من درر العلامة ابن القيم عن المحبة (2)

فهد بن عبد العزيز الشويرخ

فتأمل هذا الموضع وما فيه من الجمع والفرق, فإنه معترك النفس الأمارة والمطمئنة, والمهديُّ من هداه الله.

  • التصنيفات: التقوى وحب الله -

الحب مع الله نوعان:

الحب مع الله...نوعان:  نوع يقدح في أصل التوحيد, وهو شرك.

ونوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة الله, ولا يخرج من الإسلام.

فالأولكمحبة المشركين لأوثانهم وأندادهم

والنوع الثاني: محبة ما زينه الله سبحانه للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث, فيحبها محبة شهوة,...فهذه المحبة ثلاثة أنواع:

فإن أحبها لله توصلاً بها إليه, واستعانةً على مرضاته وطاعته, أُثيب عليها وكانت من قسم الحب, فيثاب عليها, ويلتذُّ بالتمتع بها, وهذا حال أكمل الخلق الذي حُبِّب إليه من الدنيا: النساءُ والطيب, وكانت محبته لهما عوناً على محبة الله وتبليغ رسالاته والقيام بأمره.

وإن أحبها لموافقة طبعه وهواه وإرادته, ولم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه, بل نالها بحكم الميل الطبيعي, كانت من قسم المباحات, ولم يعاقب على ذلك, ولكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه.

وإن كانت هي مقصوده ومراده, وسعيهُ في تحصيلها والظفر بها, وقدَّمها على ما يحبه الله ويرضاه منه كان ظالماً لنفسه متبعاً لهواه.

فالأولى: محبة السابقين.

والثاني: محبة المقتصدين.

والثالثة: محبة الظالمين.

فتأمل هذا الموضع وما فيه من الجمع والفرق, فإنه معترك النفس الأمارة والمطمئنة, والمهديُّ من هداه الله.

                       كتاب " مدارج السالكين في منازل السائرين "

  • منزلة المحبّة:

من منازل {إياك نعبدُ وإياك نستعين} منزلة المحبة. وهي المنزلة التي فيها يتنافس المتنافسون, وإليها شخص العاملون, وإلى علمها شمر السابقون, وعليها تفانى المحبون, وبروح نسيمها تروح العابدون.

هي قوت القلوب, وغذاء الأرواح, وقرة العيون, وهي الحياة التي من حُرمها فهو من جملة الأموات, والنور الذي من فقده ففي بحار الظلمات, والشفاء الذي من عدمه حلَّت بقلبه جميعُ الأسقام, واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كلُّه هموم والآم.

هي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال, التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه.

  • شرف أهل المحبة في الدنيا والآخرة:

تحملُ أثقال السائرين إلى بلادٍ لم يكونوا إلا بشِقِّ الأنفس بالغيها, وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبداً واصليها, وتُبوِّئهم من مقاعد الصدق مقاماتٍ لم يكونوا لولا هي داخليها.

تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة, إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب, وقد قضى الله....أنّ المرء مع من أحب, فيا لها من نعمة على المحبين سابغة!

  • وجوب تقديم محبة الله على محبة النفس والأهل والمال:

العقول تحكم بوجوب تقديم محبة الله على محبة النفس والأهل والمال والولد وكلِّ ما سواه وكلُّ من لم يحكم عقله بهذا فلا تعبأ بعقله فإن العقل والفطرة والشرعة...يدعو إلى محبته بل إلى توحيده في المحبة وإنما جاءت الرسل بتقرير ما في الفطر والعقول

 

  • متابعة الرسول علية الصلاة والسلام في أقواله وأعماله دليل على المحبة:

لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى:  {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه}  [آل عمران:31] فتأخر الخلق كلهم, وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه.

المحبة ثباتها بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أعماله وأقواله وأخلاقه فبحسب هذا الاتِّباع يكون منشأ هذه المحبة وثباتها وقوتها, وبحسب نقصانه يكون نقصانها

ليس الشأن أن تحبّ الله, بل الشأن في أن يحبّك الله, ولا يُحبك إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهراً وباطناً, وصدقته خبراً, وأطعته أمراً, وأجبته دعوةً, وآثرته طوعاً.

  • المجاهدون اشتروا بجهادهم محبة الله عز وجل:

تأخر أكثر المحبين وقام المجاهدون فقيل لهم إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم, فهلُمُّوا إلى بيعة {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم} [التوبة:111]

  • المحب يجد في المحبة ما ينسيه المصائب:

المحب يجد في لذة المحبة ما يُنسيه المصائب, ولا يجد من مسها ما يجد غيره, حتى كأنه قد اكتسى طبيعة ثانية ليست بطبيعة الخلق, بل يقوى سلطانُ المحبة, حتى يلتذّ بكثير من المصائب أعظم من التذاذ الخَلِي بحظوظه وشهواته.  

  • المعطلة أنكروا المحبة فضربت قلوبهم بالقسوة

عند الجهمية والمعطلة. لا يُحَبُّ لذاته ولا يُحِبُّ, فأنكروا حياة القلوب ونعيم الأرواح, وبهجة النفوس, وقرة العيون, وأعلى نعيم الدنيا والآخرة, ولذلك ضربت قلوبهم بالقسوة وضرب دونهم ودون الله حجاب...فلا يعرفونه ولا يحبُّونه.

                              كتاب " الداء والدواء "

  • كلّ محبة لغير الله فهي عذاب على صاحبها:

كل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها...بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه الله بمحبة غيره, فيعذبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة, فإما أن يعذبه بمحبة الأوثان أو الصلبان أو النيران أو المردان أو النسوان أو الأثمان.

  • أنواع المحبة:

ههنا أربعة أنواع من المحبة, يجب التفريق بينها, وإنما ضلّ من ضلّ بعدم التميز بينها: 

أحدها: محبة الله, ولا تكفى وحدها في النجاة من عذابه والفوز بثوابه فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله.

الثاني: محبة ما يحبه الله, وهذه هي التي تدخله في الإسلام, وتُخرجه من الكفر, وأحبُّ الناس إلى الله أقومُهم بهذه المحبة وأشدهم فيها.

الثالث: الحب لله وفيه, وهي من لوازم محبة ما يحب, ولا يستقيم محبة ما يحب إلا بالحب فيه وله.

الرابع: المحبة مع الله, وهي المحبة الشركية, وكل من أحبّ شيئاً مع الله, لا لله ولا من أجله ولا فيه, فقد اتخذه نداً من دون الله, وهذه محبة المشركين.

وبقي قسم خامس: ليس مما نحن فيه, وهو المحبة الطبيعية, وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه, كمحبة العطشان للماء, والجائع للطعام, ومحبة النوم والزوجة والولد, فتلك لا تُذمّ إلا إذا ألهت عن ذكر الله وشغلت محبته, كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ} [المنافقون:9]

لا شيء على الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله, وتنعمه بحبه:

لا شيء على الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله, واشتغاله بذكره, وتنعمه بحبه, وإيثاره لمرضاته, بل لا حياة ولا نعيم ولا سرور لا بهجة إلا بذلك, فعدمه آلم شيء له, وأشده عذاباً عليه, وإنما يغيب الروح عن شهود هذا الألم والعذاب اشتغالها بغيره, واستغرقها في ذلك الغير, فتغيب به عن شهود ما هي فيه من ألم الفوت بفراق أحبَّ شيء إليها وأنفعها لها.

  • أنفع المحبة وأجلها وأعلاها محبة الله جل جلاله:

اعلم أن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة من جلبت القلوب على محبته وفطرت الخليقة على تألهه, وبها قامت الأرض والسماوات, وعليها فطرت المخلوقات, وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله, فإن الإله هو الذي تألهه القلوب بالمحبة والإجلال والتعظيم والذل والخضوع, وتعبدُه, والعبادة لا تصح إلا له وحده, والعبادة هي كمال الحب مع كمال الخضوع والذل, والشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله, والله تعالى يُحب لذاته من جميع الوجوه, وما سواه فإنما يُحب تبعاً لمحبته.

  • محبة كلام الله من علامة محبته:

محبة كلام الله..من علامة محبة الله, وإذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة الله, فانظر إلى محبة القرآن من قلبك, والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم, فإنه من المعلوم من أحب محبوباً كان كلامه وحديثه أحبَّ شيء إليه. قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: " لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله." وكيف يشبع المحِبُّ من كلام محبوبه, وهو غاية مطلوبه.