أهل القبور يتمنون يوما من رمضان

أهل القبور الذين كانوا معنا في العام الماضي يتمنون اليوم أن يعودوا إلى الدنيا ليدركوا ليلة من رمضان، ليعمروها بطاعة الله تعالى، يتمنون يوما من أيام رمضان ليعمروا ساعاته بالذكر والصلاة وتلاوة القرآن.

  • التصنيفات: الحث على الطاعات - ملفات شهر رمضان -
أهل القبور يتمنون يوما من رمضان

إن من أعظم النعم التي أنعمها الله بها علينا جميعا أن وفقنا لإدراك هذا الشهر العظيم المبارك، هذا الشهر الذي قال عنه نبينا (صلى الله عليه وسلم): {قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ} [1].

 

فعلى كل من أنعم الله تعالى عليه بهذه النعمة ووفقه لصيام رمضان وقيامه أن يشكر الله تعالى، وأن يستغل شهر رمضان بطاعة الله والتزود من الخيرات؛ لأنه كم من إنسان قد مات وانقطع عمله فلم يشهد هذا الشهر المبارك؟ وكم من انسان لا زال حيًا ولكن لم يُوفق للصيام والقيام؟ وكم من انسان كان يتمنى أن يصوم النهار ويقوم الليل لكنه لا يستطيع ذلك بسبب مرضه؟ فهنيئًا لكل من وفقه الله تعالى في هذا الشهر الفضيل للصيام والقيام وسائر الطاعات.

 

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ}[2]وهنا ربنا لم يقل شهرًا كاملًا، وانما قال ايامًا معدودات؛ من أجل أن يقول لنا: بأن أيام رمضان فرصة غالية، وسرعان ما ستمضي هذه الأيام، فأين من يستغلها في تكثير الحسنات، والتقرب إلى رب السموات، بجميع أنواع النوافل والطاعات.

 

فعلى الواحد منا أن يسَارِع إلى الخيرات ويستغل موسم الخير والطاعات.

 

والله إن غيرنا من أهل القبور الذين كانوا معنا في العام الماضي يتمنون اليوم أن يعودوا إلى الدنيا ليدركوا ليلة من رمضان، ليعمروها بطاعة الله تعالى، يتمنون يوما من أيام رمضان ليعمروا ساعاته بالذكر والصلاة وتلاوة القرآن.

 

والله إن أهل القبور اليوم يتحسّرون على صلاة ركعتين، ويحسدون أهل المساجد في مساجدهم يصلون ولا يقدرون ان يصلّوا، ويصومون ولا يقدرون ان يصوموا، ويتصدقون ولا يقدرون أن يتصدقوا، ويذكرون الله ولا يقدرون ان يذكروا، فيندمون على ما مضى من زمانهم.

 

قال الإمام ابن رجب الحنبلي (رحمه الله): " إن غاية أمنيَّةِ الموتى في قبورِهم حياةُ ساعةٍ يستدركون فيها ما فاتهم من توبة وعملٍ صالحِ، وأهلُ الدنيا يفرِّطون في حياتِهم فتذهبُ أعمارُهم في الغفْلَّةَ ضياعًا، ومنهم من يقطَعُها بالمعاصي "[3].

 

يروى أَن رجلا جَاءَ إِلَى الْقُبُور وَصلى رَكْعَتَيْنِ ودعا لهم ثمَّ اضْطجع على شقَّه فَنَامَ، فَرَأى صَاحب الْقَبْر فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا إِنَّكُم تَعْمَلُونَ وَلَا تعلمُونَ وَنحن نعلم وَلَا نعمل وَلِأَن تكون ركعتاك فِي صحيفتي أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا[4].

 

وقال بعض الصالحين: "مات لي أخ في اللّه فرأيته في النّوم فقال: يا فلان عشت صالحا، فالحمد للّه ربّ العالمين، فقال لي: لئن أقدر أن أقولها -يعني الحمد للّه ربّ العالمين- أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها"[5].

 

والله إن أهل القبور يتحسرون على ليلة أضاعوها من ليالي العمر فما بالك من ليالي رمضان؟!، والله لا يعرف قيمة رمضان إلا من فقده، لا يعرف قيمة رمضان إلا أهل القبور، والله لو كتب الله جل جلاله أن يخرج أهل القبور من قبورهم لقالوا لنا: إياكم أن تضيعوا ثانية من رمضان ليس يوما أو يومين أو ثلاثة، لا بل ثانية من رمضان؛ لأنهم عرفوا قيمة رمضان.

 

ولذلك يقول ابن الجوزي (رحمه الله): " تَاللَّهِ لَوْ قِيلَ لأَهْلِ الْقُبُورِ تَمَنَّوْا لَتَمَنَّوْا يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ "[6].

لماذا يتمنون يوما من رمضان؟ لأن رمضان هـو سيـد الشهور وتضاعف فيه الحسنات والأجور[7].

 

ولذلك سلفنا الصالح (رحمهم الله) انتبهوا لتلك الأجور والخير الموفور فتنبَّهوا ونبَّهوا، هذا أحد السلف يقول: (إذا حضر شهر رمضان فاِنْبَسِطُوْا فيه بالنَّفَقَة، فإنّ النفَقةَ فيه مضاعفة، كالنَّفَقةِ في سبيلِِ الله، وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة في غيره)[8]، ويقول التابعي الجليل إبراهيم النَّخَعَيُّ (رحمه الله): (صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم، وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة، وركعة فيه أفضل من ألف ركعة)[9].

 

كم من الناس اليوم من تراه فرّط بهذا الشهر المبارك، وذلك بتضييع نهاره في النوم، ولياليه في السهر المحرَّم.

 

فتراه يفرط بالصلاة في وقتها: يسهر الليل كله، وبعد السحور ينام وربما صل الفجر وربما لا يصلي ويبقى نائمًا حتى صلاة العصر، فتفوته صلاة الفجر وصلاة الظهر بحجة أنه صائم.

 

وهناك من يفرط بالصيام فلا يصوم إلا عن الأكل والشرب، أما أن يصوم لسانه وبصره وسمعه عما حرم الله فلا، وهذا أخبر عنه نبينا (صلى الله عليه وسلم) بقوله: رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ» [10]؛ لأنه ربما صام ولم يخلص النية لله تعالى، أو لم يتجنب قول الزور والكذب والبهتان والغيبة والنميمة والكذب واللعن والسباب وإطلاق النظر إلى النساء في الشوارع والمحال التجارية وغيرها؛ فيحصل له الجوع والعطش، ولا يحصل له الثواب ورب متهجد بالصلاة في الليل، “ليس له من قيامه إلا السهر”؛ وذلك لسوء نيته.

الصائم الحقيقي كما قال سيدنا جابر بن عبد الله (رضي الله عنه): (إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَآثِمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَيَوْمَ صِيَامِكَ سَوَاءً)[11].

 

وهناك من يفرط بصلاة القيام: فترى البعض أصبحت عنده عادة أن يأتي إلى المسجد ليصلي العشاء والتراويح، وربما تراه يسأل ويبحث عن أسرع من يصلي صلاة التراويح، وبعضهم تراه يصلي صلاة العشاء وبعض ركعات من التراويح ويخرج مسرعًا، إلى اين يا ترى؟

 

يذهب أما أن يجلس في مجالس القيل والقال، وأما أن يذهب للجلوس على الفضائيات، أو يمسك جهازه ليقلب في مواقع التواصل، وقد فرط في الأجر والثواب الذي أخبر عنه نبينا (صلى الله عليه وسلم) عندما قال: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» [12].

 

وهذا الثواب لا يناله إلا من صلى مع الإمام حتى ينتهي من الصلاة كلها، أما من اقتصر على بعض الصلاة ثم انصرف، فلا يستحق الثواب الموعود به في هذا الحديث، وهو " قيام ليلة"، فكم من مسلم فرط بهذا الجر والثواب.

 

فيامن تفرط في هذا الشهر الفضيل تذكر أن اهل القبور يتحسرون على ليلة واحدة من رمضان ليستغلوها بطاعة الله تعالى فأين أنت من هذا؟

 

والله إن الميت يتمنى الان أن يعود الى الدنيا ولو ساعة واحدة ليعيد فيها ترتيب حياته، ويستغفر الله عز وجل عن كل ذنب أذنبه، بل لو استطاع أن يمر على كل شخص أخطأ في حقه ليقبل رأسه حتى يسامحه لفعل.. بينما نحن نضيع أوقاتنا كثيرا فيما لا يفيد، ونخطئ ولا نتوب، ويمر علينا الوقت ولا ننتبه لضياعه، والخوف كل الخوف أن يأتي يوم ونتحسر فيه على كل ما فات!.

 

هذا سيدنا الحسن البصري (رحمه الله)، مر بجنازة، وكان معه رجل مسرف على نفسه، فقال له سيدنا الحسن: ( ترى ما أمنية هذا الميت؟ ) فقال الرجل: أن يعود إلى الدنيا ليتوبَ ويصلحَ الزاد، فقال الحسن: فكن هذا الرجل.

 

فالسعيد من استغل شهر رمضان بالمحافظة على الصلاة في وقتها، وبالصيام عما نهانا الله عنه، والإكثار من تلاوة القرآن، والمحافظة على صلاة القيام مع الامام لنفوز برمضان.

 

اللهم وفقنا لصيام رمضان وقيامه على احسن حال، واقبلنا فيه، وتقبله منا، اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا. اللهم آمين، آمين، آمين.

أيها المسلم الكريم: أقدمَ نصيحة لكل من لدية حاجة يريد من الله تعالى أن يقضيها له، ولكل من له أمنية ويريد من الله تعالى أن يحققها له، لكل من يريد السعادة في الدنيا والآخرة.

 

أقول له: هذا هو شهر رمضان شهر استجابة الدعاء، وتفريج الكربات.

 

ولأهمية الدعاء في حياة الصائم، جعل الله تعالى آية الدعاء بين آيات الصيام، فقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[13].

كل ذلك لينبه الصائم إلى أن الدعاء في هذا الشهر من أجل العبادات، وأن الصائمين المتضرعين أرجى للقبول والحظوة عند الرب الغفور.

 

وهذا ما أكد عليه النبي (صلى الله عليه وسلم)، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (رضي الله عنه) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ لَا تُرَدُّ، دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ» [14].

 

وعن عَبْد اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (رضي الله عنه) يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): (( «إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ»، وكان عَبْد اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو (رضي الله عنه) يَقُولُ إِذَا أَفْطَرَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، أَنْ تَغْفِرَ لِي» [15].

 

وكان السلف الصالح (رحمهم الله)، يخصصون لرمضان دعوات، ويلحّون عليها طيلة شهر رمضان.. فى السجدات، وأدبار الصلوات، وقبل الإفطار، وعند الإفطار، وفى الأسحار، حتى قال أحد الصالحين: ما أدَمت الدُعاء في رمضان على أمرٍ إلّا وتَجلى ظاهرًا في شوال.

 

فليحافظ المسلم على دعوت له طلية شهر رمضان ويدعو بها وليكن على يقين أن الله تعالى سيستجيب لك.

 


[1] أخرجه الإمام أحمد في مسنده: (12/59)، برقم (7148)، قال شعيب الأرنؤوط: صحيح وهذا إسناد رجاله رجال الشيخين وأبو قلابة روايته عن أبي هريرة مرسلة.

[2] سورة البقرة: الآية (183-184).

[3] لطائف المعارف لابن رجب: (ص: 339).

[4] الاستعداد للموت وسؤال القبر، زين الدين المعبري: (ص: 31).

[5] الاستعداد للموت وسؤال القبر، زين الدين المعبري: (ص: 31).

[6] التبصرة لابن الجوزي: (2/ 78).

[7] قال البهوتي (رحمه الله): وَيُسْتَحَبُّ فِي رَمَضَانَ الْإِكْثَارُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالصَّدَقَةِ لِتَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ بِهِ. كشاف القناع عن متن الإقناع: (2/ 332).

[8] لطائف المعارف لابن رجب (ص: 151).

[9] لطائف المعارف لابن رجب (ص: 151).

[10] سنن ابن ماجه، أبواب الصيام - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغِيبَةِ وَالرَّفَثِ لِلصَّائِمِ: (2/ 591)، برقم (1690)، قال شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح.

[11] مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الصيام- مَا يُؤْمَرُ بِهِ الصَّائِمُ مِنْ قِلَّةِ الْكَلَامِ، وَتَوَقِّي الْكَذِبِ: (2/ 271)، برقم (8880).

[12] سنن الترمذي، أبواب الصيام - بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ: (2/ 161)، برقم (806)، قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

[13] سورة البقرة: الآية (186).

[14] السنن الكبرى للبيهقي، كِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ- بَابُ اسْتِحْبَابِ الصِّيَامِ لِلِاسْتِسْقَاءِ لِمَا يُرْجَى مِنْ دُعَاءِ الصَّائِمِ: (3/ 481)، برقم (6392).

[15] سنن ابن ماجه، أَبْوَابُ الصِّيَامِ - بَابٌ فِي الصَّائِمِ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُ: (2/ 636)، برقم (1753)، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.

_____________________________________________________
المؤلف: د. محمد جمعة الحلبوسي