الارتجال

كان العرب أيام ازدهار الخطابة فيهم من أقوى الناس على الارتجال؛ قال الجاحظ في وصفهم: "وكل شيءٍ للعرب فهو بديهةٌ وارتجالٌ، وكأنه إلهامٌ، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالةُ فكرٍ ولا استعانة

  • التصنيفات: تربية النفس - تزكية النفس -

1- إذا كنا قد أوْجَبْنا التحضير والتهيئة؛ فليس معنى ذلك أن الخطيب لا يحتاج إلى الارتجال؛ إذ القدرة على الارتجال أَلْزَم الصفات للخطيب؛ بل لا يُعَدُّ الخطيب - في نظري - في صفِّ الخطباء الممتازين؛ إلا إذا كان من القادرين عليه، الذين لا يفرِّق الإنسان بين أسلوبهم المرتَجَل، وأسلوب خطبهم المحضَّرة.

إن حاجة الخطيب إلى الارتجال لَوَاضحة؛ فقد يحضر الخطيب؛ ثم يرى من وجوه السامعين وحالهم ما يحمله على اتِّجاهٍ آخر، فإن لم تُسْعِفْهُ بديهةٌ حاضرةٌ، وخاطرٌ سريعٌ، ومِرانٌ على الارتجال طويلٌ - ضاع هو وما يدعو إليه، والتقاه الناس بالمُكاء والتَّصْدِيَة، والصَّفير والسُّخرية، والاستهزاء في كل مكان!!

وقد يخطب الخطيب؛ فيعترض عليه بعض الناس في خطبته، فإن لم تكن له بديهةٌ حاضرةٌ تردُّ الاعتراض وتنزعه بالحُجَّة القويَّة - ذهبت الخطبة وآثارها.

يُروَى أن أبا جعفر المنصور كان يخطب مرةً؛ فقال: "اتقوا الله"؛ فقال رجلٌ: "أُذَكِّرُكَ مَنْ ذَكَّرْتَنا به"! فقال أبو جعفر: "سمعًا سمعًا لمَنْ فهم عن الله وذكَّر به، وأعوذ بالله أن أُذكِّر به وأنساه، فتأخذني العِزَّة بالإثم، لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين! وما أنت؟". والتفت إلى الرجل، فقال: "والله، ما الله أردتَ بها، ولكن ليُقال: قام فقال؛ فعوقِبَ فصبر، وأهون بها لو كانت العقوبة، وأنا أنذركم أيها الناس أختها، فإنَّ الموعظة علينا نزلت، وفينا نَبَتَتْ"، ثم رجع إلى موضعه من الخطبة!!

 

فلو لم تكن قدرة المنصور على الارتجال؛ ما استطاع أن يأتي بذلك النوع من الكلام، وما استطاع حينئذٍ أن ينال من المتهجِّم على مقام الإِمْرَة ذلك التهجُّم.

وقد يعقِّب بعض الخصوم على كلام الخطيب بالنَّقْض - وذلك كثيرٌ في مرافعات المحامين والنيابة - فإذا لم يتقدَّم بكلامٍ قيِّمٍ يسدُّ به الخُلَّة، ويردُّ به الحقَّ إلى نِصابه، ويتدارك من أمره ما هُوجِمَ فيه - ضاع مقصوده، وذهب أدراج الرياح مجهوده، وذلك لا يكون إلا بقوة الارتجال التي تتكوَّن بالمزاولة والمِران.

2 - وقد كان العرب أيام ازدهار الخطابة فيهم من أقوى الناس على الارتجال؛ قال الجاحظ في وصفهم: "وكل شيءٍ للعرب فهو بديهةٌ وارتجالٌ، وكأنه إلهامٌ، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالةُ فكرٍ ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام، وإلى الرَّجْز يوم الخصام، أو حين أن يَمْتَحَ على رأس بئر، أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة أو المُناقَلَة، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني أرسالاً، وتَنْثالُ عليه الألفاظ انثيالاً، ثم لا يقيِّده على نفسه، ولا يدرِّسه أحدًا من وَلَدِه... وكانوا أمِّيِّين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلَّفون، وكان الكلام الجيِّد عندهم أَظْهَر وأكثر، وهم عليه أَقْدَر وأَقْهَر، وكلُّ واحدٍ في نفسه أَنْطَق، ومكانه من البيان أَرْفَع، وخطباؤهم أَوْجَز، والكلام عليهم أَسْهَل، هو عليهم أَيْسَر من أن يفتقروا إلى تحفُّظٍ، أو يحتاجوا إلى تَدارُسٍ، وليسوا كمَنْ حفظ علم غيره واحتذى كلامَ مَنْ كان قبله، فلم يحفظوا إلاَّ ما علق بقلوبهم، والتحم بصدورهم، واتَّصل بعقولهم من غير تكلُّفٍ ولا قصدٍ ولا تحفُّظٍ ولا طَلَبٍ".

3 - والمران على الارتجال يكون والعود أخضر، والعادات لم تتكوَّن، والنفس لم تَجْمُد على نحو خاص من أنحاء القول يخالفها، ولذا قيل: إن القدرة على الارتجال لا تتكوَّن بعد الأربعين، ويصعب أن تتكوَّن بعد الثلاثين؛ بل تتكوَّن في سنٍّ دون هذه السنِّ.

ويتربى الارتجال:

1 - بسماع الخطباء المرتجِلين الممتازين؛ لأنَّ السماع يحفِّز مَنْ عنده استعدادُ الكلام إليه، ولأنَّ فكر البشر يتغذَّى بالتَّقليد والمحاكاة.

 

2 - وبأن يأخذ نفسه من وقتٍ لآخر بالكلام مرتجِلاً، ويغشى الجماعات ويتقدَّم إلى القول؛ ليفُكَّ عقدةَ لسانه، ويزيل حَبْسَة الحياء.

 

ويرى (موريس آجام) أن تمرين مريد الخطابة على الارتجال: بأن يتكلَّم كل صباحٍ في موضوعٍ من الموضوعات لنفسه ولو ربع ساعة، فيتمرَّن جرسه وصوته.

3 - ومن أَمْثَل الطُّرق: أن يجتهد في ألاَّ يخطب من ورق، وأن يعرف ملخَّص ما يقول بعد تحضيره، فإذا دأب على ذلك، وواتته فطرةٌ قويةٌ واستعدادٌ قويمٌ - قوي على القول على البديهة من غير تحضيرٍ عند الاقتضاء.

4 - وعلى مريد الخطابة أن يستنصِحَ رفيقًا له؛ يدلّه على عيوبه، كما أن عليه أن يراقب نفسه مراقبةً تامةً، ويأخذ نفسه بالإصلاح، ولا يترك عادةً لا تُسْتَحْسَن تثبت وتنمو، وعليه ألاَّ يتقيَّد بعبارات خاصة، وإلا أثار سخرية الناس، ومَكَّن خصومَه من العبث بسُمْعَتِه البيانية.

___________________________________

الكاتب: الشيخ محمد أبو زهرة