لماذا اجتهادنا في العشر الأول من ذي الحجة أقل

لماذا اجتهادنا في العشر الأول من ذي الحجة أقل منه في العشر الأواخر من رمضان؟

  • التصنيفات: العشر من ذي الحجة -

لماذا اجتهادنا في العشر الأول من ذي الحجة أقل منه في العشر الأواخر من رمضان؟

 

تعتبر العشر الأول من ذي الحجة أفضل أيام العام، ولعظمها أقسم الله بها: ﴿  {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ}   [الفجر: 1، 2]، وفي الحديث: ( «أفضل أيام الدنيا أيام العشر» )؛ يعني عشر ذي الحجة، والعمل فيها أفضل من العمل فيما سواها: ( «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» ).

ولا ننسى أن فيها يوم عرفة الذي صومه يكفر سنتين؛ كما في الحديث: ( «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» )، وأيضًا في هذه الأيام يوم النحر، وحسبك فيه حديث: ( «أعظم الأيام عند الله يوم النحر» )، ولكن لماذا أكثر الناس غافلون؟ ولماذا نرى اجتهادهم في رمضان أكثر منه في هذا العشر؟ بل الكثير تمر عليه مثلها مثل أي أيام أخرى.

أولًا: في رمضان صيام للنهار وقيام لليل:

لعل أهم ما يميز رمضان عن غيره هو فرض صيامه وندب قيامه، ولكن الصوم ليس خاصًّا برمضان، فصيام التسع الأول من ذي الحجة مشروع، ففي الحديث: (كان يصوم تسع ذي الحجة...)، إذًا ففي هذه العشر صيام، وأما القيام فهو من أجلِّ الأعمال الصالحة التي ينبغي الإكثار منها في أيام العشر: (...  «وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» )، وأيضًا: ( «وأفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل» )، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم ( «واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل» )، فلا يقتصر الصيام والقيام على رمضان، بل الأمر أوسع من ذلك بكثير.

 

ثانيًا: الأعمال والعشر:

من الملاحظ أن أعمال الناس في وظائفهم وحِرَفِهم تستمر بنفس الوتيرة، لا سيما الأعمال الشاقة كالزراعة والحدادة والبناء وغيرها، لذلك فإنه لا يحدث أي تغير كما هو الحال في رمضان، فينقلب الليل نهارًا والنهار ليلًا، ويتوقف الكثير من الناس عن العمل في نهار رمضان على الأقل إن لم يكن النهار مع الليل، ولكن مع ذلك فإن هناك عبادات لا تتطلب جهدًا، ويمكن أن يجمع الإنسان بينها وبين عمله؛ كالذكر، وحسن الخلق، أما علمنا أن للذكر منزلة عظيمة: ﴿  {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ}   [العنكبوت: 45]، وله مزية خاصة في أيام العشر، ( «فأكثروا فيهنَّ من التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل» )، أما عن حسن الخلق، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( «مَا مِنْ شَيءٍ أَثْقَلُ في ميزَانِ المُؤمِنِ يَومَ القِيامة مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ» )، ومنه: ( «تَبَسُّمُك في وَجْه أَخِيك لك صدقة» )، و( «لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» )، فهذه أعمال لا تتطلب جهدًا، بل هي سهلة ميسورة، ويمكن القيام بها ولو كنا نعمل في أي عمل.

 

ثالثًا: واجب الدعاة والخطباء:

من المعلوم أن الأحداث الكبيرة تسبقها تغطية إعلامية ضخمة، وإلا لما التفت لها إلا القليل أو المهتمون، فكذلك هذه الأيام التي هي أعظم حدث في العام كله، ولا يتكرر إلا مرة واحدة، ومن حضره هذا العام قد لا يكون من أهله في العام المقبل، فعلى الدعاة أن يحشدوا طاقاتهم، ويركزوا جهودهم، ويعدوا العدة مثل ما هو الحال في رمضان أو أشد، ولا ننسى: ﴿  {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}   [الذاريات: 55]، فكلما قام الدعاة بالحث على الأقبال على الله في هذه العشرة، انجفل الناس إلى الطاعة والمساجد.

 

رابعًا: الأسرة والعشر:

في رمضان يدرك كل أحد من أفراد الأسرة كبيرهم أو صغيرهم حالةَ الطوارئ التي تعيشها الأسرة قبل وأثناء رمضان، وتحدث تغيرات كبيرة في نظام الأسرة، وتكثر الزيارات للأرحام وقراءة القرآن في البيوت وغيرها، لو أنا أحدثنا حالة طوارئ على مستوى الأسرة استعدادًا لهذه العشر، لعظُم شأنها في نفوس الأبناء، وأحسوا أنها ليست أيام عادية، وبذلك ينشؤون على الإكثار من العبادة فيها، لا سيما الصوم، فلو استطاع أفراد الأسرة الصوم في هذه العشر، فإن هذا كفيل بالإحساس باختلافها عن غيرها لدى نفوس الصغار.

 خامسا: يومَك قبل العشر ليس كيَوْمِك أثناء العشر(التخطيط):

الكثير من الناس لا يستشعر أنه في أيام هي أفضل أيام الدنيا، وأنَّ عملاً ما كَتَبسمك في وجه أخيك في العشر ليس كالتبسم في غير العشر، وهكذا دواليك، وحتى لا تكون أيامنا سواء علينا أن نضع خطة للعشر مليئة بالأعمال الصالحة، وهذا لا يعني أنه عليه أن يتفرغ وإنما هناك أعمال ميسورة العمل كثير الأجر ومن أمثلتها:

التفكر، التبسم، أفشاء السلام، انتظار الصلاة (لا يَزَالُ أَحَدُكُمْ في صَلاةٍ مَا دَامتِ الصَّلاَةُ تَحْبِسُهُ، لا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ الصَّلاةُ)، طلب العلم كالاستماع للدروس والكتب الصوتية النافعة، نشر العلم (قال ابن المبارك رحمه الله: لا أعلم بعد النبوة درجة أفضل من بث العلم) ، الصدقة، الذكر( «فأكثروا فيهنَّ من التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل» ) ، قراءة القرآن، كف الأذى (تَكُفُّ شَرَّكَ عَن النَّاسِ فَإِنَّها صدقةٌ مِنْكَ عَلَى نَفسِكَ)، وغيرها كثر وكل بحسبه [ {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ} ] المطَّففين:26

وفي الختام نتساءللماذا كانت العشر بهذه المنزلة؟ ونترك الجواب للحافظ ابن حجر في الفتح بقوله:

(والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره)، فإذا كانت العشر بهذه المنزلة فعلينا جميعًا - دعاةً ومدعوين، وعلماءَ وطلبةَ علمٍ، وخطباءَ ومستمعين - أن نقدر هذه العشر حقَّ قدرها من العمل الصالح، وحث الناس على الإقبال على الله فيها.

والله الهادي إلى سواء السبيل.

سالم محمد أحمد