كيف تخشع في الصلاة؟

استحضِرْ عظمة الله في قلبك قبل الصلاة، وادخل المسجد قبل الأذان، وصلِّ في الصف الأول؛ حتى تصل إلى الخشوع.

  • التصنيفات: فقه الصلاة - أعمال القلوب -
كيف تخشع في الصلاة؟

يقول تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1، 2]، تستشعر قلوبُهم رهب الموقف من الصلاة بين يدي الله، فتسكن وتخشع، فيسري الخشوع فيها إلى الجوارح والملامح والحركات، ويغشى أرواحَهم جلالُ الله في حضرته، فتختفي من أذهانهم جميعُ الشواغل، ولا تشتغل بسواه.

 

والخشوع في الصلاة هو بمثابة الروح من الجسد، فإن فُقدت الروح مات الجسد.

 

والخشوع في الصلاة يخفِّف أمرها على العبد، قال تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45]؛ بل يجعل للصلاة لذَّةً فائقة، ومتعة غامرة، قال صلى الله عليه وسلم: «وجُعلت قرة عيني في الصلاة»[1].

 

ثمار الخشوع:

♦ ومن ثمار الخشوع التلذُّذُ بالصلاة، والأنس بمناجاة الله سبحانه؛ حتى يغدو المسجد قطعة من الجنة، والصلاة قرةَ عين ونعيمًا وسرورًا.

 

♦ من ثمار الخشوع الراحة النفسيَّة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزَبَه أمرٌ فزع إلى الصلاة، وكان ينادي بلالًا: «يا بلال، أقِمِ الصلاة؛ أَرِحْنا بها» [2].

 

ولا تأتي هذه الراحةُ من حركات مصطنعة، أو خشوع مفضوح، وهو خشوع الجسد والقلبُ غير خاشع؛ فقد رأى عمر بن الخطاب شابًّا يطأطئ رقبته في الصلاة، فقال: "يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك؛ ليس الخشوع في الرقاب؛ إنما الخشوع في القلب".

 

♦ ومن ثمار الخشوع عظم الأجر والثواب، فعلى قدر الخشوع يكون الأجر؛ فقد أخبر ابن عباس رضي الله عنه "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلتَ منها".

 

ومن أعظم ثمار الخشوع هو أن تخرُجَ من صلاتك كيومَ ولَدتْك أمُّك؛ فقد روى عقبة بن عامر أن رسول الله قال: «ما من مسلم يتوضأ فيُسبِغ الوضوء، ثم يقوم إلى صلاته، فيعلم ما يقول، إلا انفتَلَ كيومَ ولَدتْه أمُّه»[3].. الشرط: "فيعلم ما يقول"، والجزاء: غفران الذنوب.. وكأن الخشوع يمحو كلَّ ما مضى من ذنوب.. صلاة واحدة خاشعة تسري فيها هذه الروحُ كافيةٌ لأن تغيِّر حياتك.

 

وهذا ما فعله (حاتم الأصم) الزاهد العابد، عندما كان يصلي؛ فقد سئل عن صلاته فقال: "إذا حانتِ الصلاة أسبغتُ الوضوء، وذهبت إلى المسجد بالسَّكينة، وأجعل الكعبة بين عيني، والصراط تحت قدمي، والجنة عن يميني، والنار عن شمالي، وملَكَ الموت ورائي، وأظنُّها آخرَ صلاتي، وأقوم بين الرجاء والحوف، وأدخل بالنية، وأكبِّر بتحقيق، وأقرأ بترتيل، وأركع بتواضع، وأسجد بخشوع، وأقعد على الورك الأيسر، وأفرش ظهر قدمها، وأنصب القدم اليمنى على الإبهام، وأتبعها الإخلاص، تم لا أدري أقُبِلتْ مني أم ردَّها الله عليَّ!".

 

معينات على الخشوع:

1- المسارعة إلى تلبية النداء: تصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حال النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقت سماعه الأذان، فتقول: كان يحدِّثنا ونحدِّثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه.

 

2- الاستعداد باللباس الحسن النظيف: قال تعالى:  {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]؛ لأن اللِّباس الحسن والرائحة الطيِّبة يُشعِر بالراحة النفسية والطُّمأنينة، ويساعد على الخشوع.

 

3- لا تُصَلِّ في حضرة طعام، ولا مع مدافعة الأخبثين: لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافع الأخبيثن»[4] ، والأخبثان هما البول والغائط، ولا يستطيع الإنسان الخشوع وهو يدفعهما، وبالنسبة للطعام؛ فلأنه إذا حضر بين يدي المصلِّي قام يصلي ونفسُه متعلقة به.

 

4- صلِّ صلاة مودع: لقول النبي موصيًا أبا أيوب: «إذا قمتَ في صلاتك فصلِّ صلاة مودع»[5]، فعندما يشعر المصلِّي بأنها آخر صلاة وليس بينه وبين ربِّه غير التسليم، عندئذٍ يخشع، ولأهمية الوصية يكرِّرها النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنس رضي الله عنه، فيقول له: ((اذكُرِ الموت في صلاتك؛ فإن الرجل إذا ذكَرَ الموت في صلاته لَحريٌّ أن يُحسِنَ صلاته))[6].

 

5- رتِّل وحسِّن صوتك بالقرآن: لأن هذا الترتيل أوعى إلى التفكير والخشوع بخلاف الإسراع؛ لذلك أمَرَ الله نبيَّه، فقال:  {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 4]، وتحسين الصوت يكون مع القراءة بحزن، قال رسول الله: {أحسنُ الناسِ قراءةً الذي إذا قرأ رأيتَ أنه يخشى الله}[7].

 

6- تدبر وردد الآيات: من أراد الوصول إلى بَرِّ الخشوع، فعليه أن يتدبر آيات الله، قال عز وجل: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]، ومن تدبَّرَ بقلبه دمعت عيناه.

 

7- استحضار عظمة الله تعالى، وأن يحدِّث العبد نفسه أن الله عز وجل قد نصب وجهه لعبده في الصلاة، وقد كان علي بن الحسين ترتعد فرائصه ويصفرُّ وجهه كلما توضأ استعدادًا للصلاة، فلما سئل عن سبب ذلك، قال: إنكم لا تدرون بين يدي من سأقف؟!

 

واجب عملي:

استحضِرْ عظمة الله في قلبك قبل الصلاة، وادخل المسجد قبل الأذان، وصلِّ في الصف الأول؛ حتى تصل إلى الخشوع.