فوائد من عدّة الصابرين (1-4)

فهد بن عبد العزيز الشويرخ

فوائد من عدّة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم

  • التصنيفات: الزهد والرقائق -

 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فمن علامات سعادة الإنسان: الصبر على القضاء, والشكر على العطاء, والتوبة من الذنب, كما ذكر الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في كنابه: القواعد الأربع.

والمسلم لا غنى له عن الصبر والشكر, فهما له كالجناحين للطائر, لا يستغني عن واحد منهما, وقد صنف أهل العلم فيهما مصنفات مستقلة, منهم: العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه الجيد النافع المفيد: "عُدة الصابرين وذخيرة الشاكرين "  ولأهمية الكتاب, فقد اخترت بعض الفوائد منه, والتي لا تغني عن أصل الكتاب, أسأل الله الكريم أن  ينفع بها, ويبارك فيها.

معنى الصبر

الصبر: حبس النفس عن الجزع, واللسان عن التشكي والتسخط, والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما.

حقيقة الصبر وكلام الناس فيه

حقيقته: خلق فاضل من أخلاق النفس, تمتنع به من فعل لا يحسن ولا يجمل, وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها.

سئل عنه الجنيد بن محمد, فقال هو: تجرع المرارة من غير تعبس.

وقيل: الصبر: هو الوقوف مع البلاء بحُسن الأدب.

وقيل: الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب.

وقيل: الصبر: ثبات باعث العقل والدين في مقابلة باعث الشهوة والطبع.

باعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال:

أحدها: أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين فيُردّ جيش الهوى مفلولاً, وهذا إنما يصل إليه بدوام الصبر, والواصلون إلى هذه الرتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة, وهم الذين قالوا:  {رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت:30] وهم الذين يقول لهم الملائكة عند الموت: { ألَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ }  [فصلت:30-31] وهم الذين نالوا معية الله مع الصابرين, وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده, فخصهم بهدايته دون من عداهم.

الحالة الثانية: أن يكون القهر والغلبة لداعي الهوى فتسقط منازعة باعث الدين بالكلية فيستسلم البائس للشيطان وجنده فيقودونه حيث شاءوا,وله  معهم حالتان

إحداهما: أن يكون من جندهم وأتباعهم, وهذه حال الفاجر الضعيف.

الثانية: أن يصير الشيطان من جنده, وهذه حال الفاجر القوي المتسلط والمبتدع الداعية المتبوع.

وهؤلاء هم الذين غلبت عليهم شقوتهم, فاشتروا الحياة الدنيا بالآخرة, وإنما صاروا إلى هذه الحال لما أفلسوا من الصبر.

الحال الثالثة: أن تكون الحرب سجالاً ودولاً بين الجندين, فتارة له وتارة عليه, وتكثر نوبات الانتصار وتقلُّ, وهذه حال أكثر المؤمنين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً.

انقسام الصبر باعتبار تعلق الأحكام الخمسة به

وهو ينقسم بهذا الاعتبار إلى واجب, ومندوب, ومحظور, ومكروه, ومباح.

فالصبر الواجب ثلاثة أنواع:

أحدها: الصبر عن المحرمات.

والثاني: الصبر على أداء الواجبات.

والثالث: الصبر على المصائب التي لا صنع للعبد فيها كالأمراض والفقر وغيرهما

وأما الصبر المندوب: فهو الصبر عن المكروهات, والصبر على المستحبات, والصبر عن مقابلة الجاني بمثل فعله

وأما الصبر المحظور فأنواع:

أحدها: الصبر عن الطعام والشراب حتى يموت, وكذلك الصبر عن الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة حرام إذا خاف بتركه الموت.

ومن الصبر المحظور صبر الإنسان على ما يقصد هلاكه من سبُعٍ أو حية أو حريق أو ماء أو كافر يريد قتله, بخلاف استسلامه وصبره في الفتنة وقتال المسلمين فإنه مباح له, بل يستحب الصبر كما دلت عليه النصوص الكثيرة.

وأما الصبر المكروه: فله أمثلة:

أحدها: أن يصبر عن الطعام والشراب واللبس وجماع أهله حتى يتضرر بذلك بدنه.

الثاني: صبره عن جماع زوجته إذا احتاجت إلى ذلك ولم يتضرر به.

الثالث: صبره على فعل المكروه. 

الرابع: صبره عن فعل مستحب.

وأما الصبر المباح: فهو: الصبر عن كل فعل مستوي الطرفين خُيّر بين فعله وتركه والصبر عليه.

تفاوت درجات الصبر

الصبر نوعان: اختياري, واضطراري.

والاختياري أكمل من الاضطراري, فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتى ممن لا يتأتي منه الصبر اختياراً, ولذلك كان صبر يوسف الصديق صلى الله عليه وسلم عن مطاوعة امرأة العزيز, وصبره على ما ناله من ذلك من الحبس والمكروه, أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه في الجُبِّ وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبيد.

فإن قيل: فأيُّ أنواع الصبر الثلاثة أكمل: الصبر على المأمور, أم الصبر على عن المحظور, أم الصبر على المقدور ؟

قيل: الصبر المتعلق بالتكليف – وهو الأمر والنهي – أفضل من الصبر على مجرد القدر, فإن هذا الصبر يأتي به البرّ والفاجر, والمؤمن والكافر, فلا بد لكل واحد من الصبر على القدر اختياراً أو اضطراراً, وأما الصبر على الأوامر والنواهي فصبر اتباع الرسل, وأعظمهم اتباعاً أصبرهم في ذلك.

وكل صبر في محله وموضعه أفضل, فالصبر عن الحرام في محله أفضل, والصبر عن الطاعة في محلها أفضل.

الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام

كلُّ أحد لا بد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختياراً وإما اضطراراً, فالكريم يصبر اختياراً لعلمه بحسن عاقبة الصبر, وأنه يحمد عليه ويُذم على الجزع, وأنه إن لم يصبر لم يرُدّ الجزعُ عليه فائتاً, ولم ينزع عنه مكروهاً, وأن المقدور لا حيلة في دفعه, وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله, فالجزع خوف محض ضرُّه أقرب من نفعه.

قال بعض العقلاء: العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر.

وقال بعض العقلاء: من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم.

فالكريم ينظر إلى المصيبة, فإن رأى الجزع يردُّها ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع, وإن كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة مصيبتين.