الانضباط .. وقفات مع سورة النور

سورةُ النور من السور المدنية، وهي تعالج موضوعًا معقدًا هو الانضباطُ في العلاقات الاجتماعية والإدارية، والانقياد للشريعة من خلالها

  • التصنيفات: - آفاق الشريعة -

سورةُ النور من السور المدنية، وهي تعالج موضوعًا معقدًا هو الانضباطُ في العلاقات الاجتماعية والإدارية، والانقياد للشريعة من خلالها، وقد بدأت السورة في علاجها للموضوع بمدخل يعالج نهاية الانحراف الفعلي في الموضوع الذي أرادت أن تجعله صدرَ المواضيع التي تعالج، ثم ثنَّت بعلاجات ما دونه من إشكالات، ثم ثلثَّت بطرق الوقاية، ثم دخلت إلى مواضيع عامة تشير إلى عظمة الله ورقابته وعلمه وسَعته، وعلاقته بعباده الطيبين والخبثاء، ثم جاءت إلى موضوع الطاعة والانقياد للشريعة في سياق آخرَ مشابه، ثم رجعت للموضوع الاجتماعي، ثم ختمت بالطاعة المطلقة والانقياد الكلي للرسول صلى الله عليه وسلم.

 

هذا عن السورة بإجمال، أما عن مواضيعها فيمكن أن ندخل إليها بشيء من التفصيل.

 

بدأت السورة علاج قضية الإفك بالحديث عن مرتكب الفاحشة، وعقوبته، وعدم الرأفة به في تلك العقوبة رجلًا كان أو امرأة، وحتى لا تأخذ أحدًا رأفة بأحد في هذا الحد العظيم، قدمت الزانية على الزاني، ثم ربطت تنفيذ الحد بأصل الإيمان.

 

وبيَّنت أن ممارسة الفاحشة غير مقبولٍ في المجتمع المسلم، وأنه لا يمكن أن يندمجَ بشكل طبيعي مع المسلمين، ولا أن يكون بينهم مجاهرًا معترفًا بممارسته للفاحشة: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } ﴾ [النور: 3].

 

ثم دخلت السورة إلى طرق إثبات هذه الفاحشة، وقدَّمت له بخطورة الاتهام بالزنا من غير بينة، وعقوبة من يتهمون المؤمنين بهذه الفاحشة الخطيرة: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4].

 

ثم أوجدت حلًّا للزوج الذي يتهم زوجه بدون بيِّنة، ولا شهادة من غيره، فأوجدت له ولزوجه حلًّا يضمن له سلامة فراشه وظهره، ويضمن لزوجه سلامة عرضِها من أي اتهام غير صادق يوجَّه إليها.

 

ولأن القرآن يفتح التوبة للعصاة والمذنبين مهما كانت خطورة ذنوبهم، فقد فتح القرآن الفرصة أمام العصاة للتوبة من هذه الأمور في عدة مواقف منها الصريح ومنها الضمني، فمن الصريح: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].

 

{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 5]

 

{يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور: 17].

 

{وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22].

 

ومن الضمني قوله: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [النور: 10].

 

{وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 33].

 

فكلُّ هذه الآيات وغيرها تُشير للمغفرة والرحمة وتفتح الباب أمام العصاة للتوبة والعودة والإنابة.

 

ثم ختمت الآيات هذا المقطع ببراءة المتهمة الرئيسية التي كانت سببَ هذه القضية بشكل صريح وواضح، لكن قبل التصريح بالبراءة مهَّدت لشرح طرق التعامل مع هذا الحديث الذي سمته "إفكًا"، مبينة أن أولئك مهما كانت عظمة جريمتهم من المؤمنين، وأن المستثنى منهم معين إما بالذات أو بالوصف: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11].

 

ومع ذلك فإنه {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ} ، ولَما كان كذلك فلا بد من التعامل معهم كمؤمنين مخطئين، بالإحسان إليهم، وعدم محاسبتهم فالله حسيبهم: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22].

 

وفي ثنايا هذه التذكيرات المهمة بالتعامل مع المخطئين في الاتهام مهدت الآيات لإعلان براءة المتهمين بالبيانات التالية:

1) وجوب حسن الظن بالمؤمنين مهما كان: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور: 12].

 

2) أن هذه الدعاوى - باستثناء حالة اتهام الرجل لزوجه التي تقدم ذكرها - لا تقبل إلا ببينة من أربعة شهداء: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور: 13][1].

 

3) أن الحديث عن هذا الموضوع بدون الشهود غير مقبول لأمرين: الأول أنه بدون النصاب كذب عند الله: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} .

 

4) ولذلك فتكذيبه حتى مع إمكانه هو الواجب: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16].

 

5) أن الحديث في مثل هذه الأمور لا يصدر إلا من راغب في إشاعة الفاحشة في المؤمنين، ومن كان كذلك ينتظره العذاب الشديد في الدنيا بخيبات آماله، وسوء أحواله، وعقوبته البدنية (حد القذف)، وعقوبته الأخروية التشديدية: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19].

 

6) أن الدخول في هذه الموضوعات القذرة اتباع لخطوات الشيطان، وتلك لا تؤدي إلا إلى الهلاك الدنيوي والأخروي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21].

 

7) التذكير بخطورة الافتضاح يوم القيامة؛ وهو تذكير مناسب لمن تستهويهم الرغبة في فضح إخوانهم المؤمنين أمام الناس وهم بُرَآء: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور: 23 - 25].

 

8) التذكير بخصوص الموضوع المطروح وهو حادثة الإفك بمانع ذاتي من صدقها، فالطاهرون يقسم لهم الطاهرات، والطاهرات يقسم لهم الطاهرون، وبالعكس، وقدم القرن مقابل الطيب على ذكر الطيب والطهارة؛ ليكون الختم به مشيرًا إلى اتصاف المبرَّئين به، لتأتي النتيجة مستصحبة هذا المعنى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: 26].

 

9) وهنا يكون الستار قد أُسدل على القضية المطروحة، وقد انتهى من المقدمة الأولى المتعلقة بالحكم النهائي على من ارتكاب الفاحشة، على من اتَّهم بها غيره، وطرق إثباتها.

 

وهنا يدخل القرآن في بيان أسباب الدخول في هذه التفاصيل فيحسم مادتهما:

السبب الأول: هو الاطلاع على العورات، وينظِّم القرآن الأحكام المتعلقة به ويبيِّنها في هذه السورة.

السبب الثاني: التبرج والتعرض للفتنة الجاذبة للعلاقة غير الشرعية بين الحنسين.

السبب الثالث: الكبت الجنسي، والترفع عن الزواج من بعض الناس، والتربح من أجساد الإماء.

 

ففي السبب الأول يبيِّن القرآن أحكام الاطلاع على عورات البيوت على النحو التالي:

1) حرمة البيت، وعدم جواز دخوله بغير إذن أهله، وإعطائهم السلطة المطلقة في الإذن متى شاؤوا.

 

2) منع دخول البيت في حال غياب أهله عنه.

 

3) الإذن بدخول البيت غير المسكون إن كان للإنسان فيه متاع.

 

4) وهناك أحكام اقتضى السياق فصلها عن هذه؛ لأنها بالاستثناء من القاعدة ألصق منها بالقاعدة نفسها، وهي إلى الانضباط أقرب منها إلى عورات البيوت، وهذه الأحكام المفصولة سياقيًّا هي:

5) تنظيم دخول الأطفال والخدم في البيت على أهل البيت؛ ولأن هذا الحكم انضباطي فصل عن أحكام الاسئذان العامة.

 

6) الإذن للقواعد من النساء بالتخفف من الثياب في بيوتهنَّ إن لم يتبرجن بالزينة، مع الترغيب لهنَّ في التعفف.

 

7) رفع الحرج عن الأعمى، والأعرج والمريض، ورفع الحرج في الشركة في الطعام، وهذه الأحكام لاشتراكها مع الانضباط في الجهاد، والانضباط في التمول فصلت عن أحكام الاستئذان الأخرى.

 

وفي السبب الثاني: يبيِّن القرآن الإجراءات الضامنة لعدم الإثارة، وهي:

1) غض البصر من الطرفين: والقرآن أمر بصيغة: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30]، ورغم دخول الإناث في عموم المؤمنين، فقد أفردهنَّ تأكيدًا: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور: 31]، والتبعير بمن إشارة إلى أن الإنسان لا يمكن أن يغضَّ كل بصره[2]، وتأكيدًا لهذا المعنى عقب عليه تعقيبين ألصق الأول بالرجال، وإن كان إلى النساء أيضًا موجهًا، وألصق الثاني بالنساء، وإن كان موجهًا بشكل صريح إلى الجميع:

التعقيب الأول: أثر هذا الغض في زكاة النفس: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30].

 

التعقيب الثاني: الأمر بالتوبة {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].

 

2) حفظ الفرج من الطرفين: وتنويع الخطاب بحسب الإناث والذكور، دليلٌ على أهمية هذا الموضوع، ومعلوم أن ضياع الفرج هو منتهى الغاية المذمومة، وأن البصر هو أولها، فذكر الطرفين ليدخل ما بينهما من لمس، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في قوله: "إن الله كتب على ابن آدم حظَّه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ‌أو ‌يكذبه[3].

 

3) خص القرآن النساء في هذه الآيات بتفاصيل خاصة بهن هي:

أ- جواز إبداء الزينة الظاهرة للأجانب.

 

ب- جواز إبداء الزينة غير الظاهرة للأزواج أولًا، ويدخل فيها كل الزينة، ثم للأقسام المذكورة بعدهم من آباء وأبناء وقرابات قريبة، حتى النساء والأطفال، وفقد ضابط عدم انتباههم لعورات النساء.

 

ج- حرمة إبداء الزينة الخفية لغير المذكورين.

 

د- تحريم وسائل إظهار الزينة الخفية وإبطال الحيل المؤدية إليها.

 

وفي السبب الثالث: بيَّن القرآن علاج الكبت العاطفي وفق الإجراءات التالية:

1) توفير النكاح حتى من الرقيق.

2) عدم جعل الفقر حاجزًا دون الزواج.

3) أمر المعدمين بالاستعفاف إلى أن يجدوا غناءً.

4) الإذن للأرِقَّاء الراغبين في الكتابة بالمكاتبة، إن ظهرت منهم علامات القدرة على الإنتاج والوفاء، ومساعدتهم بالمال على ذلك.

5) تحريم المتاجرة بأعراض الإماء.

 

وبين الانضباط في العلاقات الاجتماعية والانضباط في العلاقات الإدارية، جاء القرآن بفاصلة في غاية الأهمية تبيِّن رقابة الله، وتُجمل ما تفرَّق من الإشارات لها، وتشير إلى انقسام الناس في طاعة الله إلى مطيع وعاص، فالمطيع نور الله في قلبه على النحو التالي: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35].

 

ويتفرق هذا النور في قلوب المؤمنين وفي بيوتهم وأسواقهم، حتى يعمروا به بيوت الله:

{رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 37، 38].

 

فهؤلاء الرابحون في أعمالهم، ورحت الآيات بربحهم وزيادتهم، ويقابل هؤلاء خاسرون، يبدأ بخسارة وظلمانية قلوبهم، فيصور الظلام فيها مقابلًا لنور الله في قلوب المؤمنين: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40].

 

وبين هذين المثالين والتوجه للانضباط الإداري، تأتي آيات تذكر بأن الكون كله عابد لله مطيعٌ لها خاضع له، ويذكر القرآن بمظاهر قدرة الله في رزق من يشاء، وإعطاء من يشاء وَفقَ ما يأمُل، وحرمان من شاء الله حرمانه للإشارة إلى أن الإنسان المعرض غير المنقاد سيبقى نشازًا، وإنها إن رفض العبادة فهو خاضعٌ بوجه آخر لا محالة.

 

ثم يأتي الشق الثالث من السورة المتعلق بالانضباط الإداري، فيبدأ بعرض احتيال المحتالين، ودعاويهم الكاذبة للطاعة، وروغانهم رَوغانَ الثعلب: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 47 - 52].

 

ويذكر بوجوب طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن طاعة الرسول جزءٌ من طاعة الله، وأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم شرط في الهداية.

 

وبيَّن أن هذا الطريق هو الوحيد للتمكين بعد الاستضعاف، وأن من خرج عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم خروجًا جزئيًّا أو كليًّا لن يُعجز الله.

 

ثم يذكِّر القرآن ببعض الانضباطات المشتركة بين الإداري والاجتماعي.

 

ثم يختم بذكر بعض احيتالات المحتالين، وأنها لا تخفى على الله، مذكرًا الفرق بين المتسللين لواذًا والمنضبطين الذي لا يستأذنون إلا لحاجة، ويعطي الرسول صلى الله عليه وسلم الحق في الإذن لهم أو منعهم حسب ما يراه.

 

ويختم بالتفريق بين نداء الرسول ونداء غيره، وبين طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعة غيره، وأن ملك الله شامل لكل الناس ورقابته محيطة بهم أجمعين: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 63، 64].

 

وفي هذا تحديدٌ لمن يخرج عن طاعة الله في أي مجال من المجالات، وبشكل خاص في موضوع السورة وهو الانضباط بأمر الله والخضوع له.

 


[1] طبعا زادت السنة الحبل كدليل على الزنا، وهو دليل حسي لم يتعرض له القرآن؛ لأنه لا يمكن المكابرة فيه.

[2] يشير لذلك قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [النور: 30].

[3] مسلم، المسند الصحيح المختصر، 8 /52.