لزوم الجماعة

وحيد عبد السلام بالي

إن الالتزام بالجماعة مطردة للشيطان مرضاة للرحمن، فعليك بالجماعة، إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية الشاردة، وهو أن تكون عقيدتك كعقيدة الجماعة الأولى جماعة السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن نهج نهجهم وسار على طريقهم

  • التصنيفات: أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة -

الحصن الثالث: لزوم الجماعة

 

إن الالتزام بالجماعة مطردة للشيطان مرضاة للرحمن، فعليك بالجماعة، إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية الشاردة، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَنَالَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ، فَلْيَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ» [1] رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح.

 

أذا أراد الرجل أن يسافر سفرًا طويلًا خاصة إذا كان في الصحراء فليصطحب معه غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَلَاثَةُ رَكْبٌ» [2]، رواه مالك، وأبو داود، والترمذي بسند حسن.

 

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ» [3]، رواه البخاري، والترمذي.

 

ولقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن التفرق من الشيطان.

 

فعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: كان الناس إذا نزلوا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ، إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ» فلم ينزلوا بعد ذلك إلا انضم بعضهم إلى بعض [4] رواه أبو داود والنسائي.

 

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالفُرْقَةُ عَذَابٌ» [5] رواه أحمد، وقال الألباني: إسناده حسن.

 

والالتزام بالجماعة يقتضي أمرين:

الأول: الالتزام بالجماعة اعتقادًا، وهو أن تكون عقيدتك كعقيدة الجماعة الأولى جماعة السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن نهج نهجهم وسار على طريقهم [6].

 

وكلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: «الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك» رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق بسند صحيح.

 

الثاني: الالتزام بالجماعة صفًّا، وهو أن تكون بقلبك وقالبك مع أهل الحق أينما كانوا وحيثما كانوا. وأهل الحق هم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» [7] متفق عليه، واللفظ لمسلم.

 

ولأهل الحق علامات منها حبهم لأهل الحديث، ولذلك قال العلماء: إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث: مثل: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه فاعلم أنه على الحق وعلى السنة، ومن خالفهم فاعلم أنه مبتدع.

 

يقول سليم الهلالي: وذلك أن أصحاب الحديث لم ينحرفوا عن المحجة البيضاء النقية، وهم الفرقة الناجية، والطائفة الظاهرة المنصورة. اهـ[8].

 

ولما سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عن هذه الطائفة قال: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري ما هم. رواه الحاكم في «علوم الحديث» بسند صحيح عنه[9].

 

وكذا قال علي بن المديني، وابن المبارك، والبخاري، والحاكم، والترمذي، وابن حجر العسقلاني، والسيوطي، وغيرهم كثير.

 

ومن علامات أهل الحق أيضًا: عدم تقديمهم قول أحد - كائنًا من كان - على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها أيضًا أنهم يؤمنون بصفات الله عز وجل دون تشبيه أو تعطيل أو تأويل، ويقولون كما قال الشافعي رحمه الله حينما سئل عن الاستواء: آمنت بما قال الله على مراد الله، وبما قال رسول الله على مراد رسول الله. وكما قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

 


[1] صحيح بمجموع طرقه: الترمذي رقم (2165) في «الفتن» باب ما جاء في لزوم الجماعة، وأخرجه أحمد في «المسند» (1 /16-18) والحاكم في «المستدرك» وصححه، ووافقه الذهبي والألباني.

[2] صحيح: أبو داود رقم (2607) في «الجهاد» باب في الرجل يسافر وحده، والترمذي (1674) في «الجهاد»، ورواه مالك في «الموطأ» (2 /978) في الاستئذان باب ما جاء في الوحدة في السفر وهو في «صحيح الجامع» (3524).

[3] صحيح: رواه البخاري رقم (2998) في «الجهاد» باب السير وحده، والترمذي (1673) في «الجهاد» باب ما جاء في كراهية أن يسافر الرجل وحده.

[4] صحيح: رواه أبو داود رقم (2628) في «الجهاد» باب ما يؤمر من انضمام العسكر، ورواه أحمد في «المسند» (3 /193)، والحاكم في «المستدرك» (2 /115)، وصححه ووافقه الذهبي والألباني.

[5] حسن: رواه أحمد في «المسند» (4 /375) وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (3109) و «الصحيحة» (667).

[6] راجع العقيدة الطحاوية والواسطية والقواعد المثلى في أسماء الله الحسنى.

[7] صحيح: رواه البخاري (7311) في «الاعتصام» باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين...»، ومسلم رقم (1921) في الإمارة.

[8] مؤلفات سعيد حوى، دراسة وتقويم (148).

[9] فتح الباري (13 /293).