علم النفس من النبع الصافي

فهد بن عبد العزيز الشويرخ

العلم أقسامه كثيرة، وأجلُّ العلوم، وأفضلها، وأزكاها، وأشرفها: العلم بالله عز وجل، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، فبه يعبد المسلم ربه على علم وبصيرة، وبه تستقيم القلوب، وتزكو الأخلاق، وتصح الأعمال، وبه يسعد الإنسان في دنياه وآخرته.

  • التصنيفات: تزكية النفس - - ثقافة ومعرفة -

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فالعلم أقسامه كثيرة، وأجلُّ العلوم، وأفضلها، وأزكاها، وأشرفها: العلم بالله عز وجل، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، فبه يعبد المسلم ربه على علم وبصيرة، وبه تستقيم القلوب، وتزكو الأخلاق، وتصح الأعمال، وبه يسعد الإنسان في دنياه وآخرته.

 

وهذا العلم أصل كل علم، وما سواه من العلوم إما أن يكون وسيلة إلى خير، وإما أن يكون وسيلة إلى شر، ومن العلوم التي هي وسيلة إلى خير: علم الطب، فهو من أفضل العلوم، قال الإمام الشافعي رحمه الله: لا أعلم علمًا بعد الحلال والحرام أنبل من الطب، إلا أن أهل الكتاب قد غلبونا عليه.

 

وعلم الطب قسمان: طب أبدان، وطب نفوس، وإذا كان علم طب الأبدان مهم؛ لأنه وسيلة لعلاج الأجساد من أمراضها الحسية، فإن علم طب النفوس مهم كذلك؛ لأنه وسيلة لعلاج النفوس من أدوائها النفسية، فالأمراض النفسية لها آثار ضارة على المُصاب بها، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: وهل العذاب إلا عذاب القلب، وأي عذاب أشدُّ من الخوف، والهم، والحزن، وضيق الصدر، وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: ليس في الحقيقة العذاب ألم البدن فقط، أنا عندي وعند كُل الناس أن العذاب المهين هو ألمُ القلب والنفس، هذا أشدُّ وأعظمُ، فالعذاب العظيم في الحقيقية هو عذاب القلب.

 

فعلم طب النفوس علم مهم، وفي عصرنا هذا تزداد أهميته، نتيجة لزيادة كثرة المصابين بالأمراض النفسية، وتنوُّع وتعدُّد الأمراض النفسية.

 

الأمراض النفسية تكثر وتنتشر كلما ابتعد الإنسان عن أحكام الإسلام وآدابه، ولهذا تنتشر هذه الأمراض وتكثُر عند الكفار، ومن سار على دربهم، واقتفى أثرهم، يقول العلامة عبدالرحمن البراك: بقدر بُعد الناس عن شرع الله تعالى يكون شقاؤهم، وبقدر تمسُّكهم بشرع الله تكون سعادتهم.

 

ورغم كثرة وتنوع مدارس ونظريات علم النفس عند الكفار، فلم تنجح في علاج مرضاهم من عللهم وأمراضهم النفسية، فأعداد مرضاهم النفسيين في ازدياد، وأمراضهم النفسية تتكاثر وتتنوع، يقول الدكتور محمد عثمان نجاتي: قد بذلت جهود كبيرة في ميدان العلاج النفسي للإفراد الذين يعانون من اضطرابات الشخصية والأمراض النفسية، وظهرت في هذا الميدان أسالب مختلفة للعلاج النفسي، غير أنها جميعًا لم تحقق النجاح المرجو في القضاء على الأمراض النفسية أو الوقاية منها، ويقول الدكتور محمد عبدالفتاح المهدي: ومع ذلك لم تثمر جهودهم إلا زيادة في أعداد المرضى النفسيين، وتقول الدكتورة طريفة بنت سعود الشويعر في رسالتها العلمية:

"الإيمان بالقضاء والقدر وأثره على القلق النفسي": لقد تفشت الأمراض النفسية في هذا العصر، حتى كادت أن تصبح الصفة الغالبة لأبنائه، بحيث أصبح اضطراب النفس وتوترها يسيطر على كثير من مظاهر سلوكها... وهناك كثير من الدراسات والأرقام التي تطالعنا بها الدراسات المختلفة عن العديد من الأمراض النفسية... ولو تساءلنا عن ماهية الدلالة المنطقية لكل هذه المظاهر... رغم الاعتماد على العديد من الوسائل العلاجية المتبعة، سواء كانت هذه الوسائل تحليلًا نفسيًّا، أم علاجًا بالكيمياء، أو عن طريق العقاقير، أو غيرها، ولو استعرضنا أهم الاتجاهات الحديثة في علاج الاضطرابات النفسية، لاستخلصنا حقيقة مهمة، وهي أن الأمراض النفسية تتكاثر أشكالها يومًا بعد يوم، وهذا مما يدلنا على عدم كفاية وسائل العلاج الحديث.

 

ورغم كل هذا، ومع النتائج السلبية لنظريات ومدارس علم النفس الغربي، فقد نقلت إلى العالم الإسلامي، يقول الدكتور عبدالله بن ناصر الصبيح: نعم كان علم النفس في العالم العربي وكيلًا فرعيًّا لعلم النفس الغربي، وما نُشر منه كان إما ترجمة للتراث النفس الغربي، أو تأليفًا، لكنه ضمن أُطر علم النفس الغربي ومبني على أصوله، ويقول الدكتور محمد عثمان نجاتي: إن علم النفس الذي يدرس الآن في الجامعات العربية والإسلامية، إنما هو مستمد من الغرب.

 

وعندما نقلت تلك النظريات إلى بلاد المسلمين بحذافيرها، كانت النتيجة أنها لم تثمر في علاج الأمراض النفسية للمسلمين، ولذلك فنجن بحاجة إلى إعادة النظر فيها، ليس بإدخال تعديلات عليها، بل إعادة صياغتها من جديد من النبع الصافي، من نصوص القرآن الكريم وأحاديث السنة النبوية، ومن أقوال علماء سلف هذه الأمة، ففيها كنوز نادرة لمن بحث عنها، يقول أستاذ علم النفس الدكتور صالح بن إبراهيم الصنيع: يحتوي التراث الإسلامي على ثروة علمية في كثير من المجالات، وتحتاج هذه الثروة إلى جهود من العلماء المسلمين لإبرازها، والاستفادة منها في وقتنا الحاضر، والعلوم الإنسانية بشكل عام، وعلم النفس بشكل خاص، بحاجة ماسة للاستفادة من هذه الثروة في مجال اختصاصها.

 

ويقول الدكتور سهل بن رفاع بن سهيل العتيبي: نصيحتي لعلماء النفس من المسلمين أن يأخذوا من المصدر الأصيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يتطرق إليه شك، كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم الاستشهاد بأقوال وفَهْم العلماء الربانيين من سلف هذه الأمة الصالح، فهذا هو الطريق الصحيح لمن أراد إخراج علم نفس ينطلق من المنهج الشرعي.

 

إن الإنسان مهما بلغ من علم وذكاء ونبوغ ومواهب وقدرات، لن يستطيع بتلك الأدوات وحدها معرفة نفسه، وإيجاد حلول لمشاكلها، وذلك لجهل الإنسان بحقيقة نفسه، فالله جل جلاله خالق هذا الإنسان هو العالم به، يقول الدكتور ناصر بن عبدالله بن ناصر التركي: لا بد لمن يتصدى لوضع هذا المنهج أن يكون عالِمًا بحقيقة الإنسان، وليس هناك سوى الله؛ لأنه خالقه، وهو أعلم به؛ قال الله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، ويقول الأستاذ/ خليل محمد خليل في كتابه:" النفس البشرية كما تحدث عنها القرآن": النفس مخلوق عجيب، وكائن غريب، بما ركب فيها من ملكات متنوعة، وغرائز شتى، لا يقدر على علاجها وإصلاحها، وتقويمها، وإشباع رغباتها، إلا من خلقها: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].

 

فمن رام علاجًا للأمراض النفسية، فعليه بالرجوع إلى كتاب رب العالمين: القرآن الكريم، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم إلى كتب أهل العلم، الذين تكلموا عن النفس، وأمراضها، وعلاج تلك الأمراض، ومن العلماء الذين لهم كلام نافع في ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله، فمما ذكره في بعض كتبه:

• أن النفوس ثلاثة أقسام: سماوية علوية، وسبعية غضبية، وحيوانية شهوانية، وأن الملائكة أولياء لأصحاب النفوس السماوية العلوية، وأن الشياطين أولياء لأصحاب النفوس السبعية الغضبية، وأن النفوس الشريفة تعشق صفات الكمال.

• تكلم عن النفس المطمئنة، والنفس اللوامة، والنفس الأمارة بالسوء.

• تكلم عن مجاهدة النفس، وأن ذلك يُذهب أخلاقها المذمومة.

• تكلم عن الهم والحزن والخوف وأثرها على النفس، وأسباب دفعها أدوية لإزالتها.

• تكلم عن أسباب شرح الصدر، وذكر أن أشرح الناس صدرًا، أتبعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

• تكلم عن الحياة الطيبة.

• ذكر أن الأدوية الروحانية لها تأثير في دفع العلل، وحصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية، وأن القرآن شفاء لكل الأدواء، وأن الدعاء والإلحاح فيه من أنفع الأدوية.

 

وقد تكلم عن ذلك بإسهاب في كتبه التالية: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، طريق الهجرتين وباب السعادتين، الداء والدواء، الفوائد، الروح، مفتاح دار السعادة، الكلام على مسألة السماع، زاد المعاد في هدى خير العباد، التبيان في أيمان القرآن، روضة المحبين ونزهة المشتاقين.

 

ومن العلماء الذين تكلموا عن النفس البشرية، الإمام ابن حزم رحمه الله، فله كلام جيد عن ذلك في كتابه "مداوة النفوس وتهذيب الأخلاق والزهد في الرذائل"، وللحافظ ابن الجوزي رحمه الله كلام عن مجاهدة النفس، ومحاسبتها في كتابه "ذم الهوى"، وكتاب "صيد الخاطر".

 

وإذا ما شمر المتخصصون في علم النفس من المسلمين عن سواعدهم، وبذلوا الجهد والوقت، ورجعوا إلى الآيات والأحاديث التي تحدثت عن النفس وهي كثيرة، ورجعوا إلى ذكره أهل العلم الربانيين حول معانيها وتفسيرها وشرحها، ورجعوا إلى كلام أهل العلم عن النفس وعللها وطرق علاجها، فسوف يجدون فيها ما ينير لهم الدربَ في وضع أسس لعلم نفس مستقى من النبع الصافي، ومن استقى من هذا النبع الصافي، فسوف يجد فيه العلاج الشافي لجميع الأمراض النفسية.

 

اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا.