أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ

خالد سعد النجار

فما كان مبتغىً به وجه الله ومن جيد المال فسوف يكفر به السيئات ويرفع به الدرجات، وما كان رديئاً ونذيراً لغير الله تعالى فإن أهله ظالمون

  • التصنيفات: التفسير - التقوى وحب الله -

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى في سورة البقرة:

{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (269) وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270) }

{{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ} } الأمثال تجلي المعنى وتبهج السامع خاصة كلما كانت أكثر تركيبا {{ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ}} خالصا له وحده لا رياء فيه ولا سمعة {{وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ}} تحقيقاً وتَيَقناً بمثوبة الله تعالى لهم على إنفاقهم في سبيله، قال الشعبي، وقتادة، والسُّدي: معناه «وتيقناً»، أي: إن نفوسهم لها بصائر متأكدة، فهي تثبتهم على الإنفاق.

** وقيل: أنهم يثبتون من أنفسهم على الإيمان بهذا العمل الذي هو إخراج المال الذي هو عديل الروح في سبيل الله ابتغاء رضاً، فإنفاق المال من أعظم ما ترسخ به الطاعة في النفس، لأن المال ليس أمرا هينا على النفس وشاق عليها، فهم يعملون لتثبيت النفس على الإيمان، وما ترجو من الله بهذا العمل الصعب، لأنها إذا ثبتت على الأمر الصعب انقادت وذلت له.

** هذا مثل الذي مصدر نفقته عن الإخلاص والصدق فإن ابتغاء مرضاته سبحانه هو الإخلاص والتثبيت من النفس هو الصدق في البذل فإن المنفق يعترضه عند إنفاقه آفتان إن نجا منهما كان مثله ما ذكره في هذه الآية إحداهما طلبه بنفقته محمدة أو ثناء أو غرضا من أغراضه الدنيوية وهذا حال أكثر المنفقين والآفة الثانية ضعف نفسه وتقاعسها وترددها هل يفعل أم لا فالآفة الأولى تزول بابتغاء مرضاة الله والآفة الثانية تزول بالتثبيت فإن تثبيت النفس تشجيعها وتقويتها والإقدام بها على البذل وهذا هو صدقها وطلب مرضاة الله إرادة وجهه وحده وهذا إخلاصها فإذا كان مصدر الإنفاق عن ذلك كان مثله كجنة

** قال الفخر الرازي: تقرر في الحكمة الخِلقية أن تكرر الأفعال هو الذي يوجب حصول الملكة الفاضلة في النفس، بحيث تنساق عقب حصولها إلى الكمالات باختيارها، وبلا كلفة ولا ضجر. فالإيمان يأمر بالصدقة وأفعال البر، والذي يأتي تلك المأمورات يثبت نفسه بأخلاق الإيمان، وعلى هذا الوجه تصير الآية تحريضا على «تكرير الإنفاق»

** قال الزمخشري: فإن قلت: فما معنى التبعيض؟

قلت: معناه أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها {{وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم}}

{{كَمَثَلِ جَنَّةٍ}} المكان من الأرض ذو شجر كثير بحيث يجن -أي يستر- الكائن فيه، وأكثر ما تطلق الجنة في كلامهم على ذات الشجر المثمر المختلف الأصناف، فأما ما كان مغروسا نخيلا بحتا فإنما يسمى «حائطا».

والمشتهر في بلاد العرب من الشجر المثمر غير النخيل هو الكَرْم وثمره العنب أشهر الثمار في بلدهم بعد التمر فقد كان الغالب على بلاد اليمن والطائف.

ومن ثمارهم الرمان، فإن كان النخل معها قيل لها جنة، قال تعالى: {{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ}} [الأنعام:141] والعريش يكون للكرم

{{بِرَبْوَةٍ}} المرتفع من الأرض، وخص الربوة لحسن شجرها وزكاء ثمرها، لأن ريع الرُبا أكثر، ومن السيل والبرد أبعد {{أَصَابَهَا وَابِلٌ}} مطر شديد { {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ}} فأثمرت ضعفين مما أثمرته غيرها من الجنان، أو ضعفين مما كانت تثمره قبلا.

{{فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ}} مطر خفيف، يكفيها لجودة تربتها، وحسن موقعها، فهي لا تمحل أبدا، فالندى والمطر اللين الخفيف كافٍ في سقيها وريها حتى تؤتي ثمارها مضاعفاً مرتين.

والمعنى: إن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين، وذلك أكرم الأرض وطيبها، فلا تنقص ثمرتها بنقصان المطر.

** وقيل: المعنى فإن لم يصبها وابل فيتضاعف ثمرها، وأصابها طل فأخرجت دون ما تخرجه بالوابل، فهي على كل حال لا تخلو من أن تثمر. لأن زرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعاً.

** قال الزمخشري: مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل، فكما أن كل واحد من المطرين يُضعِف أُكل الجنة، فكذلك نفقتهم كثيرة، كانت أو قليلة، بعد أن يطلب بها وجه الله ويبذل فيها الوسع، زاكية عند الله، زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده.

** وقد يكون المعنى: وكذلك الإنسان الجواد البر إن أصابه خير كثير أغدق ووسع في الإنفاق، وإن أصابه خير قليل أنفق بقدره، فخيره دائم، وبره لا ينقطع.

{{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}} فواعد به المنفقين ابتغاء مرضاته وتثبيتاً من أنفسهم بعظم الأجر وحسن المثوبة، وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبدا، بل يتقبله الله ويكثره وينميه.

والله لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد، من رياء وإخلاص، وفيه وعد ووعيد.

{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} استفهام إنكار وتحذير كما في قوله: {{أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً}} [الحجرات:12]، والمعنى على التبعيد والنفي، أي: ما يود أحد ذلك؟ .. أيحب أحدكم أيها المنفقون في غير مرضاة الله تعالى بالرياء والمن والأذى { {أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} } نص على النخيل دون الثمرة، وعلى ثمرة الكَرْم دون الكَرْم، وذلك لأن أعظم منافع الكَرْم هو ثمرته دون أصله، والنخيل كله منافع عظيمة، توازي منفعة ثمرته من خشبه وجريده وليفه وخوصه {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} هذا يدل على أنه فيه أشجار غير النخيل والكَرْم {{وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ} } ريح شديد {فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} فهذا مفاجأة الخيبة في حين رجاء المنفعة .. وهكذا الذي ينفق أمواله رئاء الناس يخسرها كلها في وقت هو أحوج إليها من حاجة الرجل العجوز وأطفاله الصغار، وذلك يوم القيامة.

** روى البخاري عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَوْمًا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ: {{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} } قَالُوا اللَّهُ أَعْلَمُ فَغَضِبَ عُمَرُ فَقَالَ: قُولُوا نَعْلَمُ أَوْ لَا نَعْلَمُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ عُمَرُ: يَا ابْنَ أَخِي قُلْ وَلَا تَحْقِرْ نَفْسَكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ. قَالَ عُمَرُ: أَيُّ عَمَلٍ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِعَمَلٍ. قَالَ عُمَرُ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطَانَ فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَالَهُ.

{{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}} يمتن تعالى على عباده بما يبين لهم من الآيات في العقائد والعبادات والمعاملات والآداب ليتفكروا فيها فيهتدوا على ضوئها إلى كمالهم وسعادتهم.

{{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} } من جيّد أموالكم وأصلحها {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} الحبوب والثمار {وَلاَ تَيَمَّمُواْ} لا تقصدوا {الْخَبِيثَ} الرديء {{مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ}} وأنتم لو أعطيتموه في حق لكم ما كنتم لتقبلوه لولا أنكم تغمضوا وتتساهلون في قبوله، وهذا منه تعالى تأديب لهم وتربية {{وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} } الغني الذي لا يحتاج إلى ما تكثر حاجة غالب الناس إليه، والحميد مبالغة: أي شديد الحمد، شاكر لمن تصدق صدقة طيبة.

أو محمود في الأرض والسماء، وفي الأولى والأخرى، لما أفاض ويفيض من النعم على خلقه، أي فتخلقوا بذلك لأن صفات الله تعالى كمالات، فكونوا أغنياء القلوب عن الشح محمودين على صدقاتكم، ولا تعطوا صدقات تؤذن بالشح ولا تشكرون عليها.

{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} أي بخوفكم منه {وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء} فينفقون أموالهم في الشر والفساد ويبخلون بها في الخير {{وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} } أي الرزق الواسع الحسن {{وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} } واسع الفضل العليم بالخلق

{يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء} الحكمة إتقان العلم وإجراء الفعل على وفق ذلك العلم، فلذلك قيل: نزلت الحكمة على ألسنة العرب، وعقول اليونان، وأيدي الصينيين. وهي مشتقة من الحَكم -وهو المنع- لأنها تمنع صاحبها من الوقوع في الغلط والضلال، قال تعالى: {{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ}} [هود:1] ومنه سميت الحديدة التي في اللجام وتجعل في فم الفرس: حكمة.

** ومن يشاء الله تعالى إيتاءه الحكمة هو الذي يخلقه مستعدا إلى ذلك، من سلامة عقله واعتدال قواه، حتى يكون قابلا لفهم الحقائق منقادا إلى الحق إذا لاح له، لا يصده عن ذلك هوى ولا عصبية ولا مكابرة ولا أنفة، ثم ييسر له ذلك من حضور الدعاة وسلامة البقعة من العتاة، فإذا انضم إلى ذلك توجهه إلى الله بأن يزيد أسبابه تيسيرا ويمنع عنه ما يحجب الفهم فقد كمل له التيسير.

{{وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}} فليطلب العاقل الحكمة قبل طلب الدنيا، هذه تذكرة { {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ}}

قال الفخر الرازي: "نبه على أن الأمر الذي لأجله وجب ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان هو أن وعد الرحمن ترجحه الحكمة والعقل، ووعد الشيطان ترجحه الشهوة والحس من حيث إنهما يأمران بتحصيل اللذة الحاضرة، ولا شك أن حكم الحكمة هو الحكم الصادق المبرأ عن الزيغ، وحكم الحس والشهوة يوقع في البلاء والمحنة. فتعقيب قوله: {{وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً}} [البقرة:268] بقوله: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ} إشارة إلى أن ما وعد به تعالى من المغفرة والفضل من الحكمة، وأن الحكمة كلها من عطاء الله تعالى، وأن الله تعالى يعطيها من يشاء.

{{وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ}} يريد قليلة أو كثيرة من الجيد أو الرديء {{أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ}} فما كان مبتغىً به وجه الله ومن جيد المال فسوف يكفر به السيئات ويرفع به الدرجات، وما كان رديئاً ونذيراً لغير الله تعالى فإن أهله ظالمون وسَيُغْرمون أجر نفقاتهم ونذورهم لغير الله ولا يجدون من يثيبهم على شيء منها لأنهم ظالمون فيها حيث وضعوها في غير موضعها {{وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}}

 

جمع وترتيب

د/ خالد سعد النجار

[email protected]