سمو القدر في إحياء في ليلة القدر

جرتِ السنون وقدْ مضَى العمْرُ   ***   والقـلـبُ لا شُـكـرٌ ولا ذِكـرُ 
هَا قــدْ حبــاكَ اللهُ مـعـفــــــرةً   ***   طرقتْ رحابَك هذه العشرُ

  • التصنيفات: ملفات شهر رمضان والعشر الأواخر -
سمو القدر في إحياء في ليلة القدر

الخطبة أولى:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أمَّا بعد:

يــا أيُّـها العَـبْدُ قُـمْ لِلَّهِ مُــجْتَـهِــــدًا   ***   وَانْهَضْ كَما نَهَضَتْ مِنْ قَبْلِكَ السُّعَـــدَا 

هَذِي لَيالِي الرِّضَا وَافَتْ وَأَنْتَ عَلَى   ***   فِـعْـلِ القَـبِـيحِ مُصِـرًّا مَا جَلَوْتَ صَـــدَا 

قُمْ فَاغْتَنِمْ لَيْلَةً تَحْيَا النُّفُوسُ بِهَــا   ***   وَمِثْـلُــهَـا لَـمْ يَـكُـنْ فــي فَـضْلِـهَــا أَبَـدَا 

طُوبَى لِمَنْ مَرَّةً فِي العُمْرِ أَدْرَكَهَـــا   ***   وَنَــالَ مِـنْهَا الــذي يَبْغِـيــهِ مُـجْـتَــهِــدَا 

فَلَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ قَــــالَ خَـــالِقُـنَــا   ***   مِنْ أَلْفِ شَهْـرٍ هَنِـيـئًـا مَــنْ لَـهَــا شَهِـــدَا 

وَيَنْزِلُ الرُّوحُ فِيها والملائِكُ مِــــنْ   ***   عِنْـــدَ المُهَيْمِــنِ لا نُـحْصِــي لَهُــم عَـدَدَا 

يا فَوْزَ عَبْدٍ حُظِي فِيها فَـــــوَفَّقَـهُ   ***   رَبِّـــي قَبُـولًا فَــعَاشَ عِيـــشَــةَ السُّـــعَدَا 

وَفَازَ بِالأَمْنِ وَالغُفَرَانِ مُغْتَـبِـطًـــــا   ***   وَنَالَ مَــا يَـرْتَــجِي مِــنْ رَبِّـــهِ أَبَـــــــــدَا 

فَاطلبْ مِن الله إنْ وَافَيْتَهَا سَحَرًا   ***   جَنَّــاتِ عَــدْنٍ تَـكُـنْ مِـنْ جُمْـلَــة السُّـعَدا 

وَابكِ ونحْ وَتَضرعْ فِي الدُّجَا أَسَفًا   ***   عَلَـى كَـبَــائِــرَ لا تُـحْــصِــي لَـهَـــا عَــدَدَا 

ثُمَّ الصَّلاة على المُخْتَارِ مَا طَلُعَـتْ   ***   شَمْـسٌ وَمَــا سَــارَ سَــارٍ فِـي الفَلا وَحَدَا 

 

العنصر الأول ليلة القدر وخصائصها وتحريها:

بشراكم أيها الأحباب فقد أدركتم العشر التي فيها الهدية الربانية والمنحة الإلهية إنها ليلة لها ما بعدها من منزلة وثواب ومغفرة.

جرتِ السنون وقدْ مضَى العمْرُ   ***   والقـلـبُ لا شُـكـرٌ ولا ذِكـرُ 

هَا قــدْ حبــاكَ اللهُ مـعـفــــــرةً   ***   طرقتْ رحابَك هذه العشرُ 

 

إنها الليلة التي هي خير من ألف شهر خير من ألف شهر جهاد وعبادة، وذلكم عباد الله فضل الله يؤتيه من يشاء

عشْرٌ وأيُّ العشْرِ يا شهرَ التُّقَى   ***   عشْرٌ بها عتـقٌ من النيرانِ 

فـيهَـا مـنَ الأيـامِ أعـظـمُ ليلةٍ   ***   بشـرَى لـقـائمِ ليلِها بِجِنـانِ 

 

قال الله تعالى عنها: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 1 – 5].

 

وهل عرفتم عباد الله لماذا سماها الله تعالى بذلك؟

سبب تسميتها ليلة القدر:

أولًا: أنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة، فيكتب فيها ما سيجري في ذلك العام، وهذا من حكمة الله عز وجل وبيان إتقان صنعه وخلقه.

 

ثانيًا: سميت ليلة القدر من القَدر وهو الشرف كما تقول: فلان ذو قدر عظيم، أي ذو شرف لقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، وليلة خير من ألف شهر قدرها عظيم ولا شك.

 

ثالثًا: وقيل لأن للعبادة فيها قدر عظيم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»  (متفق عليه).

 

وهذا لا يحصل إلا لهذه الليلة فقط، فلو أن الإنسان قام ليلة النصف من شعبان، أو ليلة النصف من رجب، أو ليلة النصف من أي شهر، أو في أي ليلة لم يحصل له هذا الأجر.

 

رابعًا: لأن من قامها إيمانًا واحتسابًا صار ذا قدر ومنزلة.

 

ولتلك الليلة - عباد الله - خصائص ومزايا وفضائل نذكر منها:

1- أنها ليلة أنزل الله فيها القرآن، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}.

عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، قال: أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا كان بموقع النجوم فكان الله ينزله على رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعضه في إثر بعض قال عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32]، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. [المستدرك]

 

2- أنها ليلة مباركة، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان: 3].

قال القرطبي – رحمه الله- ولها أربعة أسماء:

الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة القدر، ووصفها بالبركة لما ينزل الله فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب.

 

3- يكتب الله تعالى فيها الآجال والأرزاق خلال العام، قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4].

 

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى ثم قرأ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 3، 4]، يعني: ليلة القدر ففي تلك الليلة يفرق أمر الدنيا إلى مثلها من قابل. أخرجه الحاكم.

 

وأخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قوله: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} قال: في ليلة القدر كل أمر يكون في السنة إلى السنة: الحياة والموت، يقدر فيها المعايش والمصائب كلها.

 

4- فضل العبادة فيها عن غيرها من الليالي فالعبادة فيها تساوى عبادة قال تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3].

 

وورى ابن جرير عن مجاهد، قال: «كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدوّ بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل ».

 

5- تنزل الملائكة فيها إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة والمغفرة، قال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}  [القدر: 4].

 

قال الزحيلي في تفسيره: ومن فوائد نزول الملائكة: أنهم يرون في الأرض من أنواع الطاعات ما لم يروه في سكان السموات، ويسمعون أنين العصاة الذي هو أحب إلى اللَّه من زجل المسبّحين، فيقولون: تعالوا نسمع صوتا هو أحب إلى ربنا من تسبيحنا.

 

ولعل للطاعة في الأرض خاصية في هذه الليلة، فالملائكة أيضا يطلبونها طمعا في مزيد الثواب، كما أن الرجل يذهب إلى مكة لتصير طاعاته هناك أكثر ثوابا.

 

6- ليلة خالية من الشر والأذى وتكثر فيها الطاعة وأعمال الخير والبر، وتكثر فيها السلامة من العذاب ولا يخلص الشيطان فيها إلى ما كان يخلص في غيرها فهي سلام كلها، قال تعالى: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 5].

 

عن مجاهد في قوله: {سَلاَمٌ هِيَ} قال: هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا، أو يعمل فيها أذى.

 

7- فيها غفران للذنوب لمن قامها واحتسب في ذلك الأجر عند الله عز وجل، عن أبي هريرة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». [متفق عليه]

قال الشعبي: وليلها كيومها، ويومها كليلها.

 

وقال الفرّاء: لا يقدر اللَّه في ليلة القدر إلا السعادة والنعم، ويقدّر في غيرها البلايا والنقم. وقال سعيد بن المسيب في الموطأ: من شهد العشاء من ليلة القدر، فقد أخذ بحظه منها. ومثله ومثل ما تقدمه لا يدرك بالرأي.

_________________________________________
الكاتب: السيد مراد سلامة