(1) حياتك هي اللحظة التي أنت فيها

حياتك هي اللحظة التي أنت فيها، فعِشِ اللحظة ولا تنتظر الغد؛ فقد لا تكون موجودًا.

  • التصنيفات: تزكية النفس -

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام الأتـمَّان الأكملان على أشرف الأنبياء والـمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهذه أوراق - أو إن شئت قل: أقوال مبعثرة - كنت قد سجَّلتها منذ زمن، وها هو الأوان قد حان لأذيعها على عقول الناس وقلوبهم، وسأضمُّ إليها في قابل الأيام أجزاءً أخرى، إن شاء الله.

 

وآمل أن يعثر فيها القارئ على ما يسرُّه وينفعه، أما إن وجد فيها زللًا في الـمعنى، أو خللًا في الـمبنى، فليغضَّ الطَّرْف ويترفَّق؛ فصدور الخطأ من بني آدم ليس من العجائب ولا الغرائب.

وأسأل الله أن يبصِّرنا بعيوبنا، ويلهمنا مراشد أمورنا، وأن يهدنا، ويهدي بنا، ويجعلنا سببًا لمن اهتدى، آمين... ولكم مني الودُّ والورد، ودامت لكم المسرَّات.

♦♦ ♦♦

 

• اعلم أيها الـمهموم أن الحزن والحسرة لن يردَّ لك ما صار في خبر كان، ولن يعطيك شيئًا، ولكن تأكد أنه يأخذ منك أنفس شيء عندك، وهي: صحتُّك، فتأمَّل.

• علامَ تذهب نفسك حسرات، والله قدَّر رزقك قبل خلق الأرض والسماوات؟! فلو غضضت الطَّرف عمَّا فاتك، واجتهدت في التخطيط لآمالك، لتحسَّنت أحوالك.

 

قال الله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود: 6].

• علَّمَني الإيمان بالقضاء والقدر ألا آسى على ما فاتني، وألا أفرح كثيرًا بما أتاني، وأن ما قُدِّر لي لا يأخذه غيري، وأن ما هو لغيري لن يكون يومًا لي.

 

• حياتك هي اللحظة التي أنت فيها، فعِشِ اللحظة ولا تنتظر الغد؛ فقد لا تكون موجودًا.

• عبارة "أنت فاشل"، أو ما يقوم مقامها: أكثر العبارات فتكًا بآمال الإنسان، وهي - في حقيقة الأمر - سمٌّ ناقع، وابتلاء واقع، وداء خطير، والأخطر من ذلك كله: التصديق بها، وقَبولُها من غير نكران، ولا إظهار لأي انفعال تجاهها.

 

إنك أيها الإنسان لست فاشلًا! وليس لدى أحد الحقُّ بنعتك بها؛ ما دمت تحاول، وتأبى الركون إليه... إنك ببساطة لـم تولَد فاشلًا، فكيف ترضى وصف نفسك به؟ فالحذرَ الحذرَ من هذا الداء العضال الذي لا يرجى برؤه، وفِرَّ من الـمجذوم به فرارك من الأسد؛ فمَن صَاحَب الفاشلين - أي: الراضين به - صار منهم، والصَّاحِب ساحب، وأدمن الفأل؛ فإنه مضاد حيوي للإحباط والتعاسة والدَّعة، وسائر الأدواء التي تفضي إلى هذا الـمرض.

 

• من عوامل النجاح في الامتحانات جميعًا: تنظيم الوقت.

عندما تنظم وقتك، تستطيع أن تساير الـمهام جميعًا، وتوافق بين أشغالك، على عكس الفوضى والتخبط والاعتباطية، فإن كلَّ ذلك من أسباب الإخفاق.

عندما تكون منظمًا وقتك، تتضح لك الأمور أكثر من ذي قبل، فتستطيع أن تخطط لآمالك وأحلامك بهدوء وروية، وكل ذلك يعينك على الوصول إلى هدفك والنجاح في الحياة.

 

تنظيم الوقت يجعلك تساير بيُسر بين حياتك الـمهنية والأسرية والعلمية.

تنظيم الوقت مَغْنمة، والتفريط فيه مَضْيعة وخسارة.

فقد فهمت الآن أن تنظيم الوقت عاملٌ حيوي، ومطلب ضروريٌّ للنجاح؛ لا يفرط في هذا الجانب أحدٌ إلا وتذوَّق مرارة الإخفاق والفشل، وقد قالوا: "الوقت سيف؛ إن لم تقطعه قطعك".

 

• أخبِرني أيها الكسول الخمول، الذي يريد الوصول إلى هدفه الـمأمول: أرأيت يومًا السماء تمطر ذهبًا أو فضة؟ أو أكَلَ العسلَ مَن لا يصبر على لسع النحل؟ ارمِ عنك دثارك، وقم إلى تحقيق هدفك بهمَّةٍ وعزم، وإلَّا تفعل، قطعك سيف الوقت الذي لا يرحم.

 

• ليس مهمًّا كيف يراك الناس، الأهم: كيف ترى نفسك؛ فرِضا الناس غايةٌ لا تدرَك! فاهتم بنفسك، ولا تلتفت إلى ما يقال عنك، فلو أنك كل مرة تنظر خلفك، فأخبرني - إذًا - كيف تصل إلى هدفك؟ وإذا طُعنت من الخلف، فتلك علامة أنك في الـمقدمة، فكفى بك اليومَ على نفسك حسيبًا، ودَعِ الخلق للخالق.

 

• تذكر دائمًا: كلما ضاقت عليك الأرض بما رحُبت "أنه مجرد يوم سيئ، وليس حياة سيئة"، وتيقَّن أنه عمَّا قريب سيبزغ فجر يوم جديد؛ ينسيك كل همومك، فثق بربِّك، ولا تقنط من رحمة الله، {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } [الشرح: 5، 6].

 

• لا تندم على أي علاقة مررت بها في حياتك؛ لأنك وإن لم تنتفع أو تستفد منها، فإنك قد اكتسبت تجارب تُضاف إلى قائمة دروسك الدنيوية.

ولكن احرص - أشدَّ الحرص - على صفاء جوهر العلاقة، واتبع هذه القاعدة: "إذا لم أستطع أن أنفع غيري، فلا أضره"، فإلحاق الضرر بالغير محرَّمٌ عقلًا وفطرة وإنسانية قبل أن يؤكِّده الإسلام شرعًا.

 

• إذا لم يكن قلبك صافيًا نقيًّا، فلا خير في مظهرك وإن كنت جميلًا أنيقًا.

يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].

 

• لا تحدِّث الناس عن استقامتك، ولكن أرشِدهم إليها، ولا تكُ من الذين يطلقون الأحكام، ولا يحملون همَّ الدعوة إلى رياض دين الإسلام؛ فلأنْ يهدي الله بك رجلًا واحدًا، خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس، ولا تمنُنْ تستكثرُ؛ فلولا رحمة الله لكنت من الضالين، وهذا سيد الخلق، وخير البريَّة، وأخشانا لله وأتقانا، ومن ترجم القرآن إلى عمل وسلوك ومنهج حياة، فصار بذلك قرآنًا منظورًا، ووحيًا على الأرض ماشيًا، يقول له ربي وربُّكم ورب الناس: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ} [الإسراء: 74]، فلا تُراءِ الناس بما تصنع، ولا تُزَكِّ نفسك؛ فالله أعلم بمن اهتدى واتقى.

 

• الفرق بين اليوم والبارحة هو أن اليوم هو تلك الفرصة التي أتيحت لك أمسِ، فإنِ اغتنمتها فقد أظهرت الفرق بينهما، وإن ضيَّعتها كما ضيعت الأولى، فلن يصير هناك أي فرق، بل سيصدق عليه قول القائل: "ما أشبَهَ اليوم بالبارحة!".

• ابتسم دائمًا مهما كانت ظروفك؛ فما قدَّره الله ماضٍ، فلتكن عنه راضيًا.

 

• رُب ابتسامة أزالت من قلبٍ ترحًا، وملأته فرحًا، ورب ابتسامة صيَّرت قلبًا حسودًا حنونًا ودودًا، ومن هنا نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وتبسُّمُك في وجه أخيك صدقةٌ».

• الهدوء الحقيقي: هو عندما تضع رأسك على الوسادة، فتنام مطمئنًّا، لا تتذكر مظلمة أحد عليك، ولا بغيك على أحد، تنام وقلبك صافٍ وخالٍ من أية ضغينة، فمن كان في هذه النعمة، فليحمد الله عليها، ومن كان في عتاب وجدال مع نفسه الأمَّارة بالسوء، فنرجو له العافية.

 

• الاختلاف في الرأيأن أختلف معك في الرأي، هذا لا يعني أنني أناصبك العداء؛ فلربما أتفق معك في مسائل أخرى مما لا يحصى كثرة، ألا يحق لنا أن نكون إخوة وإن اختلفنا؟! سبحان الله! بعض الناس يصنِّفون كلَّ من يخالفهم في خانة الأعداء، متغافلين بالكلية عن المواطن التي يجتمعون فيها.

 

الاختلاف رحمة مهداة إلينا من خالق الناس، فلمَ نجعله ـ إذًا ـ نقمة علينا وسبب العداوة والشقاق بيننا؟ ألم يقل الله عزَّ وجلَّ: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118]؟ ففصل الحكم في قطع الاختلاف إنما هو بيد ملك الـملوك يوم القيامة، وما نحن مطالبون به هو: معرفة كيفية تدبير هذا الاختلاف، وآداب التعامل مع الـمخالفين؛ حتى نجعل من هذا الاختلاف مصدرَ قوة، لا مصدر ضعف وفتنة.

 

• تفاءل دائمًا، واحذر من أن يسري الإحباط إلى قلبك.

• قد يسهل عليك الاعتراف بالهزيمة، ولكن سيصعب عليك التخلص من طعمها.

• شارك أحزانك مع أحبائك؛ لأننا إذا لم نشاطر الآلام مع الآخرين، فلن نستطيع تخفيفها عن أنفسنا.

 

• أكبر كذبة سمعتها في صغري، وصدَّقتها حينئذٍ هي: "المستقبل"، ولما كبرت، اكتشفت أنها أكذب من كذبة أبريل... فما المستقبل إلا اللحظة التي أنت فيها، أما غدًا، فعلمُه عند ربِّي في كتاب، لا يضل ربِّي ولا ينسى، قال تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34].

لا شك في أنك سمعت أيها القارئ الكريم بهذه العبارات: ادرس جيِّدًا من أجل المستقبل، واعمل جاهدًا من أجل المستقبل، وابْنِ دارًا من أجل المستقبل، وتزوَّج من أجل المستقبل، واجمع المال من أجل المستقبل... يكبر الإنسان ويشيخ، ويكاد ملك الموت يقبض روحه، ولا زال ينتظر المستقبل، فعن أي مستقبل يتحدَّثون؟ فما هذه الكلمة إلا اعتقاد غربي، نفخ بها في أبواقه، فالتقَطَها أدعياء السخافة - عفوًا: الثقافة - وصدَّقها عوام الناس، الذين امتلأت عقولهم بالإلباس، فما لي والناس؟! أعوذ بالله من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس.

لا يصدِّق بهذه اللفظة إلا الذين أسلموا فقط ولَـمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم: ((قلْ: آمنتُ بالله، ثم استقم))، وكفاك من هذه التُّرَّهات.

 

• ارْضَ بما قسَمَه الله لك، تكن أغنى الناس، ولا تلهث في هذه الدنيا وتتعب نفسك من أجل الرزق، فكن على يقين أن رزقك لن يأخذه غيرُك، فالله هو الرزاق ذو القوة الـمتين؛ يرزُق الجنين في بطن أمِّه، والحيتانَ في ظلمات البحر، وصغارَ الطيور في أعشاشها، فلو كان الرزق يؤخذ بالقوة ما أكل عصفور شيئًا مع النسر كما قال الإمام الشافعي رحمه الله، ولن تموت نفس إلا بإذن ربِّها، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاطمئنَّ، وخُذ بالأسباب، وتوكَّل على الـملك الوهَّاب.

_________________________________

الكاتب/ عبدالإله أسوماني