فرنسا تخوض حرباً صليبية صامتة ضد مسلميها

أشاد المؤرخون النصارى المتأخرون بشارل مارتال واصفين انتصاره بنقطة تحوُّل حاسمة في الكفاح ضد الإسلام، وهو ما مكَّن استمرار النصرانية ديانة لأوروبا، ورأى بعض المؤرخين أن تلك المعركة أوقفت المد الإسلامي في أوروبا.

  • التصنيفات: أحداث عالمية وقضايا سياسية - قضايا إسلامية -

من هو شارل مارتال؟ ولماذا يثير إعجاب منظِّري اليمين الفرنسي المتطرف؟

----------------------------

فرنسا تخوض حرباً صليبية صامتة ضد مسلميها:

يتوهم كثيرٌ من دعاة الحداثة أن الغرب عموماً وفرنسا خصوصاً قد استطاعوا تجاوز القرون الوسطى بحروبها الدينية وتعصُّبها المذهبي، وأن الثورة الفرنسية قد أحدثت القطيعة مع تلك الحقبة الملتصقة بأوروبا النصرانية chrétienne l’ Europe ومع ذلك الإرث القديم وولجت عصر الأنوار.

وها هي الأيام تكشف لنا أن ترسُّبات ما قبل الحداثة ما زالت كامنة في المخيال الجمعي للشعوب الغربية، ولا سيما تلك التي لها علاقة بالإسلام والمسلمين؛ إذ يقع استدعاؤها عند توهُّم خطرٍ مَّا يهدد تلك الدول. ولْنتذكر مواقف بلدان الاتحاد الأوروبي حين قدَّمت تركيا ترشُّحها للانضمام إلى عضويته باعتبار وقوع جزء لا بأس به من فضائها الجغرافي ضمن حدود الاتحاد الأوروبي؛ فكان الردُّ أن الفضاء الأوروبي فضاء حِكْر على النصارى. إنه ردٌّ موتورٌ ينسف منجزات الحداثة والعقلانية ويعرِّي ادعاء المتشدقين بالقيم العلمانية والمبادئ الإنسانية الكونية بزعمهم.

تغيُّر المرجعية:

لقد جعل اليميني الفرنسي المتطرف من شارل مارتال Charles Martel (688م – 740م) بطلاً يخوض باسمه وتحت رايته حروبه ضد ما يسميه بـ (الخطر الإسلامي).

لقد سبق للمتطرفين في فرنسا أن وظَّفوا اسم هذه الشخصية في حربهم ضد المسلمين وتحديداً ضد الجزائريين. عندما قامت مجموعة مسلَّحة تسمَّت باسم شارل مارتال بتفجير قنبلة أمام قنصلية الجزائر بمرسيليا يوم 14 ديسمبر 1973م أسفرت عن مقتل أربعة أشخاص وعن جرح اثنين وعشرين شخصاً. هذه الشخصية أعاد لها الاعتبار صامويل هنتجتون Samuel Huntington في كتابه المثير للجدل (صدام الحضارات)، ثم ها هو مرشح اليمين الفرنسي المتطرف للانتخابات الرئاسية القادمة إريك زمور Eric Zemmour يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن التاريخ المرجعي لفرنسا اليوم لم يَعُد الثورة الفرنسية بقيمها؛ وإنما شارل مارتال، وَفْقَ ما نقل عنه موقع المجلة الثقافية الفرنسية France culture.Fr بتاريخ 28 يناير 2022م بما ترمز إليـه تلك الشـخصية من صـدام عنيف ودموي مع المختلفين عنه في العقيدة واللون والانتماء.

من هو شارل مارتال؟

قد يسأل القارئ الكريم من هو شارل مارتال؟ ولماذا يثير إعجاب منظِّري اليمين الفرنسي المتطرف حتى يجعلوا من تاريخه مرجعية يستندون إليها لمواجهة التحديات التي تعترض الفرنسيين اليوم حسب اعتقادهم؟ الإجابة عن ذلك تقتضي منَّا العودة إلى العصور الوسطى حين ولد شارل سنة 688م وتوفي في 22 أكتوبر سنة 741م، إنه دوق الفرنكيين أو الفرنجة Duc des francs وعمدة القصر le maire du palais دون أن يصبح ملكاً، حكم فرنسا منذ سنة 718م إلى وفاته وقاد عدداً كبيراً من الحملات العسكرية التي جعلت من الفرنكيين أسياداً بلا منازع على منطقة بلاد الغال le Gaule. لقد فرض شارل مارتال اسمه في الكتب التاريخية على أنه أحد الأبطال في تاريخ فرنسا من خلال المعركة الشهيرة معركة بواتييه Poitiers أو معركة تور Tours التي وقعت سنة 732م، وقد تسمَّت بهذين الاسمين لأنها وقعت بين تلكما المدينتين في حين أن المؤرخين المسلمين يسمُّونها معركة بلاط الشهداء، وقد دارت رحاها بين قوات الأمير عبد الرحمن الغافقي أمير قرطبة وقوات الفرنجة les francs بقيادة شارل مارتال، وانتهت بانتصار قوات الفرنجة وانسحاب جيش المسلمين واستشهاد القائد عبد الرحمن الغافقي.

لقد أشاد المؤرخون النصارى المتأخرون بشارل مارتال واصفين انتصاره بنقطة تحوُّل حاسمة في الكفاح ضد الإسلام، وهو ما مكَّن استمرار النصرانية ديانة لأوروبا، ورأى بعض المؤرخين أن تلك المعركة أوقفت المد الإسلامي في أوروبا.

التلاعب بالمخيال الجمعي:

تقدِّم أحزاب اليمين الفرنسي المتطرف ومرشحوها في الانتخابات الرئاسية القادمة نفسها على أنها الحصن الأخير للتصدي للإسلام في فرنسا وفي تغذية متعمَّدة لمشاعر الإسلاموفوبيا، لذلك لا تتورع تلك الأحزاب عن استدعاء التاريخ القديم - القرون الوسطى تحديداً - القائم نظام أفكاره l’ épistémé على الحقيقة الواحدة التي ينبغي لها أن تسود وتُفرَض على الجميع وعلى الصراعات الدينية والمذهبية العنيفة لحسم الاختلاف مهما كان نوعه.

هذه المقاربة حين تُستَرْجَع اليوم فإنها تسقط في المغالطة التاريخية l’ anachronisme المفضوحة التي تتجاهل ما أنجزته البشرية من قطائع معرفية وما نحتته من مبادئ إنسانية كونية تقوم على الحرية والديمقراطية والمواطنة.

فالمسلمون في أوروبا - وفي فرنسا تحديداً - هم مواطنون، لم يأتوا إليها غزاة أو فاتحين؛ وإنما هم هناك لأسـباب اقتصادية واجتماعية اقتضتها بالأساس حاجيـات الدول المسـتعمِرة التي اسـتعمَرت دولهم عقوداً ونهبت ثرواتهم وسرقت خيراتهم وما زالت، وفرضت عليهم وعلى غيرهم من الشعوب الهجرة بحثاً عن حياة كريمة.

الإسلام والمسلمون قرابين!

لقد اكتسب المهاجرون عبر أجيالهم المتعاقبة صفة المواطنة الكاملة، فلهم حقوق كغيرهم وعليهم واجبات، وإنما هم هناك عامل إثراء لثقافات تلك الدول بحكم عراقة مخزونهم الحضاري وغنى تاريخهم الثقافي. إن استدعاء الماضي (القرون الوسطى) لتحقيق مكاسب انتخابية باستثارة المخيال الجمعي المريض بإثارة مشاعر الكراهية ضد المسلمين بدعوى الحفاظ على هوية فرنسا النصرانية، التي - حسب زعمهم - تتعرض إلى تهديد إسلامي يرمي إلى تغيير هويتها. مع تنامي الخطاب الشعبوي... كل ذلك يعمل على جعل المسلمين كبش فداء لإخفاء إخفاقات السياسات المنتهجة، ويصبح المسلم هو القربان الذي يقدَّم لتبرير مشاكل فرنسا الاقتصادية والاجتماعية. يرتبط المتخيل بالطبيعة الشعرية للغة أي بالمجاز والرمز والأسطورة، ثم بالجانب النفسي للإنسان أي برغبته في البحث عن كل ما لا يستطيع إشباعه في نفسه وعقله.

 لقد كان للمتخيل دور في صنع التاريخ، وهنا خطورته، مثلما تثبِتُ ذلك الدراسات الحديثة التي ترى أن التاريخ لا تحركه فقط الأحداث المادية والواقعية؛ وإنما تحركه أيضاً الأحلام التي تصاحب هذه الأحداث عادة أو تسبقها أو تأتي بعدها. فالمتخيل كالصراع الطبقي أو العامل الاقتصادي له أهميته التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار عند الحديث عن حضارات الشعوب وثقافاتها.

إن المتخيل هو عبارة عن العقائد والتصورات والأفكار المسبقة les préjugés وأحياناً الخاطئة التي تعجُّ بها الذاكرة، والتي تم استبطانها في كثير من الأحيان دون تمحيصها وفي غفلة من كل رقابة للعقل عليها.

هذا المتخيَّل المشحون بالأخيلة والصور الموروثة والقيم يظل قابلاً للاستثارة والتوظيف في لحظات الصراع الحضاري فيظهر على السطح وينكشف غثُّه وسمينه من خلال ردود الفعل المتشنجة في أحيان كثيرة، وهذا ما يراهن عليه اليمين المتطرف في فرنسا.

 _____________________________________________
الكاتب: 
 . عبدالباقي خليفة