الفساد المالي

إن المال فتنة واختبار يبـتلي به الله من يشاء من عباده؛ لينظُرَ كيف يعملون، {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 28].

  • التصنيفات: شرح الأحاديث وبيان فقهها - تزكية النفس -

إخوة الإيمان:

ورَدَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «واللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم؛ ولكني أخشى أن تُبسَطَ عليـكم الدنيا كما بُسِطتْ على من كان قبـلكم، فتَنافَسُوها كما تَنافَسُوها، فتُهـلِكَكم كما أهـلَكتْهم».

 

إن المال فتنة واختبار يبـتلي به الله من يشاء من عباده؛ لينظُرَ كيف يعملون، {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 28]، فمن أخذه من حِلِّه، ووضَعَه في محلِّه؛ فعمر به الأرض، وأحاطه بسياج الأمانة والحفظ، فقد أفلَحَ ونجح، وكسَبَ الحياة وربح، ومن جعل المال أكبرَ همِّه، ومَبـلَغَ عِلمِه، فقد خاب وخسر، وأمامه يومٌ عَسِر.

 

جاء في الحديث أن حَكيم بن حزام قال: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم مسألةً فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثلاث مرات، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا حكيمُ، إن هذا المال خَضِرةٌ حُلْوة، فمن أخذه بسَخاوة نفس بُورِكَ له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارَكْ له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليدُ العليا خير من اليد السُّـفلى» قال حكيمٌ: فقلتُ: يا رسول الله، والذي بعَثَك بالحق، لا أَرْزَأُ أحدًا بعدك شيـئًا حتى أفارق الدنيا.

 

اتقوا الله فيما وُلِّيتُم مهما كانت الولاية؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤول عن رعيته».

 

ألا وإن من أعظم الأمانات أمانةَ الوظائف بشتَّى صورها وأشكالها، فتجب تقوى الله فيها، والحرصُ على أدائها على الوجه الأكمل، والقيام بواجباتها ومسؤولياتها.

 

فعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قلتُ: يا رسول الله، ألا تستعملُني؟ فضرب بيده على مَنْكِبِي وقال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خِزْيٌ وندامة، إلا مَن أخَذَها بحقِّها، وأدَّى الذي عليه فيها».

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من عبدٍ يَسترعيهِ اللهُ رعية، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته، إلا حرَّم الله عليه الجنة».

 

ومن أعظم الأمانات أمانةُ الأموال العامة التي تعود للمسلمين، والتي يجب أن يحافظ عليها الإنسان أشدَّ من أن يحافظ على ماله الخاص، يقول صلى الله عليه وسلم: «مَن عَمِل منكم على عمَل فكتم مَخيطًا فما فوقه، فهو غُلٌّ يأتي به يوم القيامة».

 

وقد استَعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا على صَدَقات بني سُليم، يُدْعَى ابنَ اللُّتْبِيَّةِ، "فلما جاء حاسَبَه، قال: هذا مَالُكُمْ، وهذا هدية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهلا جلستَ في بيت أبيك وأمك، حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا»، ثم خطَبَنا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أمَّا بعد، فإني أستعمل الرجلَ منكم على العمل مما وَلَّانِي الله، فيأتي فيقول: هذا مالُكم وهذا هدية أُهديتْ لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته! والله لا يأخذ أحدٌ منكم شيئًا بغير حقِّه إلا لقي اللهَ يَحمِلُه يوم القيامة، فلأَعرِفَنَّ أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رُغاءٌ، أو بقرةً لها خُوارٌ، أو شاةً تَيْعَرُ»، ثم رفع يده حتى رُئِي بياض إبطه، يقول: «اللهم هل بلَّغتَ؟! بَصُرَ عَيْنِي وَسَمِعَ أُذني» (رواه البخاري).

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن رجالًا يَتخوَّضون في مال الله بغير حقٍّ، فلهم النار يوم القيامة» [البخاري (3118)].

 

قال ابن حجر: "أي يَتَصرَّفون في مال المسلمين بالباطل، وهو أعمُّ من أن يكون بالقِسمة وبغيرها" [فتح الباري شرح صحيح البخاري (6/ 219)].

 

فمن استرعاه الإمام على عمل، فلا يجوز أن يأخذ فوق حقه؛ فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ» [رواه أبو داود (2943)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود].

 

ومعنى الحديث: من جعلناه على عمل وأعطيناه على ذلك مالًا، فلا يحلُّ له أن يأخذ شيئًا بعد ذلك، فإنْ أخَذَ فهو غُلول، والغلولُ هو الخيانة والاختلاس من أموال المسلمين، وقال تعالى: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161].

 

عباد الله:

إن أكل الحرام مِنْ أَعْظَمِ قَوَاطِعِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس، إن الله طيِّبٌ لا يَقبَل إلا طيِّبًا، وإن الله أمَرَ المؤمنين بما أمَرَ به المرسَلين» فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51]، ثم ذكر الرجلَ يُطيل السفر، أشعث، أغبَرَ، يمدُّ يديه إلى السماء، ويقول: يا ربِّ يا رب، ومطعمُه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك»؟!.

 

يجب عليه أن يُقلِع عن الذنب، ويعزم ألا يعود لمثله، ويندم على ما فات، فهذا المال يجب ردُّه إلى صاحبه، ولا تَبرَأُ الذِّمَّةُ إلا بذلك، فإن كان شخصًا ردَّه إليه، وإن كانت شركة أو وزارة ردَّها إليها، وإن كان لا يَعرِفُ صاحبَها تَصدَّقَ بها عن صاحبها بنية التخلُّص منها.

 

ومن عَلِم من شخص أنه يأكل حرامًا أو يأخذ رشوة، فالمشروع له نصيحتُه وتوجيهه إلى الخير، وحثُّه على أداء الأمانة، فإن لم يمتثل فالواجب الرفعُ عنه إلى الجهة المختصة؛ لقول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الدين النصيحة - ثلاثًا))، قيل: لمن يا رسول لله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامَّتِهم»؛ أخرجه مسلم في صحيحه.

وصلوا رحمكم الله....

 


[1] مستفادة من خطب أخرى.