هَمَسات .. في كلمات .. (4)

سالم محمد

(إن للحسنة ضياء في الوجه ونورا في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق، وان للسيئة سوادا في الوجه وظلمة في القلب ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق)

  • التصنيفات: الزهد والرقائق -

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، فمع الحلقة الرابعة من سلسلة: همسات في كلمات، التي أسال الله أن تكون لبنة في سبيل الإصلاح، وأن تكون من الباقيات الصالحات.

أعدائنا عندما يتسلطون علينا لا بقوتهم فحسب، وإنما أيضا بضعفنا، وضعفنا نابع من بعدنا عن شريعة ربنا، فالمعاصي وتجاوُزُ حدود الله، وللأسف كثير من المجتمعات الإسلامية تسنُّ قوانين تسهِّل المعصية، بل ربما يفرضون المعاصي على الناس بحجة الحرية، أو أي حجة مضحكة أخرى، والمعصية لها ضرر على الفرد والأسرة والمجتمع خصوصاً الإعلان بها، ومن أروع ما قيل عن الطاعة والمعصية: (إن للحسنة ضياء في الوجه ونورا في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق، وان للسيئة سوادا في الوجه وظلمة في القلب ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق) وهو من قول ابن عباس رضي الله عنهما.

-----------------------

هناك من يقدسون الأوطان لدرجة كبيرة، وتعبئ الجيوش الدول الإسلامية - للأسف للشديد- على تقديس التراب والتفاني في خدمته، وتقديس العَلَم والفخر بالقتال في سبيله؛ لذلك حصلت لنا هزائم كثيرة، ونحن إن واجهنا أعدائنا بمقاييس الدنيا فقط تفوَّقوا علينا ولا شك، فهم اكثر منا عدة وعددا، ولو أننا ربَّينا أبنائنا على التفاني والعمل والموت في سبيل رب التراب لكنا أعزة، كما كان سلفنا الصالح، فـ «(من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)» [متفق عليه] .

فتراب وطنك بل والأرض كلها مخلوق مسخر لك لتعبد الله لا لتقدس التراب وتعصي الله به، وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذا المعنى بقوله (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون)، فماذا يساوي وطنك بالنسبة للشمس والقمر، فلا تكن ممن يقدسون صنما ضخماً بحجم بلدهم أو الطبيعة كلها .. ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).

-----------------------

(من أعَظم الخذلان أن يأمر الإنسان غيره بالبر، وينسى نفسه)، وفي ظل وسائل التواصل الاجتماعي كم هم الذين ينشرون الآيات والأحاديث، والحِكَم والمقالات التي يصل طول بعضها إلى أمتار دون أن يقرؤونها فضلا عن العمل بها، وهذا لا بأس به إذا كان في فضائل الأعمال، أو الآداب، وهذا أمر طيب (فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه) كما جاء في الحديث، أما في الواجبات والنواهي فقد جاء الوعيد الشديد في ذلك حيث (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار ، فتنذلق أقتابه ، فيدور بها في النار ، كما يدور الحمار برحاه ، فيطيف به أهل النار ، فيقولون : يا فلان ! ما أصابك ؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ فيقول : بلى ، قد كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه)، ولكن الأكمل أن يكون الآمر بالخير أول الفاعلين له، وفي طليعة العاملين به، وسئل سفيان الثوري رحمه الله: طلب العلم أحب إليك يا أبا عبد الله أو العمل؟ فقال: إنما يراد العلم للعمل، لا تدع طلب العلم للعمل، ولا تدع العمل لطلب العلم.

-----------------------

كل نعمة لا تعينك على طاعة الله فهي نقمة، وكل نعمة تستخدمها في معصية الله فهي وبال على صاحبها، وزوالها خير من بقائها فـ(إن من شُكْرِ الله على النعمة أن تَحْمدَه عليها، وتستعين بها على طاعته، فما شكر الله من استعان بنعمته على معصيته) كما جاء عن سيفان رحمه الله، وعلاج ذلك كله بالتوبة عن ما مضى وإصلاح ما تبقى، فإذا عصيت الله بِنِعَمِهِ -وكلنا ذلك العبد- فما عليك إلا أن (تفعل الخيرات وتترك السيئات فيجعلهن الله لك حسنات كلهن) كما جاء عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، ولا ننسى أن الموت يأتي بغتة، عندها تندم وتقول: {(رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)} .

-----------------------

الثبات على المبدأ يخلق لك العداوات، خصوصاً إذا كنت على الحق، فما أكثر أنصار الباطل وأعداء الحق، والرسول صلى الله عليه وسلم كان من أفضل الناس خَلْقَا وخُلُقاً، وأحسنهم معاشرةً، واكرمهم جانب، وأعذبهم كلاماً وفصاحةً، لكنهم عادوه لما رفض التنازل عن مبادئه، قال تعالى: {(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ )} ، وأمر الله نبيه أن يعلنها صريحة مدوية {(وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ)} ، وما رضي صلى الله عليه وسلم التنازل عن مبادئه أبداً { ( وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)} ،وقال تعالى لنبيه: {(فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم)} ، فهلا اقتدينا به، فإن لكل مجتمع ولكل قانون ولكل دستور خطوط حمراء، والحرية المطلقة وهم من نسج الخيال، ففي العلمانية الغربية يجرمون من يناقش محرقة اليهود بينما من يسب الأنبياء حر طليق.

-----------------------

الحيوان بطبيعته يسعى إلى مصالحه، لدرجة أن الكلاب في الصيف تبحث عن الظل أو الأماكن الندية لترتاح فيها، وهكذا كل عالَم الحيوان، والانسان شرفه الله تعالى وكرمه بالعقل فهو أولى بالهروب من الأذى، والسعي خلف الاطمئنان، وكمال ذلك في الجنة فـ( ملذاتها لا يكدرها أي نوع من التنغيص، ولا يخالطها أي أذى)، وأيضا (ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه)، لذلك فـ(العاقل لا يرى لنفسه ثمنًا إلا الجنة).

-----------------------

ملك الجوارح هو القلب، وصلاح الملك صلاح الرعية، فالعناية بالقلب غاية في الأهمية، والقلب يلين بذكر الله تعالى، وقد يكون (كالحجارة أو أشد قسوة)، كما أنه يضعف ويمرض وقد يموت، وكم من إنسان يلهو ويمرح وقلبه ميت، ومقياس حياة قلبك هو حاله مع كتاب الله وذكره، وعند ذكر الموت، وحضوره في الصلاة، فإذا لم يتحرك قلبك فاعلم أنه ميت أو على الأقل في طريقه إلى الموت، ومن فضل الله يمكنك إحياء قلبك بغيث الوحي فالأمل موجود، والعلاج ميسور ومجاني وباب التوبة مفتوح، فكم من الصحابة من كان قلبه أقسى من الصنم الذي يعبده، فشرح الله صدره بالإسلام، وجعله من خير أمة أخرجت للناس، ورضي الله عنه ورضي عنه، ووعده بالحسنى، وجعله قدوة لغيره.

-----------------------

الملاحظ أن هناك إقبال نوعا ما على القراءة، فهل هذا نذير خير أم شؤم؟ فالحقيقة يختلف بحسب الذي يُقْرَأْ، فالكتاب جليس، والجليس قد يكون جليس صالح أو جليس سوء، فإن كان الثاني أوبق دنياك وآخرتك، فيجب الحذر، فكما أننا نحمي أبناءنا من السموم أن تفتك بأجسادهم، فيجب علينا أن نوحد الجهود لنحميهم من سموم الأفكار من أن تعصف بعقولهم، وتجعلهم في الآخرة من الخاسرين، باختصار نريد جمعيات ومؤسسات لحماية عقولنا كما أن هناك جمعيات ومؤسسات لحماية بطوننا، وهذا يدخل تحت قوله تعالى:(قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة).

وإلى اللقاء في همسات أخريات إن شاء الله تعالى