(1) الصد عن الخير والدعوة إلى الشر

إبراهيم بن محمد الحقيل

مقتضى حكمة العليم الحكيم سبحانه وتعالى في ابتلاء عباده المؤمنين أن جعل على طريق الخير أناسًا يصدّون الناس عنها، ويدعونهم إلى غيرها، كما جعل على طريق الشر دعاة إليها، يرغبون الناس فيها، فمن أطاعهم قذفوه في النار، ومن عصاهم كان من أهل الجنة.

  • التصنيفات: أعمال القلوب - - آفاق الشريعة -

مقتضى حكمة العليم الحكيم سبحانه وتعالى في ابتلاء عباده المؤمنين أن جعل على طريق الخير أناسًا يصدّون الناس عنها، ويدعونهم إلى غيرها، كما جعل على طريق الشر دعاة إليها، يرغبون الناس فيها، فمن أطاعهم قذفوه في النار، ومن عصاهم كان من أهل الجنة.

 

والجماعة التي تصد عن الخير، وتدعو إلى الشر، منها طائفة بينةٌ واضحةٌ، تعلن محادتَها لله تعالى ولشريعته، وتصرّح بدعوتها دون تلوّن ولا التواء، وهي الطائفة الأكثر من ضُلاّل البشر، وهي الأقوى شوكة، والأمضى عزيمة في معسكر الكفر والضلال.

 

والطائفة الأخرى طائِفة هي أقلُّ منها عددًا، وأضعف قوة، ولكنها أشدّ فتكًا وخطرًا من الأولى، رغم قلَّتها وضعفها؛ لأنها خفية لا تبين، ومستترة لا تظهر. 
 

إنها طائفة المنافقين، التي انتدبت نفسها لمهمة خسيسة حقيرة، تجمعُ الرذائل كلَّها من الكفر والجبنِ والكذبِ والغشِّ والخداعِ والفسادِ والإفساد.

 

طائفة تعيش في صفوف المؤمنين، وتأكلُ من زادهم، وتنعم بحمايتهم، وتتبادل المصالح معهم؛ ولكن قلوب أصحابها مع الكافرين، وإخلاصهم لهم، وعملهم من أجلهم.

 

ولخطورة هذه الطائفة على المسلمين؛ فإن القرآن بادر على الفور إلى التحذير منها أشد من تحذيره من الكافرين؛ وذلك لئلا يغتر المؤمنون بظاهر أمرهم، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفار[1].

 

والنفاق في تاريخ المسلمين ابتدأ بعد غزوة بدر، وسيبقى ما بقي صراع بين حق وباطل.

 

ولو نظرنا إلى القرآن لوجدنا أن الآيات المكية لا ذكر للنفاق فيها؛ لأن المشركين ما كانوا يسترون كفرهم، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، لم يكن هناك نفاق في أول الأمر؛ بل كفر ظاهر أو إيمان باطن وظاهر؛ لأنه لم يكن للمسلمين شوكة تخاف، أو قوةٌ تهاب، فلما عزَّ الإسلام، وقويت شوكة المسلمين بعد بدر الكبرى قال عبدالله بن أبي بن سلول وكان على الكفر آنذاك: "هذا أمر قد توجه". فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه في النفاق طوائف من عرب المدينة وأعرابها المجاورين لها، ومن اليهود، فأظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر[2].
 

وصُدِّرت أطول سورة مدنية بذكر صفاتهم، والتحذير من خطرهم بعد ذكر المؤمنين وذكر الكافرين، إنها سورة البقرة، بدأها الله تعالى بذكر المؤمنين في أربع آيات، ثم ثنى بذكر الكفار في آيتين، ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية، وهذا دليل على أن الاهتمام بدفع شرهم أشدُّ من الاهتمام بدفع شر الكفار، كما يدل على أنهم أعظم جرمًا وأشدُّ خطرًا من الكفار[3].

 

إنها طائفةٌ يصعب التعامل معها؛ لأنها تظهر الخير للمسلمين، وتضمرُ الشر لهم، فيشتبه أمرها على كثير من الناس، وينخدع بأفرادها جمهور المسلمين إلا من وفقه الله تعالى لمعرفة حقيقتها.

 

إن المنافقين يتسللون إلى قلوب الغافلين بإظهار النصح للأمة، والتباكي على ما قد يلحقها من أذى ومصيبة، وتدبيج ذلك بلحن القول، وجميل العبارة، وادعاء الخبرة بالأمور، ومعرفة الأحوال، ومن قرأ ما تكتبه أقلامهم، وسمع ما تنطق به ألسنتهم، وهو من أهل الإيمان والفراسة، أيقن أن الشيطان يجري في مداد أقلامهم، ويسري في جنبات أفواههم، وقد أطبق بكليته على قلوبهم.

 

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من منافق عليم اللسان[4]، وأخبر الله تعالى عن المنافقين بأنهم إذا رأيتهم أعجبتك أجسامهم، وإذا قالوا استمعت لأقوالهم.
 

ووالله إن هذا الوصف لينطبق تمام الانطباق على كثير من أهل السوء والشر، الداعين إلى الكفر والفجور، الناشرين للرذيلة والفاحشة، من كتاب الصحف، وضيوف الفضائيات.

 

تراهم فتعجبك أجسامهم، وإذا تكلموا شدك كلامهم، وجذبك أسلوبهم، وسمعت زفراتهم وآهاتهم على واقع الأمة، وليست زفرات على ضعفها وذلها وتأخرها، وإنما هو تباكٍ على بقاء ثلة من أفرادها على دينهم، وظهور شيء من أحكام الشريعة معروفًا فيما بينهم.

 

إنهم يريدون من الأمة أن تنبذ الإسلام وراءها ظهريًّا، وأن تكون ذيلاً لأمة المغضوب عليهم والضالين، ولن يهدأ لهم قرار، ولن تلين لهم عزيمة حتى يدفنوا إسلامنا الذي عرفناه، وتلقيناه جيلاً بعد جيل حتى وصل إلينا نقيًّا محفوظًا؛ ليستبدلوه بإسلام آخر صُنع في معامل أسيادهم رؤوس الكفر والضلال.

 

يقضي هذا الإسلام الجديد على كل مظاهر القوة والعزة التي تميزت بها شخصية المسلم؛ ليحوله إلى حقير ذليل تابع مقلد لغيره، لا هَمَّ له إلا إشباعُ شهواته، واللهاث وراء نزواته.
 

لقد كانوا طيلة عقود مضت يلحون وبإصرار على فصل الدين عن السياسة، وتم فصل الدين عن السياسة فصلاً كاملاً منذ نصف قرن أو أكثر، وصار المبدأ السياسي في العالم مؤسسًا على النفاق الأكبر، أليسوا يقولون في عالم السياسة: لا صداقة دائمة، ولا عداوة دائمة، وإنما هي مصالح مشتركة، تبنى مع القوي مهما كان مذهبه ودينه، وهكذا كان حال المنافقين قبل ظهور السياسات المعاصرة.. منذ أن ظهروا في الإسلام وإلى يومنا هذا، فإن رأوا في المسلمين قوة استتروا بالإسلام، وانقلبوا إلى وعاظ، وإن رأوا في المسلمين ضعفًا انقلبوا عليهم، وانتقدوا شريعتهم، واستمعوا رحمكم الله تعالى إلى قول الله تعالى فيهم، فإنه منطبق عليهم في هذا العصر، يقول – سبحانه -: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ} [النساء: 141]، وفي آية أخرى يقول سبحانه: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} [النساء: 72 - 73]، إنهم مع القوي، ومع المصلحة الآنية، كما تقول السياسة المعاصرة.

 

ولما كان المسلمون ضعفاء في هذا العصر صار المنافقون يتكلمون بلسان العدو؛ بل إنهم يسابقون العدو فيما يريد، لعنهم الله، وكفى المسلمين شرورهم، أعاذنا الله من النفاق والمنافقين.

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله واحذروا النفاق، واستعيذوا بالله من شره، فإن من أمن النفاق أوشك أن يقع فيه، ولقد كان كبار الصحابة رضي الله عنهم يخافونه على أنفسهم، فعمر رضي الله عنه يعزم على حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أن يخبره: "هل سماه النبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين"[5]! وهو فاروق هذه الأمة الذي فرق الله به بين الحق والباطل، وكان عمر إذا قدمت جنـازة ليُصلى عليها رمق حذيفة، فإن صلَّى عليها حذيفةُ صلَّى عمرُ عليها، وإن لم يصلِّ عليها حذيفـة ترك عمر الصلاة عليها[6]؛ لأن حذيفة كان أعـرف الصحابة بالمنافقين، وهو أمين سر الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم.

 

وإذا كان أمر المنافقين قد خفي على بعض كبار الصحابة، وهم مَنْ هم في الفضل والدين والفراسة، فكيف بنا مع ضعفنا وعجزنا؟! أسأل الله أن يتولانا بعفوه ورحمته.

 

أيها المؤمنون: جرت سنة الله تعالى في المنافقين بالإملاء لهم، وإمدادهم في طغيانهم، وإنظارهم إلى حين؛ ولذا فإن نجاحهم في بعض الأزمان والأعمال، ووصولهم إلى ما يريدون ليس نهاية المطاف، ولا هو محل غرابة عند من يقرأ القرآن ويفهمه، وقد قال الله تعالى في شأنهم: {اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15]، وهذا الإمداد لهم، وزيادة طغيانهم، ووصولهم إلى بعض ما يريدون، في حال غفلة من الغافلين؛ ما هو إلا ابتلاء للمؤمنين الصادقين، وتنبيهٌ لهم ليواجهوا باطلهم،ويكشفوا للناس زيفهم. 

ومعركةُ المؤمنين مع النفاق والمنافقين طويلة الأمد، ابتدأت بعد بدر الكبرى، وستبقى ما بقي كفر وإيمان، وحصل للمسلمين من العظائم والمصائب على أيديهم ما لا يخفى. وما تمكنوا من دولة إلا كانوا السبب في سقوطها وفنائها، وسقوط دولة بني العباس التي عاشت قرونًا طوالاً، وامتدت في طول العالم وعرضه ما كان إلا بتدبير من منافقيها، كان يحمل لواء النفاق في تلك المؤامرة الدنيئة ابنُ العلقمي الرافضي.

 

وأخْذُ الصليبيين لبيت المقدس في القرن الخامس الهجري، ما كان إلا بسبب بني عبيد الباطنيين المنافقين.

 

وسقوط الدولة العثمانية التي حكمت أكثر من نصف الأرض ثمانية قرون، ما كان إلا على أيدي يهود الدونمة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، وكادوا المكائد بالرجل المريض حتى قتلوه وقبروه. 
 

وما سُلبت فِلَسطين في القرن الماضي واستحلتها يهود إلا بمعونة المنافقين، وما بقي اليهود فيها أكثر من نصف قرن إلا لأن المنافقين أبعدوا الإسلام عن المعركة، وأداروا الصراع تحت الرايات القومية والوطنية الجاهلية، ومن خلال الأحزاب اليمينية واليسارية العلمانية.

 

فمعركة المسلمين مع النفاق والمنافقين معركة طويلة وشديدة، وتحتاج إلى صبر وثبات وعزيمة، لا يلينها نصرٌ حققوه، أو هدف حصلوه، وما يقتل الأمة مثلُ اليأس والقنوط، فأمِّلوا عباد الله خيرًا، وارجوا خيرًا، وجِدُّوا في خدمة هذا الدين، والذود عن حياضه، والدفاع عن حرماته، وتحلَّوْا في ذلك بالصبر والحكمة والعزيمة، فذلك طريق النصر والفلاح في الدنيا والآخرة.

ألا وصلوا وسلموا على نبينا محمد كما أمركم بذلك ربكم.

 


[1] انظر: تفسير ابن كثير (1/ 74).

[2] المصدر السابق (1/ 74).

[3] "التفسير الكبير" للرازي (2/ 55).

[4] وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: ((أخوف ما أخاف عليكم جدال المنافق عليم اللسان))، وفي لفظ: ((إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان)). أخرجه من حديث عمر رضي الله عنه أحمد (1/ 22)، والبزار (168ـ 169)، وعزاه الهيثمي في الزوائد إلى أبي يعلى وقال: ورجاله موثوقون (1/ 187)، وصححه الألباني في الصحيحة (1013)، ومن حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أخرجه البزار (170)، والطبراني في الكبير (18/ 237)، برقم: (593)، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (1/ 187)، وصححه ابن حبان (80)، وعزاه الألباني في صحيح الجامع للبيهقي وصححه (1556).

[5] تفسير الطبري (11/ 11)، و"البداية والنهاية" (5/ 19).

[6] تفسير ابن كثير (2/ 590)، عند تفسير الآية (84) من سورة التوبة، وذكر أبو عبيد في "غريب الحديث" (2/ 36) أن عمر أراد أن يصلي على جنازة رجل فمرزه حذيفة، كأنه أراد أن يصده عن الصلاة عليها. والمرز هو القرص الرفيق ليس بالأظافر، فإذا اشتد فأوجع فهو قرص؛ كما في "الفائق" للزمخشري (3/ 359)، وذكر ابن كثير في تفسيره (2/ 591) أنه القرص بأطراف الأصابع بلغة أهل اليمامة. وفي "السيرة الحلبية" (3/ 122) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا مات رجل ممن يظن أنه من المنافقين أخذ بيد حذيفة - رضي الله تعالى عنه - فقاده إلى الصلاة عليه، فإن مشى معه حذيفة صلَّى عليه عمرُ رضي الله تعالى عنه، وإن انتزع يده من يده ترك الصلاة عليه.