الأدوية الروحانية شفاء للأمراض النفسية ووقاية منها

فهد بن عبد العزيز الشويرخ

ويقول المستشار في الطب النفسي الدكتور عبدالله الخاطر رحمه الله: إن في القرآن والسنة الوقاية والعلاج لحالات الحزن والاكتئاب.

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى، فلا يعرف ثمن الصحة إلا من ابتُلي بضدها، وهو المرض، ولذا يرى المرضى تاج الصحة على رؤوس الأصحاء، ولا يرى كثير من الأصحاء ذلك التاج.

المريض ببدنه يعاني؛ لأن مرضه يمنعه عن أداء الأعمال كان يقوم بها قبل مرضه، وتعظم هذه المعاناة إذا كان المرض نفسيًّا؛ حيث يعاني المريض، ويعاني من يعيش معه ويرتبط به، وتزداد هذه المعاناة إذا طالت مدة المرض، أولم يتم الشفاء من المرض النفسي، فرغم تعدد طرق علاج الأمراض النفسية، إلا أنها لم تحقق النجاح المأمول في الشفاء، فأعداد من بصابون بالأمراض النفسية يزداد، يقول أستاذ علم النفس الدكتور صالح بن إبراهيم الصنيع: في القرنين التاسع عشر والعشرين ظهرت المدارس النفسية التي تعالج الأمراض النفسية... وأصبحت هناك العديد من النظريات والطرق العلاجية لمختلف الأمراض النفسية، وذلك بحسب ما تراه النظرية، فهناك العلاج السلوكي من النظرية السلوكية، والعلاج بالتحليل النفسي من نظرية التحليل النفسي، والعلاج العقلي من النظرية المعرفية، وغيرها كثير، ولكن هذا التقدم الذي أصاب طرق علاج الأمراض النفسية لم يقللها، بل استمرت في الزيادة رغم النجاحات التي تحققت في فترات زمنية متفاوتة، سواء في التشخيص أو الأدوية، أو المقاييس المستخدمة في التعرف على هذه الأمراض.

ويقول طبيب علم النفس الدكتور محمد عبدالفتاح المهدي: لقد بذلت جهودًا كثيرة في ميدان العلاج النفسي للأفراد الذين يعانون من اضطرابات الشخصية والأمراض النفسية، وظهرت في هذا الميدان أساليب مختلفة للعلاج النفسي، غير أنها جميعًا لم تحقق النجاح المرجو منها في القضاء على الأمراض النفسية أو الوقاية منها.

وتقول الباحثة طريفة بنت سعود الشويعر في رسالتها لنيل درجة الماجستير في مجال الصحة النفسية: رغم انتشار العيادات النفسية، واتباع الوسائل العلاجية النفسية التي من بينها التحليل النفسي، فإن النتيجة كانت ازدياد حالات الانتحار وازدحام العيادات النفسية بالمراجعين... لقد تفشت الأمراض النفسية في هذا العصر.

وإهمال الجانب الروحي سبب عدم فعالية تلك الطرق في شفاء الأمراض النفسية، يقول أستاذ علم النفس الدكتور صالح الصنيع: ومن الملاحظ أن أبرز ما تم إهماله في الدراسات النفسية المذكورة هو الجانب الروحي ودوره فيما يعانيه الإنسان من أمراض نفسية.

وهذا الإخفاق وعدم النجاح جعل المطالبات تكثر باعتماد الجانب الروحي في علاج الأمراض النفسية، يقول الدكتور محمد عثمان نجاتي: بدأت تظهر حديثًا اتجاهات بين بعض علماء النفس تنادي بأهمية الدين في الصحة النفسية، وفي علاج الأمراض النفسية.

ويقول الدكتور جمال ماضي أبو العزايم: وعلى ضوء زيادة معدلات القلق والاكتئاب في جميع أنحاء العالم، فقد أصبحت هناك نداءات متزايدة في العقود الأخيرة للعودة إلى العقيدة والقيم الروحية وتقويتها في النفوس.

ولقد جعلت منظمة الصحة العالمية الجانب الروحي الركن الرابع للصحة، مع الجانب الجسدي، والنفسي والاجتماعي.

لقد أدرك من يعمل في مجال الطب النفسي والدارسين والمتخصصين فيه، أهمية أن تكون الأدوية الروحانية أهم وسيلة لعلاج الأمراض النفسية، وهذه طائفة من أقوالهم وآرائهم في تلك الأدوية:

الإيمان بالله:

يقول الدكتور محمد عثمان نجاتي: بدأت تظهر حديثًا اتجاهات بين بعض علماء النفس... ترى أن في الإيمان بالله قوة خارقة تمد الإنسان المتدين بطاقة روحية معينة تعينه على تحمل مشاق الحياة، وتجنِّبه القلق الذي يتعرض له كثير من الناس الذين في هذا العصر الحديث.

ويقول طبيب علم النفس الدكتور: محمد عبدالفتاح المهدي: لا أحد ينكر تأثير قوة الإيمان بالله على الصحة النفسية للإنسان... ومن خلال ممارستي لمهنة الطب النفسي أتأكد كل يوم أن إيقاظ روح الإيمان وتصحيح التصور الديني.. وإلزام المريض ببرنامج عبادي منظم، كل هذه الأشياء لها أثرها العظيم على المدى الطويل.

ويقول الدكتور ناصر بن عبدالله التركي: إن المؤمن بالغيب يتخلص من القلق النفسي الذي يصيب الإنسان من جراء ما يواجهه في هذه الدنيا من شقاء أو هوان.... إن الإنسان إذا قويت عقيدته ووثَّق صلته بالله، فإنه لا يصاب بالأمراض النفسية؛ لأن الطمأنينة والرضا لا يجعلان هناك محلًّا للقلق.

ويقول أعظم الأطباء النفسيين الدكتور كارل يونج: استشارني خلال الأعوام الثلاثين الماضية، أشخاص من مختلف شعوب العالم، وعالجت مئات المرضى، فلم أجد مشكلة واحدة من مشكلات أولئك الذين بلغوا منتصف العمر؛ أي: الخامسة والثلاثين، لا ترجع في أساسها إلى افتقادهم الإيمان، وخروجهم على تعاليم الدين، ويصح القول بأن كل واحد من هؤلاء المرضى وقع فريسة المرض؛ لأنه حرم سكينة النفس التي يجلبها الدين، ولم يبرأ واحد من هؤلاء المرضى إلا حين استعاد إيمانه، واستعان بأوامر الدين ونواهيه على مواجهة الحياة.

ويقول وليم جميس عالم النفس الأمريكي: "إن أعظم علاج للقلق، ولا شك هو الإيمان.

ويقول ديفيد وولف: الإيمان يوفر الأمن الداخلي للفرد، وبدون الإيمان سوف نتعرض لبؤس دائم واضطرابات نفسية متضاعفة.

ويقول ديل كارينجي: أطباء النفس يدركون أن الإيمان القوي، والاستمساك بالدين، والصلاة، كفيلة بأن تقهر القلق والمخاوف، والتوتر العصبي، وأن تشفي نصف الأمراض التي نشكوها... نعم أن أطباء النفس يدركون ذلك، وقد قال قائلهم الدكتور أ.أ.بريل: المرء المتدين حقًّا لا يعاني قط مرضًا نفسيًّا.

ومما ينبغي التنبيه إليه أن الإيمان ليس مجرد كلمة تقال باللسان، ولكنه كما عرفه أهل العلم: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، قال الله عز وجل: {﴿ إنَّمَا المُؤمِنونَ الَّذينَ إِذا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَت قُلوبُهُم وَإِذا تُلِيَت عَلَيهِم آياتُهُ زادَتهُم إيمانًا وَعَلى رَبِّهِم يَتَوَكَّلونَ ﴾ } [الأنفال: 2]؛ قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: المؤمن الذي إذا ذكر الله وجل قلبه؛ أي: خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره.

والإيمان له أركان ستة، لا بدَّ من الإيمان به جميعًا، وهي الواردة في حديث جبريل عليه السلام، عندما سئل الرسول عن الإيمان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «(أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)» ؛ [أخرجه مسلم].

 

الصلاة

يقول أستاذ علم النفس الدكتور صالح بن إبراهيم الصنيع: الصلاة هي سلاح المؤمن الذي يقيه من الوقوع في المشكلات النفسية، وغير النفسية.

ويقول الدكتور ناصر بن عبدالله التركي: الصلاة إذا أداها الإنسان كما يجب أن تؤدَّى بخشوع وتضرُّع وتفكُّر وتأمُّل، واتَّجه بكل جوارحه إلى الله، وانصرف عن مشاغل الدنيا وما فيها، ولم يفكر إلا في الله سبحانه وتعالى وعظمته، فإنها تمده بطاقة روحية تبعث فيه الشعور بالصفاء الروحي، وتزوِّده بالطمأنينة والأمن النفسي... وهذه لها أثرها العلاجي الهام في إزالة القلق الذي يعاني منه المرضى النفسيون.... إن أثر الصلاة في علاج القلق الذي يعتبر هو أساس الأمراض النفسية يفوق الأثر الذي يحدثه أسلوب العلاج النفسي.

ويقول الطبيب توماس هايسوب: إن الصلاة أهم أداة عرفت حتى الآن لبث الطمأنينة في النفوس، وبث الهدوء في الأعصاب.

وجاء في مجلة الطب النفسي الأمريكي عدد (143) أن نسبة 20%- 30% ممن يعانون من التعاسة والقلق النفسي يتغلبون على ذلك بالصلاة والدعاء.

فليجرب صاحب الأمراض النفسية أن يصلي، وأن يطيل السجود، وأن يدعو في سجوده بتضرُّع وصدق وإنابة، وانكسار نفس، ودمع عين، وسوف يجد كل خير من الله الكريم، المهم الصبر، والاستمرار، وعدم الانقطاع.

 

الدعاء والشكوى إلى الله:

قال الله عز وجل عن يعقوب عليه السلام: {﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾} [يوسف: 86]؛ قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: {﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي ﴾} ؛ أي: همي وما أنا فيه، (إِلَى اللَّـهِ) وحده {﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾} ؛ أي أرجو منه كل خير.

يقول الطبيب النفسي الدكتور محمد عبدالفتاح المهدي: في الدعاء يقوم الإنسان بمناجاة ربه ويبث إليه ما يشكوه، وما يعانيه في حياته من مشكلات تزعجه وتُقلقه، وهو في هذه الحالة من الاسترخاء والهدوء النفسي؛ مما يؤدي أيضًا إلى التخلص من القلق.. وإذا كانت حالة الإنسان النفسية تتحسَّن إذا أفضى الإنسان بمشكلاته لصديق حميم أو لمعالج نفسي، فما بالك بمقدار التحسن الذي يمكن أن يطرأ على الإنسان إذا أفضى بمشكلاته لله سبحانه وتعالى، وقام.بمناجاة ربه ودعائه، والاستعانة به، وطلب العون منه، أضف إلى ذلك أن مجرد الدعاء إلى الله تعالى والتضرع إليه، يؤدي إلى تخفيف حدة القلق من ناحية أخرى، وذلك لأن المؤمن يعلم أن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: {﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ } [البقرة: 186]؛ حيث يأمل المؤمن في استجابة الله تعالى له في حل مشكلاته وقضاء حاجاته، ورفع الهم والقلق عنه.

ويقول الدكتور ناصر بن عبدالله التركي: إن أطباء النفس قد أجمعوا على أن علاج التوتر العصبي متوقف إلى حد كبير على الإفضاء بمبعث التوتر والقلق إلى صديق أو قريب، فهل هناك أقرب من الله؟ فهو سبحانه قد جعل للإنسان المؤمن مخرجًا من ضيقه ومصيبته، وذلك بالدعاء واللجوء إليه.

 

كثرة ذكر الله عز وجل:

يقول أستاذ علم النفس الدكتور صالح بن إبراهيم الصنيع: ذكر الله ودعاؤه من أقوى سبل الوقاية والعلاج من جميع الأمراض، ومنها الأمراض النفسية... والشخص الغافل عن ذكر الله، والمعرض عنه يصبح صيدًا سهلًا للعيش الضنك المحاط بأنواع المرض النفسي.

ويقول الدكتور ناصر بن عبدالله التركي: إن ذكر الله يسلب ما في الشخصية من وساوس ومخاوف، ويستبدل مكانها السكينة والأمن والمحبة، وثقتها بالله تجعلها لا تفكر في آفات نفسها وما يصيبها، وإنما تتجه بكُليتها إلى الله تعالى، فتأنس بذكر الله في وحشتها وتطمئن إليه، وهذا له دوره الكبير في شفاء الشخصية الإنسانية من أمراضها.

ويقول الدكتور حسن الشرقاوي: من أفضل طرق العلاج في علم النفس الإسلامي "الذكر"؛ لأنه يصقل القلوب؛ إذ إنه يبدل الخوف أمنًا، والعداوة محبة، ويحول القلق والجزع والاضطراب إلى سكينة، والرعب إلى طمأنينة.

قراءة القرآن الكريم بتدبر والإنصات إليه عند تلاوته من الغير:

يذكر الدكتور محمود يوسف عبده، أن فريقًا طبيًّا قام بإجراء تجارب عملية في ولاية فلوريدا الأمريكية لمدى تأثير سماع القرآن الكريم، وقد ثبت من التجارب بنسبة 97% وجود أثر مهدئ مؤكد للقرآن ظهر في شكل تغيرات فسيولوجية، تدل على تخفيف درجة توتر الجهاز العصبي التلقائي.

ويقول الدكتور مالك بدري: كان يوجد فتاة كانت تعاني من قلق عام، وإحساس بعدم الكفاءة واكتئاب، وبعض الأعراض الرهابية، وقد مكثت بالمستشفى عامًا كاملًا، ولم ينجح علاجها عن طريق العلاج الفردي أو الجماعي ولم تؤثر فيها المهدئات كثيرًا، وفي إحدى الجلسات بدأت أقرأ عليها آيات من كتاب الله التي تتحدث عن مغفرة الذنوب، وهي قوله تعالى: {﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ *الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ } [آل عمران: 133 - 136].وعند الانتهاء من تلاوة الآيات، انفجرت الفتاة باكية، وكانت هذه بداية تحسن، تبعها مزيد من العلاج السلوكي حتى تم شفاؤها.

التوبة:

يقول الدكتور ناصر بن عبدالله التركي: التوبة من الذنوب هي الخطوة الأولى في علاج أمراض الشخصية وأسلوبًا من أساليب تطهير النفس، فالاعتراف لله بالذنوب والآثام الخطوة الأولى في العلاج وراحة النفس، إلا أن هذه الراحة لا تكون كاملة ومستمرة إلا عن طريق التوبة بالإقلاع عن تلك الذنوب والآثام والعزم على تركها، والمثابرة إرضاء الله بالعمل الصالح الخالص، وتلافي ما فات من الخير، لا كما ينادي به أصحاب المدارس النفسية بالاكتفاء بالاعتراف فقط دون أن يكون هناك توبة وتكفير عن الذنوب، أما عن التوبة بوصفها عمليةُ نفسية، فتفتح أمام الإنسان القلق الذي حطمته ذنوبه وآثامه، وأصبحت عبئًا ثقيلًا لا يستطيع تحمُّله... تفتح أمامه الأمل في تطهير النفس... هذا الأمل يجعله يشعر بالراحة النفسية والنظر إلى الحياة نظرة مختلفة، يسودها التفاؤل بعد أن كانت نظرته كلها تشاؤم وخوف ومرارة.

وقبل الختام أذكر بأمور، منها:

الأدوية الروحانية تفعل ما لا تفعله الأدوية الحسية:

إن الإيمان بالله والتوكل عليه، والالتجاء إليه، والانطراح والانكسار بين يديه، والتذلل له، والصلاة، والصيام، والصدقة، والدعاء، والتوبة، والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف، والتفريج عن المكروب، وفعل الخير، والذكر، وقراءة القرآن، والتضرع والابتهال إلى الله.... كل هذه الأمور إذا التزم بها المريض النفسي كان لها دور كبير في شفائه من أمراضه، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: هذه الأدوية قد جرَّبتها الأمم على اختلاف أديانها ومِللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء، ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء، ولا تجربته، ولا قياسه، وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أمورًا كثيرة، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية... ومن أعظم علاجات المرض فعل الخير والإحسان والذكر والدعاء، والتضرع والابتهال إلى الله والتوبة، ولهذه الأمور تأثير في دفع العلل وحصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية.

للأدوية الروحانية مميزات لا توجد في غيرها من الأدوية، من أهمها:

 أنها مستقاة من نصوص الكتاب والسنة، فلا يدخلها اضطراب، أو تنافر، أو تناقض، مما يوجد في نظريات ومدارس البشر، فاليوم نظرية ومدرسة، وغدًا نظرية ومدرسة مضادة لها.

 أنها تجمع بين الوقاية والعلاج، بخلاف غيرها من الطرق التي هي علاج فقط، أما الأدوية الروحانية، فكما أنها من أهم أسباب الشفاء من الأمراض النفسية، فإنها من أهم أسباب الوقاية منها، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: اعلم أن الأدوية الطبيعية الإلهية تنفعُ من الداء بعد حصوله، وتمنعُ من وقوعه، وإن وقع لم يقع وقوعًا مضرًّا، وإن كان مؤذيًا، والأدوية الطبيعية إنما تنفع بعد حصول الداء، فالتعوذات والأذكارُ إما أن تمنع وقوع هذه الأسباب، وإما أن تحوِّل بينها وبين كمال تأثيرها بحسب كمال التعوذ وقوته وضعفه.

ويقول الإمام ابن مفلح المقدسي رحمه الله: والدواء الإلهي أتم وأكمل وأشرف من الدواء الطبيعي، ولهذا قد يمنع الإلهي وقوع السبب، وإن وقع لم يكمل تأثيره، فهو يحفظ الصحة، ويزيل المرض، والدواء الطبيعي لا أثر له إلا بعد وجود الداء.

ويقول المستشار في الطب النفسي الدكتور عبدالله الخاطر رحمه الله: إن في القرآن والسنة الوقاية والعلاج لحالات الحزن والاكتئاب.

ويقول الدكتور ناصر بن عبدالله التركي: الإيمان بالله يقي الإنسان من الإحساس بالقلق الذي يسبب الأمراض النفسية.

ويقول وليم جميس عالم النفس الأمريكي: الرجل المتدين حقًّا عصي على القلق، محتفظ أبدًا باتزانه، مستعد دائمًا لمواجهة ما عسى أن تأتى به الأيام.

 أن من يأخذ بها حتى لو لم يشف، فإنه ينال بعملها الأجر والثواب من الله الكريم.

 لا يوجد لها تأثيرات سلبية، أو مضاعفات جانبية.

 أنها صالحة لكل فرد مسلم، فلا تختص بمجتمع أو بيئة معينة.

 أنها في معظمها يمكن للفرد المريض القيام بها وحده، دون تدخل أو مساعدة من الآخرين.

 أنها ليست مقصورة على الدنيا، بل إنها تذكر الإنسان بآخرته، فلا يغفل عنها، وقد تجعل البعض يقبل على ربه، ويستعد للقائه.

الأدوية الروحانية لا بد من تلقيها بقبول واعتقاد الشفاء بها:

بعض المرضى النفسيين لا ينفع معهم ما ذكر من طرق ووسائل روحانية، والسبب عدم تلقيهم لها بالقبول واعتقاد الشفاء، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة، فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول، واعتقاد الشفا به، وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان، فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور - إن لم يتلق هذا التلقي - لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها، بل لا يزيد المنافقين إلا رجسًا إلى رجسهم، ومرضًا إلى مرضهم، ويقول الإمام ابن مفلح المقدسي رحمه الله: وقد لا ينتفع بعض المرضى بطب النبوة لعدم تلقيه بالقبول واعتقاد الشفا به، أو عدم استعماله على الوجه المعتبر المناسب، ومعلوم أن القرآن شفاء ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا.

وأخيرًا فإن المأمول من الأطباء النفسيين الاهتمامُ بإصلاح القلوب، فصلاحها صلاح للنفوس، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: والطبيب إذا كان عارفًا بأمراض القلب والروح وعلاجهما، كان هو الطبيب الكامل، والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقًا في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب، وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقُّد قلبه وصلاحه، وتقوية روحه وقواه بالصدقة، وفعل الخير، والإحسان، والإقبال على الله والدار الآخرة فليس بطبيب، بل متطبب قاصر.

اللهم يا رحمن يا رحيم، مُنَّ بالشفاء على كل مسلم أُصيب بمرض نفسي، اللهم اجعل ما أصابه كفارةً لذنوبه، ورفعةً لدرجاته.

                          كتبه/ فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ