من دروس الهجرة : المسجد والسوق والعلاقة بينهما

محمد سيد حسين عبد الواحد

للهجرة دروس كثيرة وفيها فوائد غزيرة لكني أقتصر على درس واحد منها فقط وهو أن الهجرة صنعت من المؤمن (إنسانا متوازنا قويا)

  • التصنيفات: السيرة النبوية -


أيها الإخوة الكرام: ونحن على أعتاب عام هجري جديد أود أن أذكر نفسي وأذكر الناس بدرس مستفاد من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام من أم القرى مكة إلي المدينة المنورة..

وفي مستهل هذا اللقاء أود أن أقول :
قد يكون السبب في هجرة رسول الله من مكة وهى ( قبلة الأنبياء وهى أرض الحرم وهى أم القرى) قد يكون سبب الخروج من أم القرى أن أهلها كانوا ظالمين خنقوا دعوة الإسلام فيها حتى كادت الدعوة أن تلفظ آخر أنفاسها لولا أن الله تعالى أذن بالهجرة فأنقذها..

وقد يكون سبب الهجرة أن أهل مكة مارسوا حروبا نفسية وجسدية واجتماعية واقتصادية حبسوا بها النبي وحبسوا الإسلام وحبسوا المسلمين بين شعاب مكة وبين الوديان..

وقد يكون سبب الهجرة أن دعوة الإسلام دعوة عالمية لا تستهدف أهل مكة وحدهم وإنما تستهدف الناس أجمعين (أهل الشرق وأهل الغرب وأهل الشمال وأهل الجنوب) على اختلاف ألسنتهم وألوانهم فكان لابد من الخروج من مكة حتى ولو كان أهلها مصلحون ذلك أن الله تعالى قال لنبيه عليه الصلاة والسلام ( {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} )

قلت: فأيما كان سبب الهجرة فإن رسول الله قد هاجر, وأيما كانت الغاية من وراء الهجرة فقد كانت الهجرة بمثابة قبلة حياة للإسلام والمسلمين, فلولا الهجرة لما سمعنا عن إسلام ولا عن مسلمين..

والآن أعود إلى ما وعدتكم به..(الدرس المستفاد من الهجرة)
للهجرة دروس كثيرة وفيها فوائد غزيرة لكني أقتصر على درس واحد منها فقط وهو أن الهجرة صنعت من المؤمن (إنسانا متوازنا قويا) 

كيف ذلك؟
عندما وصل رسول الله المدينة واجتمع حوله المسلمون مهاجرون وأنصار أسس رسول الله يومها لبناء إنسان مؤمن معتدل قوي, لا يُغلّب دنياه على أخراه ولا يترهبن وينسى دنياه.. جاء ذلك واضحا في أول قرارات اتخذها رسول الله بعد الهجرة مباشرة وهي (بناء مسجد وإقامة سوق) 

(بناء مسجد وإقامة سوق) قرار مفاده: أن يوازن المؤمن بين دينه ودنياه..
(بناء مسجد وإقامة سوق) قرار مفاده: أن يبتغ المؤمن فيما آتاه الله الدار الآخرة من غير أن ينس نصيبه من الدنيا..   
(بناء مسجد وإقامة سوق) قرار مفاده: أن يعمل المؤمن لدنياه وكأنه لن يموت, ويعمل لآخرته وكأنه غدا سيموت..

أما المسجد: فهو مسجد النبي محمد صلي الله عليه وسلم وأما السوق: فهو سوق ( المناخة ) وهو أكبر سوق بالمدينة..
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: " « لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَ لِلْمَدِينَةِ سُوقًا أَتَى سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، ثُمَّ جَاءَ سُوقَ الْمَدِينَةِ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: «هَذَا سُوقُكُمْ، فَلَا يُضَيَّقُ، وَلَا يُؤْخَذُ فِيهِ خَرَاجٌ» »

علة بناء المسجد:
 بناء مؤمن قوي في علاقته بربه, قوي في علاقته بإخوانه المسلمين, فالمسجد هو محل العبادة ولا شيء غير العبادة, والمسجد هو المكان الوحيد على وجه الأرض الذي تزول فيها الفوارق بين المؤمن وبين أخيه المؤمن, فلا يقال في المسجد أبيض وأسود, ولا يقال في المسجد عربي وعجمي, ولا يقال فقراء وأغنياء, فالتواضع في المسجد والمساواة في المسجد والرحمة في المسجد والألفة في المسجد, وأقوى ما يكون المؤمن متصلا بربه في المسجد .. من هنا كان أول قرار اتخذه رسول الله بعد الهجرة بناء المسجد.

أما علة إقامة السوق:
فكانت بناء مؤمن قوي غني, يعمل بيديه, ويتاجر, ويتكسب, ويحترف, ويبيع, ويشتري, ويستغني بما رزقه الله عن سؤال الناس, وينفع نفسه ودينه وغيره بما أعطاه الله قَالَ النبي عليه الصلاة والسلام: « «مَا كَسَبَ الرَّجُلُ كَسْبًا أَطْيَبَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَمَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ، فَهُوَ صَدَقَةٌ» »  

بناء مسجد وإقامة سوق أراها دعوة من رسول الله لكل مؤمن أن يوازن بين دينه ودنياه, بناء مسجد وإقامة سوق تعني فيما أرى ضرورة أن يوازن المؤمن بين العمل للدنيا وبين العمل للآخرة من هنا كان قرار النبي بعد هجرته ببناء مسجد وإقامة سوق...     

نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يصلح لنا ديننا وأن يصلح لنا دنيانا وأن يصلح لنا آخرتنا إنه ولي ذلك والقادر عليه..

الخطبة الثانية 
بقي لنا في ختام الحديث عن دلالة بناء المسجد وإقامة السوق كأول قرارات النبي عليه الصلاة والسلام بعد الهجرة.. 
بقي لنا أن نقول: إن المؤمن لا يكفيه أن يكون قويا في دينه فقط, إن المؤمن لا يكفيه أن يكون على الحق فقط إذ أنه لابد للحق من قوة تحميه, فالحق بلا قوة لا يظهر والحق بلا قوة يقهر..
 
محمد صلي الله عليه وسلم كان نبيا وإيمان النبي في كلمة واحده هو في أعلى وأرقى الدرجات, وهو على الحق ولا شك , لكن بلا قوة مادية بلا قوة علمية بلا قوة حجة, بلا أنصار, لن يستطيع النبي أن يخطو خطوة..

من هنا قال قوم شعيب لشعيب ( {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} ) وقال قوم هود لهود {(مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} )

من هنا شد الله أزر نبيه محمدا صلي الله عليه وسلم بقوة الأنصار فقال:( {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} ) وقال ( {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ) 

وكما شد الله أزر نبيه بقوة أنصاره شد الله أزره أيضا بقوة الحجة فقال ( {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} )

وكما شد الله أزر نبيه بقوة الأنصار وبقوة الحجة شد الله أزره أيضا بقوة المال (مال خديجة ومال أبي بكر وعمر وأموال الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين) 

في إشارة واضحة العنوان إلى أهل الإيمان وإلى أهل الحق أن ابتغوا لإيمانك قوة تحميه قال الله تعالى لخير القرون ( أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم ) ( {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} ) 

نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يوسع أرزاقنا وأن يبارك في أموالنا وأولادنا إنه ولي ذلك ومولاه...