أين نحن من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع نسائه؟!

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ألينَ الناس وأكرم الناس، كان رجلًا من رجالكم إلا أنه كان ضحَّاكًا بسَّامًا، كان بشرًا من البشر يَفْلِي ثوبه، ويحلب شاتَهُ، ويخدم نفسه، كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، وكان يعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم.

  • التصنيفات: الآداب والأخلاق - آداب عامة - محبة النبي صلى الله عليه وسلم -

الحمد لله الواحد بلا شريك، والعزيز بلا نصير، والعليم بلا ظهير، أحمده سبحانه حمدًا يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، فهو الذي أنشأنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ومنَّ علينا بسائر النعم؛ أطعمنا، وسقانا، وكفانا، وآوانا، ورزقنا الأمن والأمان في أوطاننا.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حقَّ جهاده، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18].

 

أما بعد:

فسنقف اليوم مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، هذا النبي الذي وصفه الله تعالى بوصف عظيم في كتابه العزيز؛ فوصف عقله فقال: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم: 2]، ووصف لسانه فقال: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}  [النجم: 3، 4]، ووصف فؤاده فقال: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11]، ووصف بصره فقال: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}  [النجم: 17]، ووصف مُعلِّمَهُ فقال: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} [النجم: 5، 6]، ووصف خُلُقَهُ فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، ووصفه بأعظم وصف فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]؛ إنه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

هـذا الـحبيـب الذي في مدحه شرفٌ   ***   وذكُرُهُ طيب في مسمعـي وفـمـي 

هذا أبو القـاسـم المـخـتـار من مُضَر    ***   هــذا أجـــلُّ عـبـــاد اللـه كـلــهـــمِ 

هذا هو المصطفى أزكى الورى خلقًا    ***   سبحان مَن خصَّهُ بالفضل والكرمِ 

هذا الذي لا يصح الفرض من أحـــد    ***   ولا الأذان بـلا ذكـرِ اسـمِـهِ الـعَـلَـمِ 

 

 

فمع أخلاق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، سنقف معكم في هذه الجمعة، وإنَّ من أعظم جوانبِ أخلاقه صلى الله عليه وسلم وأجلَّها أخلاقَهُ في بيته؛ ففي البيت تظهر فيه أخلاق المرء، ويمكن لأي إنسان أن يتصنع ويتجمل بالأخلاق، والتعامل الطيب خارج البيت، فيتظاهر أمام الناس بأنه إنسان ملتزم، وصاحب كلمة طيبة، وتعامله طيب مع الناس، لكنه في بيته مختلف تمامًا؛ لذلك فالميزان الحقيقي لأخلاق المسلم هو في بيته، وإذا أردت أن تعرف حقيقة إنسانٍ، فاسأل عن أخلاقه في بيته.

 

فتعالَ أخي المسلم لنعيش مع أخلاق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في بيته، كيف كانت أخلاقه مع نسائه؟ كيف كان يتعامل مع أهل بيته؟ هل كان صلى الله عليه وسلم يضرب زوجته، ويسبُّها، يلعن والدها وأهل بيتها؟ هل كان يغضب من زوجته لأتفه الأسباب؟

 

تعالَ لنرى أخـلاق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال ذات يوم لأصحابه الكرام: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» [1]؛ يعني: خير الناس وأحسنهم وأفضلهم هو الذي يحسن معاشرة زوجته وأهل بيته، وليس هناك أحدٌ أفضل في تعامله مع أهل بيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

هذه السيدة عائشة رضي الله عنها يسألها الناس: ما هي أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع نسائه؟ كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع أهل بيته؟ وماذا كان يصنع في بيته عندك؟

فأجابت رضي الله عنها بوصف وجيز بليغ: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ألينَ الناس وأكرم الناس، كان رجلًا من رجالكم إلا أنه كان ضحَّاكًا بسَّامًا[2]، كان بشرًا من البشر يَفْلِي ثوبه، ويحلب شاتَهُ، ويخدم نفسه[3]، كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، وكان يعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم[4]، كان يكون في مهنة أهله – تعني: خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة))[5].

 

تأملوا معي كلمات السيدة عائشة رضي الله عنها، وهي تصف أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم: ((كان ألين الناس، وأكرم الناس، وكان ضحاكًا بسَّامًا))، أرأيتم كيف وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها تعامله صلى الله عليه وسلم مع نسائه، كان ليِّنًا هَيِّنًا رحيمًا بأهله، وكان يمزح معهم ويضاحكهم، ما أحوجنا اليوم إلى هذه الأخلاق مع أهلنا في منازلنا!

 

هذه السيدة عائشة رضي الله عنها تقول: ((زارتنا السيدة سودة بنت زمعة - زوجة النبي صلى الله عليه وسلم - فكنَّا جالِسَتَيْنِ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم، فجلس بيني وبينها ووضع إحدى رجليه في حجري، والأخرى وضعها في حجرها)).

 

هل تتخيلون الموقف؟ النبيُّ صلى الله عليه وسلم جالسٌ بين زوجتيه، مسندًا ظهره على الحائط، واضعًا رجليه على سودةَ وعائشةَ.

 

تقول عائشة رضي الله عنها: ((فكان عندنا خزيرة - وهو طعام يُتَّخذ من دقيقٍ ولحم، يقطع اللحم صغارًا، ويصب عليه الماء، فإذا نضج ذُرَّ عليه الدقيق - فقالت لسودة: كلي، فقالت سودة: لا أريد، فقالت السيدة عائشة: لتأكلن أو لألطِّخنَّ وجهكِ، فأبَتْ سودة أن تأكل، فأخذت عائشة من الخَزيرةِ، ولطخت وجه سودة، والنبي جالس بينهما يضحك، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رجله عن حجر سودة؛ لتأخذ سودة بثأرها من السيدة عائشة))، وفي رواية: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم هـو من أخـذ من الخزيرة، ووضعها في يد سـودة، وقال لها: الطخي وجهها، والنبي صلى الله عليه وسلم يضحك بينهما))[6].

 

هذا هو نبيكم صلى الله عليه وسلم أيها الناس، الرجل الذي يقود الأمة، ويحمل همَّ الدعوة وإصلاح المجتمع، ومع هذا كله لم يمنعه ذلك الضحكَ والمُزاح مع أهل بيته، أين هذه الأخلاق في بيوت المسلمين اليوم؟ بعض الرجال تراه خارج البيت يضحك ويمزح مع أصدقائه ومع الناس، لكنه إذا دخل بيته تغيرت شخصيته، فلا تراه إلا متأفِّفًا متضجرًا، لا يعرف الضحك والابتسامة، مع أن أهله في بيته هم أوْلَى الناس بالبشاشة، والمعاملة الطيبة، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ثم تأمل معي كلام السيدة عائشة رضي الله عنها: ((كان في مهنة أهله))؛ يعني: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخدم نفسه، ويخيط ثوبه، ويكنس بيته، ويساعد أهله في ترتيب البيت وتنظيفه.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك؟ هل بيته صلى الله عليه وسلم كحجم بيوتنا اليوم؟ هل السيدة عائشة رضي الله عنها شَكَتْ إليه كثرة العمل ومشقته، حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم بخدمتها ومعونتها؟!

 

أيها المسلم، لقد عاش نبينا صلى الله عليه وسلم مع زوجته عائشة رضي الله عنها في حجرة صغيرة، لا تتجاوز مساحتها خطوات معدودات، وكان يمر عليه الشهر والشهران ولا يُوقَدُ في بيته نارٌ، فهل هناك ثمَّةَ جهد تحتاج معه السيدة عائشة رضي الله عنها إلى معونة النبي صلى الله عليه وسلم؟ كلا وربي، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم من خلال مساعدته لأهل بيته أن يوصِّلَ رسالة حبٍّ إلى قلب زوجته، وأن ينبِّهَ الأزواج على امتداد العصور أن مساعدة الزوج لزوجته في بيتها تجعل البيوت سعيدة، وعامرة بالحب والمودة والأُلفة.

 

يا تُرى مَن منَّا يساعد زوجته في بيتها؟ من يغسل ثيابه بنفسه؟ من يساعد الزوجة في طبخ الطعام، وغسل الأواني؟ من يكنس البيت مشاركة وإعانة لزوجته؟

 

مِنَ الرجال مَن يستنكف أن يساعد زوجته في شغل البيت، يقول: أنا شيخ فلان، وأنا دكتور فلان، وأنا أبو فلان، أقوم بغسل الثياب، وطبخ الطعام، وترتيب البيت، ماذا يقول الناس عني؟!

 

لماذا لا تساعد زوجتك؟ لماذا تعينها؟ لماذا لا تشاركها هموم وأشغال البيت؟ هل أنت أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل أشغالك وهمومك أكثر من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل مقامك أعلى من مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

 

نبيُّك صلى الله عليه وسلم تقول عنها زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها كان يخدم نفسه، ويحلب شاته، ويَخِيط ثوبه، ويخصِفُ نعله، فأين أنت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

 

بعض النساء عندما تسمع مثل هذا الكلام تقول: نحن لا نريد من الرجل أن يساعدنا في أمور البيت وتنظيفه وترتيبه وما يحتاجه، نحن نريد فقط الاحترام، والكلمة الطيبة، نريد الابتسامة في وجوهنا، بعض الأزواج ومع الأسف الشديد عندما يدخل بيته بدلًا من أن يسلِّمَ على زوجته، ويقول: "الله يساعدك يا أم فلان على شغل البيت، الله يعطيك الصحة والعافية"، بدلًا من أن يبتسم معها - يسبها ويشتمها، وربما رفع يده عليها، أيُّ أخلاق هذه أيها الناس؟

 

والله لو طبَّقنا منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أهل بيته، لَما رأينا المشاكل في بيوتنا، والخلافات بين الزوج وزوجته، لكننا ابتعدنا عن أخلاق نبينا صلى الله عليه وسلم، فانتشرت المشاكل في البيوت، وكثرت حالات الطلاق بين الأزواج.

 

فيا أخي الزوج، اتَّقِ الله في ضعف زوجتك، وأحْسِنْ عِشرتها، ولا تُحمِّلها مِنَ العمل بما هو فوق طاقتها، وساعدها في أمور البيت، واجعل نُصب عينيك دائمًا وصية نبينا العظيم صلى الله عليه وسلم، حين قال: «واستوصوا بالنساء، فإن المرأة خُلقت من ضلعٍ، وإن أعوجَ شيء في الضلع أعلاه، إن ذهبتَ تُقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوجَ، فاستوصوا بالنساء خيرًا»[7].

 

اللهم حبِّبْ إلينا أهلنا، وحبب أهلينا إلينا، واجمع بين الجميع على طاعتك ورحمتك ومودتك، واجعلنا من الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان، ولا تَلِتْنا وإياهم من أعمالنا شيئًا، إنك أنت الغفور الرحيم.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العليَّ العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وأصحابه الذين ساروا على طريقه ومنهاجه، وعلى التابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

فذات يوم كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بيته مُستلقيًا على ظهره، وأولاده يلعبون على بطنه، وزاره والٍ من ولاته، فرآه يلاعب أولاده ويمازحهم، فتعجب مما رأى واستنكر أن يكون حال الرجل في أهله هكذا، فقال له عمر رضي الله عنه: وأنت كيف حالك مع أهل بيتك؟ فقال الوالي: سكت الناطق، وجلس الواقف، ولا أسمع همسًا في البيت – أي: يهدأ الجميع هيبة وخوفًا من عقابه - فظن الوالي أنه بتعامله هذا سينال كتاب شكر من سيدنا عمر رضي الله عنه، أتدرون ماذا فعل سيدنا عمر رضي الله عنه عندما سمع بكلامه؟ أمر سيدنا عمر رضي الله عنه بعزله عن العمل الذي وُلِّيَ عليه، وقال له: اعتزل؛ فإنك لا ترفق بأهلك وولدك، فكيف ترفق بأمة محمد صلى الله عليه وسلم؟[8].

 

فعلى المسلم أن يكون في تعامله مع زوجته وأولاده كالطفل في الأنس والسهولة دون تحفظ، وإذا خرج للناس كان رجلًا وقورًا، وأكثر انضباطًا، هذه هي أخلاق إسلامنا الجميل.

 

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.


[1] سنن ابن ماجه، كتاب النكاح - باب حسن معاشرة النساء: (1/ 636)، برقم (1977)، وسنن الترمذي، أبواب المناقب - باب في فضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: (6/ 192)، برقم (3895)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

[2] مسند إسحاق بن راهويه (3/ 1008)، برقم (1750).

[3] رواه أحمد في مسنده: (43/ 263)، برقم (26194).

[4] رواه أحمد في مسنده: (41/ 390)، برقم (24903).

[5] صحيح البخاري، كتاب الأذان – باب: من كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة، فخرج: (1/ 172)، برقم (676).

[6] رواه النسائي، كتاب عشرة النساء - باب الانتصار: (5/ 291)، برقم (8917)، وأبو يعلى في مسنده: (7/ 449)، برقم (4476)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، خلا محمد بن عمرو بن علقمة، وحديثه حسن، وقال العراقي في تخريج الإحياء: رواه الزبير بن بكار في كتاب الفكاهة والمزاح، وأبو يعلى بإسناد جيد.

[7] صحيح مسلم، كتاب الرضاع - باب الوصية بالنساء: (2/ 1091)، برقم (1468).

[8] ينظر: المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي: (1/ 279).

___________________________________
 

د. محمد جمعة الحلبوسي