المقال الخامس ..

خالد سعد النجار

رجل تصدق بصدقة (مرة واحدة) فأخفاها  ..ورجل ذكر الله (مرة واحدة) فيها خاليا ففاضت عيناه .. ورجل دعته امرأة (مرة واحدة) ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله .

  • التصنيفات: الحديث وعلومه -

بسم الله الرحمن الرحيم

كنوز نبوية (5)

 

** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَادِلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فِي خَلَاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَرَجُلٌ كَانَ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا فِي الْمَسْجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ»  [الترمذي وغيره]

مما يلفت الانتباه في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، أن الله حجز ثلاثة مقاعد منهم لأصحاب اللحظة الواحدة، رغم أن أربعة منهم أعمال دائمة على مدى حياة الشخص كالإمام العادل، أو الرجل الذي قلبه معلق بالمساجد، أو نشأة شاب في طاعة الله، أو الرجلين الذين تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، أعمال تحتاج الوقت والجهد قبل الصدق على مدار عمر الإنسان .

لكن أن تدرك ظل الرحمن بلحظة واحدة !

ثلاثة أماكن لأصحاب لحظات الصدق من أصل سبعة

رجل تصدق بصدقة (مرة واحدة) فأخفاها  ..ورجل ذكر الله (مرة واحدة) فيها خاليا ففاضت عيناه .. ورجل دعته امرأة (مرة واحدة) ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله .

صدق اللحظات له ثمنه عند الله، فانتبه للحظات عمرك وخواطرك ..

يقول أبو سليمان الداراني: طوبى لمن صحت له خطوة (واحدة) لم يرد بها إلا وجه الله تعالى .

 

** عن عبد الله بن الحارث -رضي الله عنه- قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « (لو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم، أنا حظكم من النبيين، وأنتم حظي من الأمم) » [حسن، صحيح الجامع: 5308]

(عبد اللّه بن الحارث) صحابي سكن مصر قال: دخل عمر على النبي صلى اللّه عليه وسلم بكتاب فيه مواضع من التوراة فقال: هذه كنت أصبتها مع رجل من أهل الكتاب فقال: فاعرضها عليَّ فعرضها فتغير وجهه تغيراً شديداً ثم ذكره. ‌

(لو نزل موسى)  بن عمران من السماء إلى الدنيا (فاتبعتموه وتركتموني لضللتم) أي لعدلتم عن الاستقامة لأن شرعي ناسخ لشرعه. 

قال الراغب: الضلال العدول عن الاستقامة ويضاده الهداية (أنا حظكم من النبيين، وأنتم حظي من الأمم) قد وجه اللّه تعالى وجوهكم لاتباعي، ووجهني إلى دعائكم إليه.

أجرى ذلك على لسانه إشعاراً بما فيه من الخير والوصول إلى اللّه من أنه نبي البشرى، ويكون ذلك أكظم لمن أبى اتباعه.

وقال غيره: هذا لا يوجب على تقدير نزول موسى زوال النبي -صلى اللّه عليه وسلم- ولا انتقاله عن الرسالة، لأنه لو نزل نزل على نبوته ورسالته وتكون الشريعة شريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم كما كانت في عصر إبراهيم لإبراهيم دون لوط وفي زمن عيسى له دون يحيى، فالمعنى أنه لو كان في زمني لكان عليكم اتباعي فإن تركتم ما أمرتم به ضللتم وخسرتم. 

 

** روى أبو داود عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ « أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَحَلَ إِلَى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ بِمِصْرَ [أي أميرا] فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ آتِكَ زَائِرًا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ أَنَا وَأَنْتَ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ كَذَا وَكَذَا .. قَالَ فَمَا لِي أَرَاكَ شَعِثًا [غير مترجل] وَأَنْتَ أَمِيرُ الْأَرْضِ؟ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْإِرْفَاهِ [التوسع والتنعم وكثرة الاشتغال بتحسين الجسد، وبتحسين الشعر] قَالَ فَمَا لِي لَا أَرَى عَلَيْكَ حِذَاءً؟ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِيَ أَحْيَانًا» [صححه الألباني]

والمطلوب هو أن يكون بين بين أي: وسطاً بحيث لا يكون تاركاً بالمرة، ولا متوسعاً مبالغاً، وإنما يكون معتدلاً، ولهذا قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن كثير من الإرفاه) يعني: عن التنعم كثيراً أو التوسع كثيراً، ولم ينههم عن الترجل وعن تحسين الهيئة، وإنما الذي نهاهم عنه هو التوسع في ذلك، ولهذا قال: (عن كثير من الإرفاه) ولم يقل: نهانا عن الإرفاه، وهذا معناه أن يكون هناك توسط، وأن يكون هناك اعتدال.

وهذا فيه إشارة إلى الانتعال والاحتفاء، وأن هذا ليس هو ديدنه وليست هذه هي طريقته، وإنما وافق أنه كان على هذه الحالة في هذا الحين من الأحيان الذي كان يحتفي فيه امتثالاً لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو من جنس الذي قبله، فالحديث الذي قبله فيه عدم توسع، وهنا كذلك فيه عدم توسع.

لكن إذا كانت الأرض فيها أمور تقتضي الانتعال فإن الإنسان ينتعل، فإذا كانت الأرض مثلاً فيها زجاج أو فيها حديد أو كان فيها حجارة أو شوك، أو رمضاء في شدة حرارة الشمس فإن الإنسان يجعل هذه الوقاية التي أنعم الله تعالى بها عليه وهي استعمال النعال

ولكن كونه يترك النعال في بعض الأحيان هذا هو الذي جاء في هذا الحديث عن فضالة بن عبيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنه كان يأمرهم بالاحتفاء أحياناً، وذلك حتى لا يحصل هناك تنعم زائد ومغالاة فيه وإنما يحصل شيء من الخشونة والبذاذة، ولكن لا يكون ذلك دائماً وأبداً، وإنما يكون في بعض الأحيان.

 

** روى الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «(ليأتين على الناس زمان قلوبهم قلوب الأعاجم، حب الدنيا، سنتهم سنة الأعراب، ما أتاهم من رزق جعلوه في الحيوان، يرون الجهاد ضررا، والزكاة مغرما)» [الصحيحة:3357]

قوله (قلوبهم قلوب الأعاجم) وإنما شبه قلوبهم بقلوب الأعاجم لقلة فقههم في الدين، وانحرافهم عن المروءات، وتخلقهم بأخلاق الأعاجم، وشدة ميلهم إلى مشابهتهم حتى في الزي الظاهر.

وقيل: قلوبهم بعيدة من الخلاق مملوءة من الرياء والنفاق

وقوله (ما أتاهم من رزق جعلوه في الحيوان) الحيوان مبالغة في الحياة، قال تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت64]

كما قيل للموت الكثير موتان، فقال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( «يَا عَوْفُ اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيي السَّاعَةِ: مَوْتِى ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ» [داء يأخذ الغنم فتموت فجأة، وهو طاعون عمواس]

وقوله (مغرما) أي يشق عليهم أداؤها، بحيث يعدون إخراجها غرامة يغرمونها ومصيبة يصابونها

جمع وترتيب

د/ خالد سعد النجار

[email protected]