أصحاب القرية

وردت قصة أصحاب القرية في سورة يس، والقرية هي أنطاكية، والدعاة المبشرون هم رسل عيسى عليه السلام؛ قال الله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ} [يس: 13]..

  • التصنيفات: التفسير - قصص الأمم السابقة -

وردت قصة أصحاب القرية في سورة يس، والقرية هي أنطاكية، والدعاة المبشرون هم رسل عيسى عليه السلام؛ قال الله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ} [يس: 13]، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يتمثل بهؤلاء الرسل الذين أتوا هذه القرية للدعوة فيها، وهداية أهلها إلى التوحيد، فكان مصيرهم التكذيب، وأسوأ مما رأيت من قريش من العداوة والتكذيب، وهذا الخطاب تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وضرب للأمثال له للصبر والتأسي، وأنه ليس أول داعية يجد هذا الصد والجحود من الناس؛ فليس الأمر سهلًا مع المعاندين وأهل المصالح الخاصة، الذين عشش الشيطان في عقولهم وسكن قلوبهم، واستغلوا عمى القلوب؛ ليحققوا زعامة مصطنعة تحقِّق لهم مكاسب مادية؛ فهؤلاء لا يمكن أن يستجيبوا للدعوة، بل هم عقبة أمام الدعوة.

 

{إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ} [يس: 14]، كانا رسولين من قِبَل عيسى عليه السلام، والضمير راجع إلى الله، فالله هو المرسل لهما؛ لأن عيسى أرسلهما بوحي من الله، فكان أصل الإرسال من الله تعالى، والرسولان هما - كما ورد - يوحنا وشمعون، فما كان مصيرهما؟ {فَكَذَّبُوهُمَا} [يس: 14] كذبهما أهل أنطاكية، بل ضربوهما وسجنوهما، ولكي تصل الدعوة إلى الناس بعد سجن الرسولين وكتم صوتهما، {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [يس: 14]؛ أي: أردفهما الله بثالث، وزوده بأسلوب في الدعوة مغايرٍ عن الرسولين السابقين بما يتناسب مع ظرف البلد، فاستمرت مسيرة التبليغ بهذا التعزيز ولم تنقطع، واسم الثالث بولس، {فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} [يس: 14]، فكما بلغهما الرسولان من قبل بأنهما مرسلان، قال الثالث: إني إليكم مرسل، فكانت لغة الثلاثة واحدة لأهل القرية، فكان جواب القرية على هؤلاء الرسل، أو بالأحرى المتنفذين في القرية وهم الملأ، {قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} [يس: 15]، فكان الصد الأول: بأنكم بشر مثلنا، فمن أين لكم هذه الميزة علينا بأنكم رُسل الله؟ وكأن هؤلاء المتنفذين يريدون منهم أن يكونوا ملائكة، أو من نوع آخر مختلفين عنهم، وهذا تفكير خاطئ، وقد قال غيرهم من الأمم مثل هذا الكلام، تشابهت قلوبهم، {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} [الفرقان: 7، 8].

 

{وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} [يس: 15]، وهكذا كذبوا الرسل من غير علم ومعرفة، وإنما أوحى لهم شيطانهم بهذا، مع أنهم قدموا البراهين الصادقة على دعوتهم، وأنهم لا يطلبون منهم أجرًا على ذلك، فكان جواب الرسل: {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} [يس: 16] ردًّا على تكذيبهم بأنهم أشهدوا اللهَ على ما يقولون، {وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [يس: 17]، نحن كُلِّفنا بالبلاغ، فقبِلْنا هذا التكليف؛ لأنه من الله، فعلينا أن نبلغكم هذه الدعوة ونُنذِركم ونحذركم بأن ما أنتم عليه من الكفر يؤدي بكم إلى النار، {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يس: 18]، فكان الرد سفهًا وتهديدًا بالرجم أو التعذيب، وحذروهم من الإقامة بينهم؛ لأنهم تطيروا منهم وتشاءموا من مقامهم في بلدهم، وعليهم أن يخرجوا من ديارهم، فكان الرد من الرسل: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} [يس: 19]، إنْ حلَّ فيكم الشؤم فليس منا، وإنما هو منكم؛ بسبب ما تحملون من فكر إلحادي وضلال بعيد عن التوحيد، {أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [يس: 19]، أكلُّ هذا الادعاء بالتطير والتهديد بالرجم والتعذيب لأننا دعوناكم إلى الله وذكرناكم بوجوب الإيمان وأن المؤمن سينال كل الخير في الدنيا والجنان في الآخرة؟ وإن أردتم العيش في الظلام مع الكفر فإن أيامكم ستكون مثل ظلام ليلكم، وإن مردكم بعد ذلك إلى النار، وبإعراضكم تعدون من المسرفين المفرِّطين بحق أنفسكم، فلم تراعوا لها حقوقًا أو صونًا من الأذى والتعذيب، وفي خضم النقاش والجدال بين الحق والباطل دخل مؤمن؛ ليصبحوا أربعة من المؤمنين: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس: 20]، ورد أن اسم هذا الرجل المؤمن هو حبيب النجار، فقد أتى مسرعًا ليقدم نصحه إلى أهل القرية - أنطاكية - بأن هؤلاء الدعاة على حق، وقولهم صدق، فاتبعوهم تسلموا، {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [يس: 21]، هؤلاء المتطوعون أتوا لهدايتكم وتقديم النصح والخير لكم بلا مقابل، {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 22].

 

إن هؤلاء الرسل يدعونكم إلى الإيمان بالذي خلقكم، وهل هذا عيب؟ إنهم لا يدعونكم لعبادة أي كان، يدعونكم لعبادة خالقكم، فهل هذه الدعوة منكرة؟ إذا لم تعبدوا الذي خلقكم فمن تعبدون إذًا؟ فالدعوة الواضحة التي لا ريب فيها هي الدعوة لعبادة الخالق، والاعتراف بقدرته ووحدانيته، وأنا لا مانع عندي أن أعبد الذي خلقني، بل هذا واجبي؛ لأن المرجع والمآب إلى الله، فيجازي الناس إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر، ثم فسر لهم العبودية المطلوبة للخالق، وإذا صرفتها لغير الخالق فمن سينجيني من الله إن أرادني بضر؟ وهذا يتطلب منا التفكير السليم لنكون من المؤمنين بالله، {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} [يس: 23]، فهذه الآلهة المزعومة لا تردُّ عنا أذى، ولا تستطيع لنا شفاعة لإنقاذنا من العذاب، إن فعلت هذا واتخذت آلهة من دون الله فهذا الخطأ الكبير، {إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} [يس: 24، 25]، وهكذا كان حبيب النجار في غاية من البيان والفصاحة والبلاغة، ثم أعلن أمامهم الإيمان بالله ربهم وخالقهم؛ لعله يكون قدوتهم فيتابعونه على هذا السبيل، ويكون قد أدى واجب الدعوة، وفاز بالثواب الكبير لهدايتهم وإنقاذهم من الضلال، ولكن قومه أشقياء لم يؤثر فيهم النصح، ووضعوا كل هذه الأقوال خلف ظهورهم، وقالوا له: إن كنت تؤمن بما تقول فاذهب إلى الجنة وحدك، {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} [يس: 26]، فكانوا شرَّ خَلْق الله عندما أقدموا على قتل هذه الداعية، فقتلوه مستهزئين وهم يقولون: بقتلنا لك - كما تدعي - تدخل الجنة، فها نحن قتلناك، فادخل الجنة عند زعمك، فدخل الجنة، ولما رآها قال: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس: 26، 27]، وهذا القول من حبه لقومه رغم إيذائهم له وقتله، لكنه تمنى لو يعلمون مصيره لآمنوا ولنالوا ما نال من الجنان، فتمنى صادقًا أن يبلغَهم مصيره، ولكن هيهات لمن كذبوا الرسل وقتلوا أهل الإيمان وغلف الرانُ قلوبَهم أن يُهدَوْا إلى الحق، بل إنهم استحقوا بفعلهم هذا نقمة الله وعذابه، {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} [يس: 28، 29]، فكان هذا مصيرهم؛ أنْ سلَّط الله عليهم جندًا من السماء وملائكة العذاب، فكانت منهم صيحة مزلزلة مجلجلة قوية، صرعتهم وأنهت شرهم، ونجَّى الله رسله من بينهم، وعلى إثر ذلك قال الرسل والدعاة متحسرين على أهل التفكير الخاطئ الذي يجر عليهم الويلات والعذاب: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [يس: 30].

الآيات من سورة يس 13 - 30.

 

قيل: إن أنطاكية كانت من المدن التي قبِلت دعوة الحواريين المرسلين من قِبل عيسى، ولا يعقل أن المقصود بهذه القرية أنطاكية، أقول: إن صح هذا فهناك واحد من احتمالين:

♦ إما أنها أنطاكية، ولكن في غير عصر عيسى، وهؤلاء المرسلون كانوا رسلًا من الله، وأنها دمرت بسبب الجحود، ثم عمرت بعد دهر من الزمان، وقبِلت فيما بعد رسالة عيسى بلا تردد.

 

♦ وإما أنها غير أنطاكية، لكنها قريبة منها، أو في منطقتها، فأخذت اسمها، وتمضي القصة كما وردت بأن هؤلاء هم رُسل عيسى عليه السلام.

____________________________________________
الكاتب: د. محمد منير الجنباز