المقال الثالث: تأويلات الصحابة للآيات العلمية 1

حنفي محمود مدبولى

تأويل  ( النجم الثاقب ) قال ابن عباس : المضيء ، وعنه أيضا قال: هي الكواكب المضيئة، وثقوبه: إذا أضاء .. وقال السدي : يثقب الشياطين إذا أرسل عليها .

  • التصنيفات: القرآن وعلومه -

 

  1. اختلافهم فى تأويل بعض الآيات أو الأحاديث التى فيها اشارات علمية:

 

  1. وفي قصة تأبير النخل: ورد الحديث في واقعة تأبِير النخل، وله طرق – عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم – متباينة في ألفاظها؛ مما يدل على أن بعض الرواة نقلوا القصة بالمعنى([1])، وأقرب ألفاظه وأصحها: ما رواه موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: «مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رءوس النخل، فقال: «ما يصنع هؤلاء؟» فقالوا: يُلقِّحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيُلقح، فقال رسول الله ﷺ : «ما أظن يغني ذلك شيئًا»، قال: فأُخبروا بذلك فتركوه، فأُخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل» »([2]). ولهذا الحديث عدة روايات عند الإمام مسلم وغيره ، وقدم الإمام مسلم هذه الرواية عن غيرها والسبب في ذلك: هو أن عادة الإمام مسلم في صحيحه أن يرتب الروايات الحديثية بحسب قوتها، فيقدِّم الأصح فالأصح([3]). بالإضافة إلى أن هذه الرواية مصرحة بأن كلامه ﷺ لهم كان من قبيل الرأي والظن، وليس على سبيل التشريع. وأما الجملة المشهورة – وهي قوله ﷺ -: “أنتم أعلم بأمر دنياكم” فقد جاءت في حديث عائشة وأنس – رضي الله عنهما -: «أن النبي ﷺ مرَّ بقوم يُلقحون فقال: “لو لم تفعلوا لصلح”، قال: فخرج شِيصً» ا([4])، «فمرَّ بهم فقال: “ما لنخلكم؟” قالوا: قلتَ كذا وكذا، قال: “أنتم أعلم بأمر دنياكم» ([5])

وليس إبار النخل وتلقيحه تشريع للأمة ، بل هو رأى فى أمر الدنيا. قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبرًا، وإنما كان ظنًّا كما بينته الرواية السابقة – التي هي أصح الروايات – ورأيه ﷺ في أمور المعايش وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك؛ وسببه تعلق هممهم بالآخرة ومعارفها([6]).

أمَّا أن يُفهم من هذه الجملة – “أنتم أعلم بأمر دنياكم” -: أن أمره ﷺ في أي شيء من أمور الدنيا يسمى أمر إرشاد؛ لأنه لا يقصد به القربة ولا فيه معنى التعبد. فإن هذا الفهم لا يُقبل ولا يصح، وهو تحميل للكلام ما لا يحتمل؛ إذ أمور الدنيا خاضعة لأحكام الشرع كالإجارة والوكالة والرهن والشفعة وغيرها، وقد تكرر كثيرًا في القرآن الكريم الأمر بطاعة الرسول ﷺ ، والتحذير من مخالفة أمره، ومن تلك الآيات قوله تعالى: { {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} } [الحشر: 7]، وقوله سبحانه: { {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} } [النور: 63]، فأمره ﷺ بشيء دليل قام على وجوب ذلك الشيء، إلا أن يقوم دليل يصرف الأمر عن الوجوب إلى غيره، وتفصيل ذلك في كتب أصول الفقه([7]).

ومن المعلوم أن الرسل ما جاءت للتدخل في الأمور التي تدرك عن طريق الخبرة والتجربة، وإنما جاءت لتخرِجَ الناس من ظلمات الغي إلى نور الهداية؛ يقول تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور(1)ِ [سورة إبراهيم، أي: إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب؛ لتخرج الناس مما هم فيه من الضلال والغي إلى الهدى والرشد([8])  وواضح أن قوله ﷺ: “أنتم أعلم بأمر دنياكم” غير داخل في الأمور التشريعية، وإنما هو ظن منه ﷺ  في أمر يُدرك بالتجربة والخبرة، فأمر تلقيح النخل مثله مثل تنظيم سير السيارات، وشق الأنفاق، وإنشاء الجسور، ونحو ذلك من الأمور المباحة التي يدركها أهل الخبرة والاختصاص. ومنه أيضا ما يكتشفه العلم الحديث فى مسألة علمية لها أشارة علمية فى كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ.

 

  1. اختلافهم فى بيان الظلمات الثلاثاء

 قال الإمام القرطبى: (في ظلمات ثلاث) ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة . قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك . وقال ابن جبير : ظلمة المشيمة ، وظلمة الرحم ، وظلمة الليل . والقول الأول أصح . وقيل : ظلمة صلب الرجل ، وظلمة بطن المرأة ، وظلمة الرحم . وهذا مذهب أبي عبيدة . أي : لا تمنعه الظلمة كما تمنع المخلوقين([9]) . وللعلماء تفاوت فى بيان هذه الظلمات الثلاث وسأبينه فى حينه بإذن الله تعالى

 

  1. اختلافهم فى تأويل معنى (مستقر ومستودع)من قوله تعالى: ( {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} [(98) سورة الأنعام]

قال ابن الجوزي وللمفسرين في هذا المستقر والمستودع تسعة أقوال

أحدها: فمستقر في الأرحام، ومستودع في الأصلاب، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، والنخعي، وقتادة، والسدي، وابن زيد.

والثاني: المستقر في الأرحام، والمستودع في القبر، قاله ابن مسعود.

والثالث: المستقر في الأرض، والمستودع في الأصلاب، رواه ابن جبير عن ابن عباس.

والرابع: المستقر والمستودع في الرحم، رواه قابوس عن أبيه عن ابن عباس.

والخامس: المستقر حيث يأوي، والمستودع حيث يموت، رواه مقسم عن ابن عباس.

والسادس: المستقر في الدنيا، والمستودع في القبر.

والسابع: المستقر في القبر، والمستودع في الدنيا، عكس الذي قبله، رويا عن الحسن.

والثامن: المستقر في الدنيا، والمستودع عند الله تعالى، قاله مجاهد.

والتاسع: المستقر في الأصلاب، والمستودع في الأرحام، قاله ابن بحر، وهو عكس الأول. اهـ.

وجاء العلم ليكشف لنا أن الصفات الوراثية لأبينا آدم وأمنا حواء كانت مستقرة ومستودعة فيهما وانتقلت لذريتهما من بعدهما وأن هذه الصفات موجودة فى جينات الخلايا الجنسية الأولية وفى الخلايا الجذعية وفى خلايا عجب الذنب وفى جميع خلايا الجسم وهى تنتقل من جيل إلى جيل([10]) حتى تقوم الساعة وبهذا يتحقق معنى الخلافة فى الأرض من قوله عز وجل للملائكة (إنى جاعل فى الأرض خليفة)

 

 (d اختلافهم فى تأويل معنى مضغة مخلقة وغير مخلقة

قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبرى: واختلف أهل التأويل في تأويل قوله (مخلقة وغير مخلّقة)، فقال بعضهم: هي من صفة المضغة. قال: ومعنى ذلك: فأما المخلقة فما كان خلقا سَوِيّا وأما غير مخلقة، فما دفعته الأرحام من النطف ، وألقته قبل أن يكون خلقا وهو قول عبد الله بن مسعود.

وقال قتادة (مخلقة) أى: تامة  (وغير مخلقة) أى: غير تامة.

وقال مجاهد: معنى ذلك المضغة مصوّرة إنسانا وغير مصوّرة ، فإذا صورت فهي مخلقة وإذا لم تصوّر فهي غير مخلقة ، وقال داود بن أبى هند ، وعامر وأبى العالية: السقط ، مخلوق وغير مخلوق..

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: المخلقة المصورة خلقا تاما، وغير مخلقة: السِّقط قبل تمام خلقه ، لأن المخلقة وغير المخلقة من نعت المضغة والنطفة بعد مصيرها مضغة، لم يبق لها حتى تصير خلقا سويا إلا التصوير، وذلك هو المراد بقوله ( مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) خلقا سويا، وغير مخلقة بأن تلقيه الأم مضغة ولا تصوّر ولا ينفخ فيها الروح. وهنا أجد حقيقة علمية لم يتطرق إليها أحد من قبل فى بيان المضغة المخلقة والغير مخلقة حيث تبين لى أن جميع خلايا المضغة بها 46 كروموسوما ، ولكم ليست كل الجينات عليها مفعلة فى آن واحد بل بعضها مفعل وبعضها غير مفعل([11]) وهذا يعنى أن المضغة بها خلايا مقدرة ومفعلة لعمل تركيب نسيجى عضوى أو جهاز له وظيفة محددة ، وفيها جينات على نفس الكروموسومات غير مفعلة لعمل ذلك ، بل مقدرة ومفعلة لعمل نسيج جهاز آخر ووظائف أخرى . فماذا يحدث لو أن جميع الجينات فى جميع خلايا المضغة مقدرة ومفعلة لعمل كل أجهزة وأعضاء الجسم؟ لوجدنا ملايين الأكباد والأجهزة وانبعاج الجسم بنتوءات لا يعلم مداها إلا الله ، وهنا يتضح معنى قوله تعالى فى سورة الإنفطار: (الذى خلقك فسواك فعدلك فى أى صورة ما شاء ركبك). ومن هنا يتضح معنى مخلقة وغير ومخلقة .

 

 (eاختلافهم فى تأويل (البحر المسجور)

 ﺃﻭﺭﺩ المفسرون رحمهم الله تعالى فى معنى البحر المسجور أقوالا كثيرة   :

  1. المسجوربمعنى الموقد ، ﻭﻫﻮ ﻣﺮﻭﻱ ﻋﻦ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ أبى طالب ﺭﺿﻲ ﺍﷲ ﻋﻨﻪ، ومجاهد ، وشمر ﺑﻦ ﻋﻄﻴﺔ، وعبد الرحمن بن زيد  .
  2.  أنه المملوء وهو مروى عن قتادة والحسن وابن السائب وأبى صالح  .
  3.  أنه اليابس ﺍﻟﺬﻱ ﺫﻫﺐ ﻣﺎﺅﻩ، ﻭﻫﻮ ﻣﺮﻭﻱ ﻋﻦ ﺍﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ، ﻭﺑﻪ ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ العالية
  4. المسجور أنه المحبوس
  5. المختلط عذبه بملحه ذكره ابن الجوزى عن الربيع ابن أنس([12])
  6. ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻟﻔﺎﺭﻍ، ﻭﻫﻮ ﻣﺮﻭﻱ ﻋﻦ ﺍﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ، ﻓﻬﻮ ﻣﻦ ﺍﻷﺿﺪﺍﺩ ([13])
  7. الممنوع المكفوف ﻋﻦ ﺍﻷﺭﺽ ﻟﺌﻼ ﻳﻐﻤﺮﻫﺎ ﻓﻴﻐﺮﻕ ﺃﻫﻠﻬﺎ، ﻭﻫﻮ ﻗﻮﻝ ﺍﻟﺴﺪﻱ ﻭﺭﻭﺍﻳﺔ ﻋﻦ ﺍﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ([14]) ﻭﺍﻟﻘﻮﻝ ﺍﻟﺮﺍﺟﺢ ﻋﻨﺪ الطبرى رحمه ﺍﷲ :ﺃﻧﻪ المملوء.

وﻋﻨﺪ ﺗﺄﻣﻞ ﺍﻷﻗﻮﺍﻝ ﺍﻟ ﺫﻛﺮﻫﺎ المفسرون نجد أن العلم الحديث ﻗﺪ بين ﻟﻨﺎ ، ﺭﺟﺤﺎﻥ ﺃﺣﺪ ﺍﻷﻗﻮﺍﻝ التى ﺫﻛﺮﻫﺎ المفسرون ، ﻭﻟﻜﻨﻬﻢ لم ﻳﺮﺟﺤﻮﻩ ، ومن خلال ﺍﻻﻛﺘﺸﺎﻓﺎﺕ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ تبين ﻟﻨﺎ وجود براكين عملاقة فى قاع المحيطات تسجرها نارا([15] ، [16]) وهذه الحقيقة العلمية تشير إلى ﺗﺮﺟﻴﺢ ﻗﻮلا ﺁﺧﺮ غير ﺍﻟﺬﻱ ﺭﺟﺤﻪ المفسرون . وتبين أن ابن جرير الطبرى  لم ﻳﺮﺟﺢ معنى (المسجور) بأنه الموقد ؛ ﻷﻧﻪ ﻳﺮﻯ ﺃﻥ ﺍﻟﺒﺤﺮ غير ﻣﻮﻗﺪ، بل هو مملوء بالماء ولهذا رجح هذا القول.

 

 -F اختلافهم فى (الطارق) ، (النجم الثاقب)

تأويل الطارق:

قال بن جرير الطبرى:القول في تأويل قوله تعالى : ({وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} [(1) سورة الطارق]

أقسم ربنا بالسماء وبالطارق الذي يطرق ليلا من النجوم المضيئة، ويخفى نهارًا، وكل ما جاء ليلا فقد طرق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل عن ابن عباس ، وعن قتادة ( وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ) قال: السماء وما يطرق فيها . وعن الضحاك يقول في قوله: ( الطَّارِقِ ) النجم .

وقال القرطبى: قوله تعالى : والسماء والطارق قسمان : ( السماء ) قسم ، و ( الطارق ) قسم . والطارق : النجم . وقد بينه الله تعالى بقوله : وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب .

واختلف فيه فقيل : هو زحل : الكوكب الذي في السماء السابعة ذكره محمد بن الحسن في تفسيره ،

. وقال ابن زيد : إنه الثريا . وعنه أيضا أنه زحل وقاله الفراء .

ابن عباس : هو الجدي . وعنه أيضا وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - والفراء : النجم الثاقب : نجم في السماء السابعة ، لا يسكنها غيره من النجوم فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء ، هبط فكان معها . ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة ، وهو زحل ، فهو طارق حين ينزل ، وطارق حين يصعد

وحكى الفراء : ثقب الطائر : إذا ارتفع وعلا

وفي الصحاح : والطارق : النجم الذي يقال له كوكب الصبح .

تأويل  ( النجم الثاقب ) قال ابن عباس : المضيء ، وعنه أيضا قال: هي الكواكب المضيئة، وثقوبه: إذا أضاء .. وقال السدي : يثقب الشياطين إذا أرسل عليها . وقال عكرمة : هو مضيء ومحرق للشيطان .النَّجْمُ الثَّاقِبُ(3) والثاقب : المضيء . ومنه شهاب ثاقب . وفي معنى ثاقب يقول معجم لسان العرب أيضا:والثقب : مصدر النار الثاقبة . والكوكب الثاقب : المضيء . وتثقيب النار :اشعالها وتذكيتها . وثقبت النار تثقب ثقوبا وثقابة : اتقدت . والثقاب والثقوب : ما أثقبها به وأشعلها به من دقاق العيدان . ويقال : هب لي ثقوبا أي : حراقا ، وهو ما أثقبت به النار أي : أوقدتها به . وشهاب ثاقب أي : مضيء . وثقب الكوكب ثقوبا : أضاء . وفي التنزيل العزيز : وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب . الثاقب المضيء والعرب تقول : أثقب نارك أي : أضئها للموقد الثقوب : ما تشعل به النار من دقاق العيدان . وقال مجاهد : الثاقب : المتوهج . وعن عكرِمة، في قوله: ( النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) قال: الذي يثقب .وعن قتادة: ثقوبه: ضوءه .عن قتادة ( النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) : المضيء .

قال ابن زيد، في قوله: ( النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) قال: كانت العرب تسمِّي الثُّريا النجم، ويقال: إن الثاقبَ النجمُ الذي يقال له زُحَلْ. والثاقب أيضًا: الذي قد ارتفع على النجوم، والعرب تقول للطائر - إذا هو لحق ببطن السماء ارتفاعًا -: قد ثَقَبَ، والعرب تقول: أثقِب نارك: أي أضئها .

﴿الطَّارِقِ﴾ كُلُّ مَا يَطْرُقُ وَيَأْتِي لَيْلًا، وسُمِّيَ النجمُ طَارِقًا لِطُلُوعِهِ لَيْلًا. ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ أي: الثُّرَيَّا، وَالثَّاقِبُ: المضيءُ الَّذِي يَثْقُبُ الظلامَ بِنُورِهِ([17])

من هنا نجد الخلاف بين أقوال الصحابة والتابعين فى تأويلهم لمعنى (الطارق) بما يخالف الحقيقة العلمية المكتشفة حديثا فى نهاية القرن العشرين وتأكيدها بأبحاث علمية موثقة فى العشرين سنة الأولى من القرن الحادى والعشرين

والحقيقة العلمية التى تم اكتشافها هى: أن النجوم الثاقبة هي نجوم نيوتورنية تدور بسرعة عالية جدا قد تصل الى 600 دورة في الثانية. تولد مجالا مغناطيسيا هائلا يتراوح بين1010- 108G واكتشفت النجوم النابضة عام 1967 بواسطة جوسيللين بيل بيرنيل  وتم نشر البحث فى مجلة نيتشر([18]) سنة 1968

Pulsars were discovered in late 1967 by graduate student Jocelyn Bell Burnell ([19]) as radio sources that blink on and off at a constant frequency.

ولاحظت جوسيللين بيل بيرنيل أثناء دراستها للدكتوراة فى جامعة كامبريدج اشارات أو ومضات مرصودة بتلسكوب راديوى وسجلتها على هية موجات متذبذة بين الارتفاع والانخفاص على ورق رسم بيانى مما أعطاها شكل رسم شكل نبضات القلب ومن هنا جاءت تسميتها بالنجوم النابضة . وتبين للعلماء من خلال دراسات مستفيضة ان هذه النجوم تشع وتنطفئ بشكل دوري. ويتم رصد كل اشعاعاعات النجوم النابضة في كل الترددات بما في ذلك الترددات السينية العالية وترددات الضوء المرئي. وتصدر النجوم النابضة تدفقات نافورية jets من الجسيمات بسرعة الضوء تنساب خارجة من القطب المغناطيسي لها magnetic pole  تكون هذه التدفقات حزم اشعاعات قوية من الضوء beams of light هذه الاشعاعات الضوئية تدور مع دوران النجم تماما كما يدور الضوء في منارة بحرية (فنار) light houseوكما يظهر ضوء الفنار لسفينة قادمة في البحر وكأنه يشتعل وينطفئ بشكل دوري تظهر النجوم النابضة لمراصدنا على انه تشتعل وتنطفئ بشكل دوري. وفى العشرين سنة الماضية اهتم العلماء من جميع وكالات الفضاء ومنهم وكالة ناسا بدراسة هذه النجوم النابضة. ولكن العلماء لما استقبلوا هذه الموجات على أجهزة الكمبيوتر تم تحويلها إلى صوت على هيئة طرق متتالى ومن هنا سموا هذه النجوم بالمطارق.  ولأن تسجيل موجات الاشعاع من قبل الراصد يصبح دوريا لهذا السبب فإنه وباستخدام المعالجة الحاسوبية يتم محاكاتها بصوت كصوت نبضات القلب)[20](.

 وموافقة ما قاله الصحابة رضوان الله عليهم ، وعلماء التفسير يرحمهم الله تعالى لمعنى النجم الثاقب يثبت فهما عميقا للصحابة والتابعين من بعدهم. وعلينا أن نفتخر بهم وبآرائهم فى مثل هذه المسائل العلمية خصوصا إذا وافق تفسيرهم ما اكتشفه العلم بعد أربعة عشر قرنا من الزمان. ومن جهة أخرى يأتى العلم ويقول كلمته لتحرير النزاع والخلاف فى تأويل  (والسماء والطارق) فيكون رأى العلم راجحا وأقوال العلماء جميعها مرجوحة. ويجب علينا توقيرعلمائنا القدامى والمحدثين ، واحترام علمهم واجتهادهم بما فهموه من معارف عندهم فى ذلك الوقت ولا يمكن بأى حال من الأحوال الانتقاص من قدرهم لأن أمة لا تحترم علماءها هى أمة جاهلة تسير فى غياهب الظلمات ولا يكون مصيرها إلا الشتات ونعوذ بالله من الخذلان.

 

[1]) ينظر: تفسير المنار (7/ 426)

[2]) رواه مسلم (2361).

[3]) قاله الشيخ المعلمي في الأنوار الكاشفة (ص: 29).

[4]) هو البسر الرديء الذي إذا يبس صار حشفًا، وقيل: أردأ البسر، وقيل: تمر رديء. ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم (15/ 118

[5]) ”( رواه مسلم (2363)

[6]) ينظر: شرح النووي على مسلم (15/ 116).

[7]) ينظر: الأنوار الكاشفة (ص: 28).

[8]) تفسير ابن كثير (4/ 476).

[9]) الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبى

[10](  (Schoenwolf, Gary C. (2009). ". Larsen's human embryology (4th ed.). Philadelphia: Churchill Livingstone/Elsevier.

[11](Ben-Tabou de-Leon S, Davidson EH (2007). "Gene regulation: gene control network in development". Annu Rev Biophys Biomol Struct. 36 (191): 191–212.

[12]) ﺟﺎﻣﻊ ﺍﻟﺒﻴﺎﻥ ﻟﻠطبرى ١٩/٢٧ ، زاد المسير لابن الجوزى 8/47 ، 48، التفسير الكبير ﻟﻠـﺮﺍﺯﻱ 28/205 .             

[13]) الجواهر الحسان للثعالبى 4/214

[14]) ﺗﻔﺴ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ، ﻻﺑﻦ كثير 4/241

[15]( Martin R. Speight, Peter A. Henderson, "Marine Ecology: Concepts and Applications", John Wiley & Sons, 2013. ISBN 978-1-4051-2699-1.

[16](Umino, Susumu; Lipman, Peter W.; Obata, Sumie (2000-06-01). "Subaqueous lava flow lobes, observed on ROV KAIKO dives off Hawaii". Geology. 28 (6): 503–506. doi:10.1130/0091-7613(2000)028<0503:slfloo>2.3.co;2. ISSN 0091-7613

[17]) تفسير غريب القرآن، المؤلف: كاملة الكواري ،الناشر: دار بن حزم ،الطبعة: الأولى، ، 2008 م، ص 86.

[18] ) A. HEWISH, S. J. BELL, J. D. H. PILKINGTON, P. F. SCOTT & R. A. COLLINS(1968). Observation of a Rapidly Pulsating Radio Source. Nature volume 217, pages 709–713 (1968)

[19] ) A half-century later on September 6, Bell Burnell was awarded the $3 million Special Breakthrough Prize in Fundamental Physics. The prize has been given only three times before: to British physicist Stephen Hawking for discovering a type of radiation from black holes in 1974, the CERN team that discovered the Higgs boson in 2012, and the LIGO collaboration that in 2016 found gravitational waves

[20] ) Hambleton, K.; Fuller, J.; Thompson, S.; Prša, A.; Kurtz, D. W.; Shporer, A.; Isaacson, H.; Howard, A. W.; Endl, M.; Cochran, W.; Murphy, S. J. (13 October 2017). "KIC 8164262: a heartbeat star showing tidally induced pulsations with resonant locking". Monthly Notices of the Royal Astronomical Society. 473 (4): 5165–5176. doi:10.1093/mnras/stx2673. ISSN 0035-8711. Retrieved 29 February 2020.