قادة التغيير

إن الأخطارَ والتحدياتِ التي تواجه أمةَ الإسلام اليوم كثيرةٌ، وإن الحربَ متعددةَ الأساليبِ، التي يشنُّها عليها خصومها...

  • التصنيفات: قضايا إسلامية -

إن الأخطارَ والتحدياتِ التي تواجه أمةَ الإسلام اليوم كثيرةٌ، وإن الحربَ متعددةَ الأساليبِ، التي يشنُّها عليها خصومها، والمصائبَ، والمحنَ، والنكباتِ التي تلمُّ بها - لَتجعلُ الحليمَ حيرانَ، ولكن الأمراض التي تنخر في جسد الأمة ولَّدتْ لديها القابلية للهزيمة أمام هذه الحرب وهذه الأخطار والتحديات، وما هذه الأمراض إلا أعراض لمرض واحد، ألا وهو البعد عن منهج الله، والتقاعس عن حمل رسالة الإسلام، والقعود عن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكثير من المسلمين نسي الغاية الأولى، وانشغل عنها بالاهتمامات الدنيوية، التي لا يحتاج منها إلا بمقدار ما تحتاجه الرحلة الدنيوية، فالدنيا دار عبور، وليست دارَ قرار وخلود، ويكفيه التزود منها بما يُصْلح حالَه فيها، ويعينه على أداء مهمته الأولى، ولكن اختفاء الموازين الإسلامية أدى إلى سيطرة الأهواء والشهوات، وتشوه الأفكار والمفاهيم والتصورات، ففسدت العقول والقلوب، وران عليها ما ران، وأصبحت الأمة بهذا الحال.

 

هذا يجعل التركيز على إعداد الجماعة المسلمة؛ لحمل أمانة الخلافة في الأرض، ولاستئناف حمل رسالة الإسلام؛ حتى تبلغ الدعوة أقصى العالم، وتتوطد دعائم الإيمان والسلام فيه - أمرًا ضروريًّا وملحًّا، والأمة اليوم بحاجة إلى نفس التوجيهات التي تلقتها الجماعة المسلمة الأولى في بناء تصورها الصحيح، وفي تلمس معالم طريقها واضحة.

 

والأمة المسلمة اليوم، وبين شتى التصورات الجاهلية التي تَعِجُّ بها الأرض، في حاجة إلى أن تتميز بشخصيتها وبتصورها، وبأهداف واهتمامات تتفق مع هذه الشخصية وهذا التصور المنبثق عن عقيدتها، وأن تتميز برايتها التي تُعرف بها بأنها خير أمة أخرجت للناس، فالبشرية لا تنقاد لأمة ليست لديها رسالة سامية، وبرنامج حياة كامل يرقى بالإنسانية وبالحياة وينميها؛ قال – تعالى -: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].

 

يقول سيد قطب:

"وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة؛ لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة، ولتكون لها القيادة، بما أنها هي خير أمة، والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض، ومِن ثَم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية، إنما ينبغي دائمًا أن تعطي هذه الأممَ مما لديها، وأن يكون لديها دائمًا ما تعطيه، ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح، والتصور الصحيح، والنظام الصحيح، والخلق الصحيح، والمعرفة الصحيحة، والعلم الصحيح، هذا واجبها الذي يُحَتِّمه عليها مكانها، وتحتمه عليها غاية وجودها، واجبها أن تكون في الطليعة دائمًا، وفي مركز القيادة دائمًا، ولهذا المركز تبعاته، فهو لا يؤخذ ادِّعاءً، ولا يسلَّم لها به إلا أن تكون هي أهلاً له، وهي - بتصورها الاعتقادي، وبنظامها الاجتماعي - أهلٌ له، فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي، وبعمارتها للأرض - قيامًا بحق الخلافة - أهلاً له كذلك، ومن هذا يتبين أن المنهج الذي تقوم عليه هذه الأمة يطالبها بالشيء الكثير، ويدفعها إلى السبق في كل مجال، لو أنها تتبعه وتلتزم به، وتدرك مقتضياتِه وتكاليفَه، وفي أول مقتضيات هذا المكان أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد، وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فهي خير أمة أخرجت للناس".

 

وإعداد الجماعة المسلمة يكون بإعداد الفرد المسلم، الذي هو الدعامة الرئيسة التي يقوم عليها بناء الأمة المسلمة، وذلك بتربيته تربية إيمانية صحيحة، تقوم على بناء العقيدة الإسلامية، بحيث تكون لديه عقيدة صحيحة واضحة، راسخة وحيَّة، تنبثق عنها تصوراته، وقِيَمُه، وموازينه في الحياة، وعلى تهذيب نفسه وإرادته؛ حتى يرتقي ويترفع عن الخضوع للشهوات والأهواء، ويحيا وفق مراد الله، وعلى استحياء شعور التقوى في روحه، وإصلاح قلبه؛ حتى يبقى طيبًا نقيًّا من نتن الأمراض والانفعالات السوداء الخسيسة التي تفتك به، فمرضى القلوب أكثر من مرضى الأبدان، وصلاح دين الفرد لا يتم إلا بصلاح قلبه، وفك أسره من حب الدنيا والأخلاق الذميمة، ومن كل ما يشغل عن الله، ولقد كان الفقهاء يعترفون بفضل علماء القلوب، فقد قال الإمام الغزالي: "كان أهل الورع من علماء الظاهر مقرِّين بفضل علماء الباطن وأرباب القلوب، كان الإمام الشافعي يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يقعد الصبي في المكتب، ويسأله كيف يفعل في كذا وكذا؟ فيقال له: مثلك يسأل هذا البدوي؟! فيقول: إن هذا وُفِّق لما أغفلناه، وكان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يختلفان إلى معروف الكرخي، ولم يكن في علم الظاهر بمنزلتهما، وكانا يسألانِه".

 

وكذلك على استنهاض همته لحمل رسالة الإسلام، فهو بغير هذه الرسالة سينفق طاقته في اهتمامات فارغة، وستصبح الدنيا هي كلَّ همِّه، وهي التي تشغله وتملأ عليه فراغ نفسه، ولكنه بحمل رسالة الإسلام سيقود البشرية إلى ما هو أرفع وأكمل، فالإيمان يهب الإنسان رفعة الهدف، وضخامة الاهتمام، وشمول النظرة، ونحن إن كنا مؤمنين حقًّا لكُنا فوق الأمم؛ {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139].

 

ثم لا بد من دراسة العلوم الشرعية؛ كالفقه، والحديث، وغيرها، وكذلك العلوم الحياتية التي تحتاجها الأمة ولا تستقيم الحياة بدونها، وهي على سبيل فرض الكفاية، ومتابعة كل جديد فيها، فالحياة في تطور دائم، والحاجات تتجدد وتختلف من عصر إلى عصر.

 

وبجانب هذا؛ لا بد من أن يكون للمسلمين هيبة وقوة يُرْهبون بها أعداء الإسلام، فلا يفكرون في الاعتداء على دار الإسلام، ولا في الوقوف في وجه تبليغ الناس دعوةَ الحق والنور، فينبغي على أمة الإسلام أن تستعدَّ بما في وسعها وطاقتها واستطاعتها لإعداد هذه القوة، على اختلاف صنوفها، وألوانها، وأسبابها؛ {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60].

 

ولكن - وحتى تؤتي التربية ثمارها - لا بد من تضافر العلم مع العمل؛ حتى يثمر هذا تغييرًا في السلوك، فالعناية في تحصيل العلوم الشرعية والعقلية والتعمق فيها، دون عناية بالتطبيق العملي، يؤدي إلى جفاف الروح، وفقدان التقوى، ونسيان الآخرة، ومجلس الذكر إن لم يهيج الرغبة في الخير، فلا خير فيه، فسمة الإسلام هي الوَحْدة بين الشعور والسلوك، بين العقيدة والعمل، بين الإيمان القلبي والإحسان العملي، بذلك تستحيل العقيدة منهجًا للحياة كلها، وبذلك تتوحد الشخصية الإنسانية بكل نشاطها واتجاهاتها، وبذلك يستحق المؤمن هذا العطاء كله؛ {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112]، والمطابقة بين القول والفعل، وبين العقيدة والسلوك ليست مع هذا أمرًا هينًا، ولا طريقًا معبدًا، إنها في حاجة إلى رياضة، وجهد، ومحاولة، وإلى صلة بالله، واستمداد منه، واستعانة بهديه، فملابسات الحياة، وضروراتها، واضطراراتها كثيرًا ما تنأى بالفرد في واقعه عما يعتقده في ضميره، أو عما يدعو إليه غيره.

 

إن عملية التربية التي ذكرنا - سواء أكانت فردية أم جماعية - لا بد لها من خطة شاملة ومدروسة، ومنهاج تربوي صائب وحكيم، يراعي التدرج وترتيب الخطوات، تتوحد فيه جهود العلماء والمربين، والموجهين والقادة في وفاق وتآلف، وتتطابق فيه أهدافهم، وتتكامل أفكارهم وأدوارهم، وتكون نياتهم وغاياتهم خالصة في سبيل الله، وبما يتفق مع روح الرسالة الإسلامية.

 

ولا بد بجانب هذا المنهج الصائب وإخلاص النيات لله، من صفات يتحلى بها هؤلاء العلماء والمربُّون، ومن مقومات تؤهلهم للتربية، وإلا فإن جميع الجهود والطاقات سوف تذهب سدى وتبوء بالفشل، فمن المقومات التي ينبغي أن تكون فيمن يقوم على التربية والإصلاح والإرشاد – بعد إخلاص النية لله -: نظافة العقل، وطهارة القلب، وأن تكون لديه حكمة في التعامل مع كل فرد على حدة، والصبر عليه، وأن يولي اهتمامًا أكبر لمن تبدو عليه علامات النجابة والذكاء والشخصية القيادية، فهؤلاء هم الذين ينبغي إعدادهم ليكونوا قادة التغيير؛ حتى يُحْدثوا التغيير المنشود في الأمة، وأنا أتفق مع الأستاذ الفاضل محمد قطب عندما قال: "ليس كل إنسان طيبِ الخصال قادرًا على القيادة ولا الزعامة، ولا مطالبًا بها كذلك؛.

 

فهي أصلاً موهبة لدنية، تصقلها التجارب، وتزيدها مضاء وقدرة، ولكنها لا تنشئها حيث لا تكون"، وهذا يوجه خاصة لمن يربي تربية فردية؛ كالأب، والمعلم، والشيخ في الدرس، وأمثالهم، وقد كان الشيخ عبدالقادر الجيلاني حكيمًا في هذه النقطة، فقد قام أسلوبه في التدريس والتربية على مراعاة استعدادات كل طالب والصبر عليه، وكان ينتدب النابهين من تلاميذه وأتباعه، الذين تبدو عليهم شارات النضج الفكري والروحي، للمشاركة في النشاط القائم، أو يوجهون للعمل على نشر هذا النشاط في مناطقَ أخرى، وهو بذلك يكون قد جمع بين التربية الفردية والجماعية في نفس الآن، فالتربية الجماعية لا تعني أن تُلغى شخصية الفرد ومقوماته، وإنما تثير فيه الرغبة في خدمة الجماعة بما آتاه الله من مواهبَ وطاقاتٍ، والجماعة في نفس الوقت تكون كافلة لهذا الفرد، والتربية الفردية - كما يقول الأستاذ محمد قطب -: "وحدها لا تنشئ كيانًا سويًّا للإنسان؛ لأن هناك جوانبَ من النفس البشرية لا تنضج ولا تعمل إلا في داخل جماعة، فإذا لم يلتقِ الإنسان بالجماعة، أو لم يتعود التعامل معها، فستظل هذه الجوانب كامنة معطلة، غير مدربة على العمل، فتنكمش وتتضاءل".

 

وفي نفس السياق يقول الأستاذ فتحي يكَن:

"إن العملية التربوية يجب أن تبدأ بعد كشف الحالة التي عليها الفرد؛ لمعرفة: أفكاره وكيف يفكر، تصرفاته وكيف يتصرف، علاقاته ومن يعاشر، مشاكله ومسبباتها، ميوله وغرائزه ومدى تحكمه فيها، نقاط القوة والضعف عنده، مكامن الخير والشر فيه، بعد ذلك يمكن تحديد المنهج موضوعًا وكيفية، وكل عملية تربوية تتم خلاف ذلك، لا تحقق إلا تراكمات جديدة في شخصية الفرد، قد تصيب حينًا، ولكنها تكون فاشلة في غالب الأحيان؛ لأن الجديد بُني على اعوجاج القديم.

 

وفي معظم الأحيان يعود الفشل في الحقل التربوي إلى الأمور التالية:

1- أن المربي لم يستكشف شخصية الفرد، ومفردات تكوينه السابقة؛ ليبني على أساسها.

 

2- أن المربي لا يملك المقومات التي تساعد على التربية؛ كأن يكون – كما ذكر الأستاذ محمد قطب –: حسن الإعطاء، غير مُنَفِّر، ولديه القدرة على القيادة، والمتابعة، والتوجيه المستمر، وأن تكون شخصيته أكبر من شخصية المتلقي، وغيرها مما ذكرنا آنفًا.

 

3- أن المادة التربوية لم يحسن اختيارها، فتفعل بالتالي مفعولها.

 

4- أن بناء الجديد كان في الفراغ، أو على أساس غير سليم، أو فوق تراكمات لم يجر رفعها وإزالتها".

 

إن من الأمثلة التي تنطبق على ما ذكره الأستاذ فتحي يكن: أن يسيء الأب تربيةَ ولده، وقد ذكر الإمام ابن القيم: "أن أكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قِبل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه"، ففي مثل هذه الحالة يحتاج الأمر إلى أن تتولى جهة أخرى تربيته، فينبغي على هذه الجهة أن تستكشف شخصية هذا الفرد، وما هو عليه؛ حتى تعرف كيف تتعامل معه، وكيف تكون تربيته، كما كان يفعل الشيخ عبدالقادر مع طلابه كما ذكرنا.

 

وأما العلماء، فالمسؤولية الملقاة على عاتقهم كبيرة، فالأمة بحاجة إلى علماء فقهاء، يفقهون تزكية النفوس، وصياغة العقول، وتوحيد الجهود، ويفقهون قوانين بناء وانهيار المجتمعات، وقوانين التغيير، لا خطباء يدغدغون المشاعر والعواطف، ويَدَعُون الأمة تتلهى بالأماني دون أن تفقه كيف تجابه التحديات التي تواجهها؛ يقول ابن مسعود – رضي الله عنه -: "في آخر الزمان يكثر الخطباء، ويقلُّ الفقهاء".

 

إن دور العلماء في تنشئة الجيل المسلم، حتى تبرز من بين صفوفه قياداتٌ ناضجة، تكون قياداتِ التغيير المنشود، ودورهم في توجيه هذه القيادات، فكرية كانت أم سياسية، أم عسكرية، أم اقتصادية - دورٌ مهم وخطير، ومع أن الخلفاء الراشدين كانوا علماء فقهاء، إلا أنهم لم يستغنوا عن مشاورة العلماء في بعض الوقائع، وكذلك كان لدى نور الدين زنكي مجلس دوري، يلتقي فيه القادة والعسكريون مع العلماء المختصين، حيث يحتل العلماء المنزلة الأولى فيه.

 

فلو كان العلماء على ما يجب أن يكونوا عليه، من الإخلاص، والتجرُّد، والفَهْم، واحتلُّوا المكانة الأولى في التوجيه؛ لإصلاح المجتمع، وانتظمت الحياة.

 

إننا ننشد من وراء خطة الإعداد والتربية هذه إنشاءَ جيل جديد، جيل صحوة صحيحة، راسخ العقيدة، نظيف العقل، طاهر القلب، نيِّر الفكر، تبرز من بين صفوفه قيادات ناضجة حكيمة في شتى مجالات الحياة، تُخْلص نيَّاتها لله، وتنشر دعوة الحق، وتنتصر لدين الله، لا لأنفسها ولأهوائها، وآرائها ورغباتها، تكون قيادات التغيير المنشود، الذين يقرُّون في الأرض المنهج، ويقودون البشرية إلى ما هو أرفع وأكمل، ويحملون راية الإسلام، فما العز إلا بها، والمنهج الذي خرَّج الجيل الأول من الجماعة المسلمة، وجعل منها أمة تقود البشرية، تلك القيادة الحكيمة الراشدة، على استعداد لتخريج أجيال وقيادات على مدار الزمان، لو رجعت الأمة المسلمة إلى نفس المَعِين الذي استقت منه تلك الجماعة، ولو آمنت حقًّا بهذا القرآن، ولو جعلته منهجًا للحياة، لا كلمات تُغَنَّى باللسان لتطريب الآذان.

 

ونور الدين زنكي مثال من أمثلة قيادات التغيير الناضجة في الجانب السياسي والعسكري، تربى تربية إسلامية، وكان تقيًّا ورعًا، حتى عدَّه المؤرخون سادس الخلفاء الراشدين، وكان محدثًا، عارفًا بمذهب أبي حنيفة، وكذلك كان رجاله ومعاونوه، وقادة جيوشه - ومنهم صلاح الدين الأيوبي - على نفس المستوى من العلم والأخلاق.

 

وقد تميزت إدارة نور الدين بمهارات فائقة في التخطيط، والتنظيم، والتنفيذ، مما أهَّل الأمة لمجابهة التحديات التي تواجهها في الداخل والخارج، كاعتماد مبدأ الشورى، وتبادل الآراء بمشاركة العلماء والفقهاء في كل أمور الدولة، وعدم الانفراد باتخاذ القرارات، وكانت هناك صلات وثيقة بينه في دمشق، وبين الشيخ عبدالقادر الجيلاني في بغداد، وهذا من فطنة وذكاء وحكمة نور الدين، في تقديره ضرورة توحيد الجهود والطاقات، والقيادات الفكرية والسياسية، لمواجهة التحديات التي كانت تجابه العالمَ الإسلامي في ذلك الوقت.

 

ومما ميَّز إدارةَ نور الدين كذلك: التفاني في أداء الواجب بتعاونٍ وتآخٍ، والزهدُ والتعفف وبذل المال في الصالح العام، وغلبةُ المصلحة العامة على المصالح الشخصية، فقد كان نور الدين ومعاونوه يعالجون المشاكل التي قد تثور بينهم بما يتفق مع المصلحة العامة، وبما تقتضيه وحدة الكلمة، وتغليب جانب الأخلاق الإسلامية.

 

وكان نور الدين يتقبل النقد بصدر رحب، وينظر في كلام الناقدين، فإذا رأى فيه ما ينفع، سارع إلى الأخذ به، وكان حريصًا على العدل، وعلى ألا يُظلم أحد من الرعية، أو يتعرض للأذى أو الضغط، وعلى تنمية روح العزة، والشعور بالكرامة عند أبناء الأمة، وكفالة حرية الرأي، فاعتمد بدل القسر على منطق الشرع والعقل، قال ابن الأثير: "ومن عدله أنه لم يعاقب على المظِنَّة والتُّهَمة؛ بل يطلب الشهود على المتهم، فإن قامت عليه بيِّنة شرعية، عاقبه العقوبة الشرعية من غير تعدٍّ، فدفع الله - تعالى - بهذا الفعل عن الناس من الشر ما يوجد في غير ولايته، من شدة السياسة، والمبالغة في العقوبة، والأخذ بالظنَّة، وأمنت البلاد مع سعتها، وقلَّ المفسدون؛ ببركة العدل، واتباع الشريعة المطهرة".

 

وعلى هذه السيرة الحسنة الصالحة، سار صلاح الدين الأيوبي، وعلى نفس المستوى من العلم والورع والكفاءة، كان رجاله، فصلاح الدين ما كان ليصنع شيئًا وحده، فتُوجت جهودهم بإخلاصهم لله، وبأخذهم بالأسباب، بأن حرَّروا القدس والمسجد الأقصى، وكان جيش صلاح الدين يتقدمه جميع القيادات، ويضم الأمراء والعلماء والفقهاء، فهل عرفتم الطريق التي يجب أن تسلكوها لتحرير الأقصى اليوم، يا مَن تنادون صباح مساء: قم يا صلاح الدين! فصلاح الدين لم يكن يبتسم، ويقول: وكيف أبتسم والأقصى يئنُّ جريحًا في الأسر؟! كان همُّ تحرير الأقصى متأصلاً في وجدانه، ويشغل باله وتفكيره، أما نحن، فكم منا من يتذكر الأقصى، والآلام والجراحات التي تصيب أمَّته عند أكله وشربه ونومه، أو يجلس مع نفسه يتفكر في حال هذه الأمة اليوم؟!

 

كم منا من يعيش مع همِّ أمَّته وما يصيبها من أحزان، ولا ينفعل مع الأحداث انفعالات لحظية، ثم ما تلبث أن تذهب أدراج الرياح مع هدوء العاصفة، وتصبح الوقائع شيئًا طبيعيًّا اعتاد سماعه من وسائل الإعلام، وهكذا الحياة تسير، ويسير هو مع هذه الحياة؟!

 

لا بد من أن نعيد حساباتنا، فليس الأمر بالأماني، وإنما بالجهد والعمل، والبذل والتضحية في سبيل الله، باتباع شرع الله، والتربية وتطهير العقول، وإصلاح القلوب، وجمع الكلمة، وتوحيد الصفوف، ونبذ العنصرية والعصبية المقيتة، وتكامل الجهود والطاقات والقيادات، وإعداد العدة.

 

إن هذا بعض مما ميز قيادةَ نور الدين زنكي، وجعله أهلاً لمنصب القيادة، فالقائد لا بد له من ميزات وصفات تؤهله ليتبوأ مركز القيادة، ولا ينبغي أن يترشح لهذا المكان من ليست فيه هذه الصفات، فالذي لا يكون قدوة لفريقه، في الدين والعلم والخلق، ولا يتمتع بالذكاء والحكمة، ورجاحة العقل والتواضع، ولا يستطيع أن يجعل فريق العمل كأنهم على قلب رجل واحد، وغاياتهم خالصة لله، وهدفهم الوصول للحق، وليس انتصار كل لرأيه وفكرته - ليس أهلاً لأن يكون قائدًا.

 

والذي يُعَزِّز فردية العمل داخل الجماعة، ولا يحرص على توحيد جهود الأفراد في فريق العمل، وتكامل أدوارهم وأفكارهم، واستثمار طاقاتهم، واستخراج أحسن ما لديهم، والتنسيق بينهم وبين الفرق والجماعات الأخرى - لا ينبغي أن يكون في منصب القيادة؛ فالقائد - كما قلنا - لا بد له من مقومات خاصة تؤهله لأن يستلم مركز القيادة، وكما رأينا كان نور الدين وصلاح الدين مثالينِ رائعين للقيادة الحكيمة الناضجة، وتاريخ الأمة الإسلامية مليء بنماذجَ مشرقةٍ كالشمس من القيادات الناضجة، وكلهم كان يتأسى بالقائد والمربي الأول – عليه وآله أزكى الصلاة والسلام – وكلهم كانوا قادة وأمراء، ولكن في ذل لله؛ لينشروا دعوة الإسلام.

 

فيا الله، عونًا في طريق الدعوة، آمين، والحمد لله رب العالمين.

_________________________________________________

الكاتب: لبنى شرف