نصرة النبي على مستوى المجتمع (خطبة)

محمد بن إبراهيم السبر

إخوة العقيدة: إنَّ هذه الإساءات وتكرارها وتنوعها تأتي بصورة ممنهجة، لها دوافعها وغايتها، ممَّا يُحتِّم علينا مواجهةَ هذه الإساءات بخطط منهجية واضحة مستمرَّة، لا تقتصر على ردود الأفعال الوقتية...

  • التصنيفات: محبة النبي صلى الله عليه وسلم -

الحمد لله العلي الأعلى، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأشهد ألا اله الا الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأشهد أن محمدًا عبدُه المجتبى، ورسوله المصطفى، بعثه الله بالحق والضياء، والنور والهدى، فبلغ عن الله رسالاته، وأكرم بقرآنه، فما نطق عن الهوى وما زاغ البصر وما طغى، إنه إلا وحي يوحى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه في الآخرة والأولى. أما بعد، فاتقوا الله عباد الله؛ اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

 

عباد الله، بين الحين والآخر، يخرج علينا معتوه، أو حاقد، يريد أن ينال من الإسلام ومن نبي الإسلام، لعله يتمكن من التنفيس عن حقده، وعجزه، وإفراغ مرارته، تارة بمقالة ساقطة، وتارة برسوم هابطة، وأخرى بمحتوى رخيص ينتجه حاقد موتور، أو داعر مأجور، وهكذا كما صنع أسلافهم: {كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ}   [الذاريات: 52].

 

ومهما استهزأ المستهزئون، وسخر الساخرون، فإنَّ الله تعالى قد تكفل بحماية نبيه ونصرته في آيات كثيرة، تُتلى إلى يوم الدِّين؛ { وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، {إنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 95]، {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر: 3]. وصدق الله ومَن أصدق من الله قِيلًا ومَن أصدق من الله حديثًا، فإنه ما تظاهر أحدٌ بمعاداة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم والاستهزاء به إلاَّ أهلكه الله وأذلَّه ومن حارب الله حرب.

 

إخوة العقيدة: إنَّ هذه الإساءات وتكرارها وتنوعها تأتي بصورة ممنهجة، لها دوافعها وغايتها، ممَّا يُحتِّم علينا مواجهةَ هذه الإساءات بخطط منهجية واضحة مستمرَّة، لا تقتصر على ردود الأفعال الوقتية، ولا تقف عند زمن معين، بدأ من الفرد ومن ثم الأسرة وانتهاء بالمجتمع المسلم، وهناك العديد من الأمور التي تُوضّح دور المجتمع في هذا الباب العظيم، كل بحسبه وعلى قدر إمكانياته، ومن خلال موقعه.

 

إن نصرةَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مِن أقوى الجهاد في سبيل الله، ومِن أسمى واجبات الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، قال ابن تيمية رحمه الله ـ: «إنَّ نصر رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فرضٌ علينا؛ لأنَّه مِن التعزير المفروض، ولأنَّه مِن أعظم الجهاد في سبيل الله، ولذلك قال سبحانه: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} [التوبة: 40]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه} [الصف: 14]، بل نَصْرُ آحادِ المسلمينَ واجبٌ بقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم«انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» وبقوله: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يُسْلِمُهُ وَلَا يَظْلِمُهُ»، فكيف بنصر رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ومِن أعظم النَّصر حمايةُ عِرضه ممَّن يُؤذيه، ...( الصارم المسلول).

 

إن نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم واجب مجتمعي وإنساني، فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار صبروا على الأذى ابتغاء مرضاة الله، وفداء لرسول الله وتحملوا العذاب ولا أن يشاك بشوكة، ولما كان حصار الشعب، عاش مع عشيرته وأتباعه ثلاث سنوات من الفقر والجوع، ورغم ذلك كله كان للدور المجتمعي من المسلمين الأوائل، ونصرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم بمالهم، وأرواحهم، أثره وبركته، فكانت الهجرة الأولى إلى الحبشة، ثم الهجرة العظيمة إلى المدينة في عمل وتعاون مجتمعي لم يشهد له التاريخ مثيلا، فكان الفتح الأعظم لمكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا بمقومات الإيمان والثبات والتواصي بالصبر.

 

النصرة المجتمعية هي عمل متكامل أساسه الاتباع وانتهاج هدي الكتاب والسنة، والعمل، لا بالاستجابة لاستفزازات أعدائه فالنبي والصحابة تعاملوا مع المشركين والمنافقين وأهل الكتاب بالصبر والحلم وعدم النزول لمستواهم الأخلاقي بالأفعال المتشنجة والممارسات غير المشروعة. فعندما قال رأس المنافقين عبد الله بن أبي: أما والله {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} "، فقام عمر فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، وفي لفظ: ألا تقتل هذا الخبيث فقال: «دَعْه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه».

 

النصرة المجتمعية مبناها على تعظيم طاعة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء والتأسي به قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}. وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى». وقال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به».

 

فدور المجتمع ترجمة هذه المحبة لاتباع صادق وعميق، يقول تعالى: ﴿  {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}  ﴾ [آل عمران: 31].

 

يقول ابن كثير رحمه الله: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه وفي الأمر نفسه حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». ولهذا قال: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم؛ وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنما الشأن أن تُحَبَّ. وقال الحسن البصري وغيره من السلف زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية.

 

فليراجع كل منا نفسه ويختبر صدق محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فعلامة صدقنا أن نكون متبعين لسنته، وألا يكون في حياتنا أمور تسيء إليه وتؤذيه، فنقع في التناقض بين ما نقوم به من النصرة وبين أحوالنا، فيقع الفصام النكد بين القول والعمل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 ، 3].

 

الابتداع في الدين مما يؤذيه صلى الله عليه وسلم ويسيء إليه؛ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». فلا نعبد إلا الله ولا نعبد الله بغير ما شرع؛ فإن هذا يتناقض مع نصرته ومحبته.

 

وهناك من يدعي محبة الرسول ونصرته ثم هو يقع في الشرك الأكبر فيدعو غير الله، أو يؤذيه فيسب أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين أو يطعن في أصحابه الغر الميامين؛ فإن كل ذلك يدل على كذب أولئك المدعين. قال العلامة ابن القيم:

أتحبُّ أعداءَ الحبيبِ وتدَّعِي   ***   حبًّـا له مـا ذاك فـي الإمكان 

وكــذا تُــعادي جاهدًا أحبابـه   ***   أين المحبة يا أخا الشيطان 

 

المجتمع المسلم يحافظ على شعائر الإسلام الظاهرة فلا ينصر النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الصلاة وأقبل على الشهوات، ولا ينصره من ترك سنته وهجرها، ولا ينصره من يتحاكم إلى العادات والتقاليد البشرية وما عليه الآباء والأجداد.

 

وتتمثل نصرة المسلمين للرسول عليه الصلاة والسلام من خلال التحري بشكل دقيق عن سنته، وعدم الترويج لكل ما يتداول من القصص الباطلة والأحاديث المكذوبة.

 

واجبنا المجتمعي هو التعريف بالنبي سيرة وهديا وسمتا بأسلوب علمي وحضاري، من خلال الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

 

بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة ونفعنا بما فيهما من الآيات والذكر والحكمة ...

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى وسمع الله لمن دعا، وبعد، فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وتخلقوا بأخلاق رسول الله وهديه مع الناس، وسيروا على النهج القرآني، والهدي المحمدي، فتحلى المجتمع بأخلاق الإسلام في السلوك والمعاملات هو الصورة الحسنة المشرقة الناصعة للإسلام، ولنبيه صلى الله عليه وسلم أمام العالم، وقوموا بواجبكم في الدفاع عن نبيكم، ورد الشبهات الموجهة إلى شخصه الكريم وزوجاته وصحابته، وذلك من خلال تكاتف الجهود، والمشاركة الفاعلة في المسؤولية الاجتماعية، والتعاون على البر والتقوى، وأكثروا من الصلاة والسلام على نبيه ففيها الأجور الوفيرة، فقد قال بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا». رواه مسلم.


[*] الجمعة 3 /5 /1442هـ جامع موضى السديري بالرياض.