(6) أشهر تلاميذ الإمام الطبري

عبد العزيز بن إبراهيم الشبل

مر علينا أن الإمام الطبريَّ سَمِع من أمم من العلماء، وحاز على علو السند روايةً وفقهًا، وقد عُمِّر نحوًا من ست وثمانين سنةً؛ فلذا ولغيره حرص طلاب كثيرون على أن يأخذوا عنه علمَه الذي حازه عن الأكابر من العلماء.

  • التصنيفات: تراجم العلماء -

مر علينا أن الإمام الطبريَّ سَمِع من أمم من العلماء، وحاز على علو السند روايةً وفقهًا، وقد عُمِّر نحوًا من ست وثمانين سنةً؛ فلذا ولغيره حرص طلاب كثيرون على أن يأخذوا عنه علمَه الذي حازه عن الأكابر من العلماء.

 

وكان من أشهر طلابه في التاريخ عند أهل العلم:

1- أبو شعيب عبدالله بن الحسن الحرَّاني، وكان أكبر من ابن جرير.

روى عنه الحديث خاصة، ولد رحمه الله سنةَ 205 وتوفي سنة 295، بقي من آثاره جزء من الفوائد في الحديث في ثماني ورقاتٍ بآخرها سماعات، موجودة بجامعة الرياض.

 

2- الإمام الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (360)؛ صاحب المعاجم والسنن والتصانيف، والعالم بأحوال الرجال جرحًا وتعديلاً، أخذ عنه الحديث والتفسير خاصة.

 

3- الشيخ القاضي أبو بكر أحمد بن كامل (350) قاضي الكوفة، صاحب التصانيف في الفقه كـ(الشروط الكبير)، و(جامع الفقه)، وفي القراءات، وغريب القرآن، والتاريخ، وعمل كتابًا في ترجمة شيخه ابن جرير، نقل منه ياقوت في معجمه، وكان على مذهب شيخه في الفقه.

 

4- الإمام أبو أحمد عبدالله بن عدي (365)، صاحب الكتاب الحافل: (الكامل في ضعفاء الرجال)، و(علل الحديث)، و(أسماء الصحابة)، و(أسامي من روى عنهم البخاري في صحيحه)[1]، كتب معجمًا لشيوخه بلغوا أكثرَ من ألف شيخ، من أشهرهم الإمام ابن جرير.

 

5- القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني المعروف بابن طرار (390)، كان من أشهر علماء وقته حفظًا وذكاء، وأبرز تلاميذ ابن جرير في حفظ كتبه؛ حيث حفظ مذهبَه، وشرح كتاب ابن جرير الخفيف في أحكام شرائع الإسلام، وغيرها.

 

له تفسير في ستة مجلدات اسمه: (البيان الموجز عن علوم القرآن المعجز)، وكان سمع من ابن جرير وهو صغير، وأعجب به وبمذهبه في الفقه.

 

وله غيرهم خلق كثير لا يشتهر بهم الإمام ابن جرير، إنما هم يشتهرون به، رحم الله الجميع.

 

ومما نقله مترجموه عنه: عنايتُه بالطلبة، فكان يعود مريضَهم، ويواسي فقيرَهم، ويكثر الإحسان إليهم حتى أحبوه لخُلقه وأدبه وكريم نفسه مع علمه وحفظه، فمن ذلك: أنه ربما أجَّل درسَه لغياب أحد مقرئيه حتى يعود؛ لئلا يخصَّهم بشيء من دونه، هذا إذا رتَّب عليه جماعة القراءة في كتاب معين خلا مجالس الإملاء والتحديث.

 

وكان يشاور طلابه في نوع ما يملي عليهم وكثرته، كما شاورهم في إملاء التفسير والتاريخ ورأى عجزَهم عن تحمل التطويل فيهما، فأملي مختصرَهما، وهما الموجودان المطبوعان الآن.

 

ومما نقل عن معاملته لتلاميذه: أن تلميذه القاضي ابنَ كامل وجد إهانة من بعض طلاب ابن جرير في مجلسه، فانقطع عن ذلك المجلس زمانًا حتى لَقِيه ابن جرير واعتذر منه، كأن الإهانة جاءت منه هو، حتى أرضاه، وأعاده لمجلسه.

 

وهذا وأمثاله أسلوب واقعي يوجب ارتباط التلميذ بشيخه ومحبته له وتعظيمه إياه؛ بل وإقباله على الأخذ عنه، والحرص على العلم الذي لأجله عَظُمَ في نفس شيخه، والشيخ في نفس تلميذه.

 

وقد عُنِي طلابه بتاريخ حياته وجمع نوادره وترجمته، فممن ألف في ذلك: تلميذه القاضي أبو بكر أحمد بن كامل (350)، وأبو محمد بن عبدالعزيز بن محمد الطبري، وأبو إسحاق بن إبراهيم بن حبيب الطبري، وأبو الحسن أحمد بن يحيى بن علم الدين المتكلم، ولا أدري أهو كتاب (المدخل إلى مذهب الطبري ونصرته) أو كتاب آخر مستقل، وأبو محمد الفرغاني، ونقل جملاً منها الذهبيُّ في ترجمته في السير، كل هؤلاء نقل عن كتبهم ياقوتُ في ترجمته المطولة للإمام ابن جرير في معجم الأدباء، ومنهم القفطي صاحب (إنباه الرواة) ألف كتابًا مستقلاًّ سماه: (التحرير في أخبار محمد بن جرير) وصفه فيه بأنه: كتاب ممتع.

 

وكان أبو جعفر يحب الرائحة الطيبة، فكان في الصيف - وهو فصل انبعاث روائح الجسم من الحرارة والأنفاس - يكثر من الرياحين بأنواعها والأطياب.

 

وكان برنامجه اليومي المعهود في درسه وتعليمه كما وصفوه: أنه كان إذا أكل طعامه في الصباح نام في ثياب تشبه الكتَّان، في قميص قصير الأكمام مصبوغ بالصندل وماء الورد، ثم يقوم يتوضأ لصلاته، فيصلي الظهرَ، ثم يجلس يكتب ويؤلف إلى صلاة العصر، ثم يصليها ويجلس للطلاب يملي عليهم أو يقرؤون عليه، ويشرح لهم حتى المغرب، ثم بعد صلاة المغرب يجلس لدرس الفقه إلى صلاة العشاء، ثم يقوم إلى داره، ويقسِّم ليلته بين حزبه ونومه وحاجته.

 

ولهذا أكثر التصنيف، حتى حُزِرَ ما يكتبه كل يوم - بالمتوسط - بأربعين ورقةً أو نحوها، فلله درُّ العالم الرباني.

 


[1] هذا الكتاب والذي قبله مخطوطان، الأول بإحدى مكتبات المدينة وإستنبول، والثاني بظاهرية دمشق برقم 389.