رمضان.. بين العادة والعبادة

إن من أعظمِ الحرمان: إهمالُ أعمالِ القلوبِ في الصيامِ من صدقٍ وتزكيةٍ وصفاءٍ واحتساب، أو عملُ أعمالٍ تؤثرُ في منارةِ الصومِ وجمالِها

  • التصنيفات: فقه العبادات - أعمال القلوب -

في مجلسٍ علميٍّ منْ مَجَالِسِ كِبَارِ العُلَمَاءِ وَسَادَتِهِم، وَمُذَاكَرَةٍ عِلْمِيّةٍ التقَى فِيهَا صحابيانِ جليلانِ من صحابةِ رسولِ اللهِ اختارهُمَا عليهِ الصلاةُ والسلامُ نوابًا عنهُ في يمنِ الحكمةِ والإيمان، سألَ مُعاذٌ صاحبَه أبا موسى الأشعري عنْ حالِه معَ القرآنِ فقال: "يا عبدَ الله، كيفَ تقرأُ القرآن؟ قال: أَتَفَوّقُه تَفَوّقًا، قال: فكيفَ تقرأُ أنتَ يا معاذُ؟ قال: أنامُ أولَ الليل، فأقومُ وقدْ قضيتُ جزئي منَ النوم، فأقرأُ ما كتبَ اللهُ لي، فأحتسبُ نومتي كما أحتسبُ قومتي" [أخرجَه الإمامُ البخاريُّ في صحيحِه].

مُنذُ أنْ جَرَى علينا قلمُ التكليفِ ونحنُ نرددُ تذكيرًا لأنفسِنا وإخوانِنا في كلِ رمضانَ بـقولِه عليه الصلاة والسلام: " «منْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدمَ من ذنبِه» " فهلْ فَقِهْنا معنى الاحتسابِ الذي هُو مناطُ الهباتِ الربانيةِ في رمضان؟

إنَّ طريقَ التخرجِ منْ مدرسةِ رمضانَ بأعظمِ المراتب، وأسنى الدرجاتِ هو بالإيمانِ واليقين، وبالاحتسابِ: طالبًا الثوابَ من اللهِ -تعالى- يصومُه على معنى الرغبةِ في ثوابِه كما يقولُ الخطابيُّ: طيبةً نفسُه بذلك غيرَ مُستثقلٍ لصيامِه، ولا مستطيلٍ لأيامِه.

ثمَّ أخي الصائمُ فُكَّ عنك قيودَ العادات، واكْسِرْ إِلفَ الطباع، واتخذْ من سيرةِ معاذ "إني أحتسبُ نومتي كما أحتسبُ قومتي" منهجًا تصفو فيهِ لكَ الحياة، وتصفو أنتَ للحياة، وبهِ تلحقُ بركبِ نبيِّك -صلى اللهُ عليهِ وسلّم- الذي كانت حياتُه كلُّها لله: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الأنعام: 162].

 أخي الصائم: بالاحتسابِ يصفو لكَ الصيامُ منْ أكدارِ العادة، ولنْ يتمَ لكَ الاحتسابُ حتى تلقيَ عنكَ ذلكَ الحجابَ الذي يحولُ بينَك وبينَ الاحتساب، وهوَ عدمُ إدراكِ مقاصدِ الصيامِ على حقيقتِها، وبِهِ افترقَ الصائمون إلى عُبّادٍ وعوّاد، وبِهِ تشعبَ الصيامُ إلى صومِ عادةٍ وصومِ عبادة.

إنَّ معرفةَ مقاصدِ الصيامِ لا يعني أنْ تجردَ الكتبَ الطوال، وتنقطعَ عن الناس، وتتركَ ما أحلَّ الله.

إنَّ مقاصدَ الصيامِ تتجلى في مثلِ قولِه -صلى اللهُ عليه وسلمَ- كما أخرجَه البخاريُّ في صحيحِه مرفوعًا: " «مَن لم يدعْ قولَ الزورِ والعملَ بِه فليسَ للهِ حاجةٌ في أن يدعَ طعامَه وشرابَه» ".

وفي موعظةِ عمرَ بنِ الخطابِ كما في مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ أنَّه قال: "ليسَ الصيامُ منَ الطعامِ والشرابِ وحدَه، ولكنه من الكذب، والباطل، واللغو، والحلف".
 وفي مثلِ قولِ جابرِ رضيَ اللهُ عنه: "إذا صمتَ، فليصمْ سمعُك وبصرُك ولسانُك عنِ الكذبِ والمحارم، ودعْ أذى الجارِ وليكنْ عليكَ وقارٌ وسكينةٌ يومَ صومِك، ولا تجعلْ يومَ صومِك ويومَ فطرِك سواء".

وقولِ أبي العالية: "الصَّائِمُ فِي عِبَادَةٍ مَا لَمْ يَغْتَبْ أَحَدًا، وَإِنْ كَانَ نَائِمًا عَلَى فِرَاشِهِ".
 إنها نصوصٌ مقاصديةٌ إيمانيةٌ تنبعُ من بحرِ الوحيِ النبوي: "منْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا" تجعلُ الصائمَ الصادقَ يحرصُ عليها، ويحافظُ على صيامِه كما يحافظُ على مالِه وزيادة.

"أحتسبُ نومتي كما أحتسبُ قومتي"؛ علقْها بقلبِك، وضعْها نصبَ عينِك، ففيها سرُ الأصول، ومقصدُ المقاصد، وزبدةُ العلم: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}[الزمر: 1 - 3].

 وقد قررَ أهلُ العلمِ أنّ الوسائلَ لها أحكامُ المقاصد، ومعلومٌ أن مقصودَ الصيامِ وروحَه هو: كسرُ الشهوةِ وقهرُ الشيطان وتهذيبَ الأخلاق وتحقيقَ التقوى.


 وعليه فإن هذا المقصدَ يعدّ فرقانًا بين عاداتِ سلفِنا في الصيام، وعاداتِنا نحنُ في الصيام؛ أما عاداتُهم هم فقدْ كانتْ عبادةً: "إني لأحتسبُ نومي كما أحتسبُ قومتي"؛ قالَ العلماء: "هذا كَلَامُ فَقِيه، فَإِن الْإِنْسَانَ إِذا نوى بنومِه إِعْطَاءَ بدنِه حَقَّه، والتقوي بذلك على الْعَمَلِ صَار النّومُ كَأَنَّهُ تعبد، وأُثيبَ عَلَيْهِ"(ذكره ابنُ الجوزيُّ في كشفِ المشكل).

فَهُمْ مثلُنا إذن، ينامونَ ويأكلونَ ويرتاحونَ، ولكنْ شتانَ بينَ نومٍ يُرادُ بِه التقوي على الطاعةِ والقيام، وآخر خلا منْ ذلك الاحتساب، فكانَ عادةً من العادات، وشتانَ بينَ منْ فَهمَ مقصودَ الصوم؛ فاكتفى من الأكلِ على ما يُعين على القيام، وآخر أكلَ استجابةً لنداءِ بطنِه فقط، فكانَ أكلُه تخمةً أثقلتْه عنِ القيام؛ فجرتْه إلى النومِ والكسلِ والخمول.

تلكَ الموائدُ الممتدةُ في الإفطارِ برمضانَ بإسرافٍ وخيلاء، ثمَّ أتبعَه التنافسُ على السفرةِ ونشرِها في وسائلِ التواصل؛ أهذا حالُ من فقهَ مقصودَ الصوم؟! وأرادَ بأكلِه التقويَّ على الطاعة؟! أينَ المواساةُ في شهرِ المواساة؟!

قدْ يصورُ أهلُ المنزلِ أكلَهم المبالغَ فيه، وشربَهم المُكاثرَ به، ويتباهونَ به وينشرونَه، وربما جارُهم يتضوعُ جوعًا! أو قريبُهم يأخذُ الصدقات، وهذا منَ المحزناتِ في زمنِنا واللهُ المستعان.

أخيرًا .. إن من أعظمِ الحرمان: إهمالُ أعمالِ القلوبِ في الصيامِ من صدقٍ وتزكيةٍ وصفاءٍ واحتساب، أو عملُ أعمالٍ تؤثرُ في منارةِ الصومِ وجمالِها، ولقد جاءَ في شعبِ الإيمانِ للبيهقيِّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي هريرةَ أن رسولَ اللهِ -صلى اللهُ عليهِ وسلم- قال: "ربَّ قائمٍ حظُّه من القيام: السهر، وربَّ صائمٍ حظُّه من الصيام: الجوعُ والعطش".

________________________________________
الكاتب: د. عبداللطيف البراهيم