الزكاة مبنية على الرفق والمواساة

إن فريضة الزكاة لما فُرضت لم تكن كعقوبة على الأغنياء، ولا للتضيق عليهم، وإنما لتطهيرهم بها وحل البركة في أموالهم، وصرف نفوس الفقراء عن هذه الأموال، فكانت خدمة للفقراء، وحفظًا للأغنياء وبركة لهم.

  • التصنيفات: فقه الزكاة -
الزكاة مبنية على الرفق والمواساة

إن فريضة الزكاة لما فُرضت على المسلمين في السنة الثانية للهجرة، لم تكن كعقوبة على الأغنياء، ولا للتضيق عليهم، وإنما لتطهيرهم بها وحل البركة في أموالهم، وصرف نفوس الفقراء عن هذه الأموال، فكانت خدمة للفقراء، وحفظًا للأغنياء وبركة لهم.

 

فبُنيت الزكاة على الرفق بالأغنياء، ولمواساة الفقراء، وسنخرج ما دفن من آثار العلماء في كتبهم إن شاء الله تعالى.

 

فنجد أن السادة الأحناف، ووافقهم بعض الحنابلة أنهم لم يراعو النظر إلى جانب الأغنياء كباقي المذاهب، بل رجحوا جانب الفقير رفقًا به وحفظًا لمصالحه، فقال القدوري: " أن عندنا لا مشقة في إيجاب الكثير إذا جاز دفع القيمة"[1].

 

وأما ما روي عن الحنابلة فهو قوله: "وهذا مرده إلى الأحظ للفقراء؛ لأن الزكاة مبنية على حق لله عز وجل أوجبه للفقراء والضعفاء، فغلِّب حق الفقراء على حق الأغنياء"[2].

 

ثم إن المالكية، والشافعية، وبعض الحنابلة، رعوا كون الزكاة مبنية على الرفق بالأغنياء ومواساة الفقراء.

 

فقال المالكية: "وكان ما زاد عن المائة والعشرين من الكثرة حيث يحتمل المواساة منه، وأن يخرج من جنسه، وجب أن يؤخذ منه ولا يعود إليه شيء من غير جنسه، لزوال المعنى الموجب لذلك"[3]، "الزكاة مبنية على المعدلة بين أرباب الأموال والمساكين"[4]، "الزكاة مبنية على الصنف لتحتمل الأموال المواساة"[5].

 

أما الشافعية فقالوا: "الزكاة مبنية على المسامحة والإرفاق فيحتمل فيها ما لا يحتمل في غيرها"[6]، "فلأن الزكاة مبنية على التخفيف لأنها مواساة"[7]، "الزكاة مبنية على الرفق والمساهلة، وليس فيها إضرار بالغير"[8].

 

وأما ما ذهب الحنابلة إليه فهو قوله: "لأن الزكاة مبناها على المواساة وهذا معتبر في قدر المال وجنسه"[9]، "زكاة الفطر لا يمنعها الدين إلا إذا طالب الدائن به فإن الدين يمنع الزكاة لأنه حينئذ يكون أهم؛ إذ هو من حقوق الآدميين المحضة ولأن الزكاة مبناها على المواساة وحقوق الآدميين مبناها على المشاحة، والزكاة مبنية على المواساة فلم يكلفها المسلم مع وجود من يطالبه"[10].

 

لكننا وجدنا أن الراجح من أقوال العلماء ما ذهب إليه الجمهور من المالكية والشافعية وبعض الحنابلة، أن الزكاة روعي فيها النظر إلى جانب الأغنياء والفقراء كلاهما على حد سواء، للأدلة الآتية:

1- عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قوما من أهل الكتاب... فإن هم طاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم طاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب» [11].

 

وجه الدلالة: الحديث واضح الدلالة على نهي النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه عن أخذ كرائم أموال الأغنياء الذين وجبت عليهم الزكاة.

 

2- عن ابن لعبد الله بن سفيان الثقفي، عن جده سفيان بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم بعثه مصدقا، فكان يعد على الناس بالسخل، ولا يأخذ منه شيئا فقالوا: تعد علينا بالسخل ولا تأخذه؟ فلما قدم على عمر بن الخطاب، ذكر ذلك له، فقال عمر: نعم نعد عليهم بالسخلة، يحملها الراعي، ولا نأخذها، ولا تأخذ الأكولة، ولا الرباء..."[12].

 

وجه الدلالة: دل الحديث دلالة واضحة على النهي عن أخذ ما يضر بالفقير من الأكولة والعجفاء والمرضى والصغيرة التي تحتاج لرعاية، وغير ذلك من المعدودات التي تسبب الحرج للفقير.

 

ومن مجموع الأدلة بعد توجيهها تبين للباحثين أن الزكاة فرضت على الأغنياء رفقًا بهم وحفظًا لهم ولأموالهم من الحقد والغل والكراهية المتولدة عند منع أموالهم من الفقراء، وحفظًا لهم من الوعيد المترتب لمانع الزكاة.

 

وأما الفقراء فهي من باب المواساة لهم ودعمهم ورفع معنوياتهم وتثبيتهم على الدين الحنيف وحفظًا لهم من اتباع أهل الغي والفساد الذين ينفقون ليل نهار لإغواء الموحدين.

 

فالزكاة ليست عقوبة وإنما هي منحة جليلة من الملك الجليل للأغنياء حتى يرتقوا في الدنيا والآخرة، وللفقراء حتى يثبتوا ويستطيعوا أن يعيشوا دون تنغيص لحياتهم من أهل الأهواء.

 


[1] التجريد، للقدوري: (3/ 1165).

[2] التجريد، للقدوري: (3/ 1165).

[3] شرح الرسالة، للثعلبي: (1/451).

[4] جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر، للتتائي: (3/ 50).

[5]) جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر، للتتائي: (3/ 60).

[6] المجموع شرح المهذب، للنووي: (5/ 380).

[7] أسنى المطالب في شرح روض الطالب، للسبكي: (1/ 341).

[8] مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، للشربيني: (4/ 183).

[9] مجموع الفتاوى، لابن تيمية: (25/ 82).

[10] شرح زاد المستقنع، للحمد: (9/ 122).

[11] صحيح البخاري، كتاب المغازي: باب بعث أبي موسى، ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع (5/ 162)، برقم ( 4347)، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (1/ 50)، برقم (19).

[12] موطأ مالك، كتاب الزكاة، باب ما يعد به من السخل في الصدقة (1/ 272)، برقم (694)، وضعفه صهيب عبد الجبار في الجامع الصحيح للسنن والمسانيد (30/ 83).

_____________________________________
المؤلف: محمود مقاط