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيءٍ أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلُّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا» [ متفق عليه] .

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: قوله تعالى: ﴿ { وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ}  ﴾ [آل عمران: 15]، هذا من أعظم شيء أن الله سبحانه وتعالى يحلُّ عليهم رضاه فلا يسخط عليهم بعده أبدًا، كما قال الله تعالى لما عدَّد نعيم أهل الجنة: ﴿ {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}  ﴾ [التوبة: 72]، وأعظم من ذلك النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى كما قالالله تعالى ﴿ {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}  ﴾ [يونس: 26]، فلا ألذَّ ولا أمتع ولا أحسن لأهل الجنة من النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى، فأعلى شيء هو النظر إلى وجه الله عَزَّ وَجَلَّ، والرضوان يليه، ثم المتع الجسدية في الجنة تلي هذا.

ومما ينبغي التنبيه عليه أن رضا الله عَزَّ وَجَلَّ عن عبده في الدنيا مقتضاه الإحسان إليه بأنواع النعم، لكن على العبد أن يتنبَّه، فالنعم إذا جاءت وهو مقيم على طاعة الله، فهي عن رضا، أما إن جاءت وهو مقيم على معاصي الله، فليست عن رضا؛ وإنما استدراج له فلا يغتر بها، وليعلم أن هذا إملاء له، قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}  ﴾ [الأعراف: 182، 183].

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت الله يُعطي العبدَ من الدنيا على معاصيه ما يُحبُّ، فإنما هو استدراج»   {ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم} : {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}  [الأنعام: 44، 45].

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلتْه» ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]؛ [ متفق عليه] .

وعلى أفراد المجتمع أن ينتبهوا إذا جاءتهم النعم الوفيرة وهم مقيمون على معاصي الله، فهذه النعم ليست دليلًا على رضا الله عنهم، فقد يعقبها الخوف والجوع، قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿  {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}  ﴾ [النحل: 112].

نسأل الله أن يحفظ مجتمعنا وجميع مجتمعات المسلمين من كلِّ سوء ومكروه.

وختامًا، فإن من فضل الله على مَنْ رضي الله عنه، أنه يُبشَّرُ عند موته بما يُفرِح قلبَه، ويَشرح صدره، عندما يُقال لروحه: اخرُجي إلى رضوان الله، قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿  {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً *فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}  ﴾ [الفجر: 24 - 30].

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيضُ الوجوه، كأنَّ وجوهَهم الشمسُ، معهم كفنٌ من أكفان الجنة، وحَنُوطٌ من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرُجي إلى مغفرة من الله ورضوان... الحديثَ»  [أخرجه أحمد].

اللهم بكرمك وجُودِك اجعلنا جميعًا من عبادك الذين رضيتَ عنهم؛ إنك سميع قريب مجيب.

                   كتبه/ فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ