من أبواب الخير

أحمد فريد

هذه أبواب عظيمة عباد الله من أبواب الخير، يعلِّمها لنا معلم الخير صلى الله عليه وآله وسلم.

  • التصنيفات: تزكية النفس - الحث على الطاعات -

الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه: أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام، فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته، وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته.

قال صلى الله عليه وسلم: «مَن نفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومَن أبطأ به عمله لم يُسرِع به نسبه»[1].

 

فهذه أبواب عظيمة عباد الله من أبواب الخير، يعلِّمها لنا معلم الخير صلى الله عليه وآله وسلم.

 

فأول هذه الأبواب تنفيس كربات المؤمنين: «من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة».

 

فالجزاء من جنس العمل، كما قال عز وجل: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»[2].

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا»[3].

 

فالجزاء من جنس العمل، فمَن نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة.

 

فإن قال قائل: لماذا قابل النبي صلى الله عليه وسلم تنفيس الكربات كربة بكربة، فقال «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»[4]، ثم قال: «ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة»[5].

 

ولم يقل صلى الله عليه وسلم: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب الدنيا، وكربة من كرب يوم القيامة؟

 

فالجواب عباد الله: أن الكربة هي الشدة الشديدة، وأكثر الناس لا يصابون بذلك، فقليل منهم من يصاب بهذه الكربة العظيمة في الدنيا، ثم إن تنفيس كربة يوم القيامة أضعاف مضاعفة من تنفيس كرب الدنيا، كما دلت على ذلك الأدلة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيحين في الشفاعة: «يترك الله عز وجل بعض الناس يموج في بعض».

أي: لا يقضي بينهم بحساب، فيبلغون من الغم ومن الكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعضهم لبعض: ألا ترون ما بلغكم؟ ألا ترون أحدًا يشفع لكم عند ربكم؟ فيذهبون إلى آدم فيقول: لست لها، ويحيلهم على نوح - عليه السلام - وهو أول أولي العزم من الرسل، فيقول: لست لها، فيحيلهم على إبراهيم، ثم يحيلهم على موسى الكليم عليه وعلى نبينا الصلاة والتسليم، ثم يذكر موسى ذلك القبطي الذي قتله، فيحيلهم على عيسى، فيقول عيسى: لست لها، ولكن ائتوا محمدًا، عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتون نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم فيقول: «أنا لها، أنا لها».

فيدخل على ربه عز وجل، فإذا رأى ربَّه عز وجل خر ساجدًا، فيقال: ارفع رأسك يا محمد، سل تعطه، واشفع تشفع، فيشفع في الخلائق كلهم.

 

ويقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "تدنو الشمس من العباد فتكون على قدر ميل أو ميلين".

 

قال ابن مسعود رضي الله عنه: "لا أدري الميل مسافة، أو الميل ما يكتحل به"، فتكون على قدر ميل أو ميلين، فتصهرهم الشمس، فمنهم من يبلغ عرقه إلى عقبيه، ومنهم من يبلغ عرقه إلى حقويه - أي إلى وسطه - ومنه من يلجمه إلجامًا.

 

وفي الحديث الآخر: «تدنو الشمس من العباد، فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، فمنهم من يغيب في رشحه -أي في عرقه- إلى عقبيه، ومنهم من يغيب في عرقه إلى حقويه - أي إلى عظام الحوض - ومنهم من يبلغ العرق إلى أنصاف أذنيه»[6].

 

فهذه الكربات الشديدة يخففها الله عز وجل عمن يخفف كربات المؤمنين؛ فتنفيس الكربة هو تخفيفها، وإزالة الكربة أبلغ من التخفيف، فتنفيس الكربة مأخوذ من فك الخناق حتى يأخذ نفسًا، فجزاء التنفس التنفيس، وجزاء التفريج بالكلية التفريج بالكلية، فمن نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والتيسير من جهة المال إن كان مدينًا، كما قال الله عز وجل: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].

 

أي من كان لك عنده حق، وعلمت أنه معسر لا يستطيع السداد؛ فالشرع يوجب عليك أن تُنظِره، وأن تؤجله حتى يتيسر حاله، وأبلَغُ من ذلك عباد الله أن تترك له هذا المال من أجل أن تساعد في تيسير حاله، وأبلغ من ذلك أيضًا أن تمده بمال جديد حتى يتيسر.

 

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كان رجل يداين الناس -أي: يقرضهم- فإذا رأى معسرًا قال: تجاوزوا عنه؛ لعل الله أن يتجاوز عنا» أي: سامحوه في هذا الدَّيْن لعل الله أن يتجاوز عنا «فتجاوز الله عنه».

وفي رواية: «قال الله عز وجل: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه» ))[7].

 

وليس ذلك في الحقوق المادية وحدها؛ بل من ظلمك مظلمة، ومن كان لك عنده حق أدبي، فأنت تسامحه لله عز وجل؛ رجاء أن يسامحك الله عز وجل.

 

قال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134].

قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة»[8].

والناس أحد رجلين عباد الله: إما أن يكون مشهورًا بالصلاح، أو مستور الحال لا يُعرَف منه جرأة على الله عز وجل، ولا فسق عن شرع الله عز وجل، فمثل هذا إذا وقع في معصية فينبغي على المسلمين أن يجتهدوا في ستره، ولا يرفعوا أمره إلى السلطان لإقامة الحد عليه، ويُؤمَر بأن يستر على نفسه، وأن يتوب إلى الله عز وجل.

 

كان أحد العلماء يأمر مَن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يقول له: "اجتهد في ستر عصاة المسلمين، فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام"، والمعاصي إذا ظهرت وإذا عرفت فإنها تضر الناس كلهم، وإذا كانت مستورة لا تضر إلا صاحبها، فينبغي على المسلم أن يسعى في ستر عصاة المسلمين.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر مَن آمن بلسانه ولم يبلغ الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم - أي: عيوبهم وذنوبهم - فإنه من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته، حتى يفضحه في بيته»[9].

 

فإن كان يجتهد في كشف الستر عن العصاة، وفي فضح من يعصي الله عز وجل، فإن الله عز وجل يتتبع عورته، حتى يظهر الناس فضائحه ومعاصيه.

 

فينبغي على المسلمين عباد الله أن يجتهدوا في ستر عصاة المسلمين.
 

المجتمع المسلم مجتمع طاهر نظيف، لا تظهر فيه المعاصي والفواحش، ومن عصى الله عز وجل اجتهد الناس في ستره.

 

الصنف الثاني من الناس: من يكون مجاهرًا بمعصية الله عز وجل، لا يبالي إذا ذكر بهذه المعاصي، بل يتباهى بمعصيته لله عز وجل، فينبغي على الناس أن يأخذوا على يديه، وأن يرفعوا أمره إلى ولاة الأمر، من أجل أن يقام الحد عليه، ومن أجل أن ينزجر هو وأمثاله عن التجرؤ على معصية الله عز وجل، وعلى شرع الله عز وجل.

 

ثم قال صلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

وهذا أيضًا لأن الجزاء من جنس العمل؛ فمن كان يساعد إخوانه، ويسعى في قضاء حوائجهم، فالله عز وجل يساعده ويقضي له حوائجه.

 

أرسل الحسن البصري جماعة من أصحابه في قضاء حاجة لأخ لهم، وقال: مُرُّوا بثابت البناني فخذوه معكم، فمروا بثابت فاعتذر وقال: أنا معتكف.

 

فلما بلغوا الحسن البصري قال لهم: قولوا له: يا أعمش، أما علمت أن سعيك في حاجة أخيك خير لك من حجة بعد حجة، والأعمش لقبه.

 

قال: قولوا له: يا أعمش، أما علمت أن سعيك في حاجة أخيك خير من حجة بعد حجة، فذهبوا إلى ثابت فأخبروه بقول الحسن، فخرج معهم.

 

وكان أبو بكر رضي الله عنه يحلب للحي أغنامهم، لأنه عيب عند العرب أن تحلب النساء الغنم، فكان إذا غاب الرجال تصير مشكلة من يحلب الغنم، فكان أبو بكر يحلب للحي أغنامهم، فلما استخلف قالوا: الآن لا يحلبها.
 

قال: إني لأرجو ألا يمنعني ما دخلت فيه عن عمل كنت أعمله.

 

وكان عمر رضي الله عنه يتعهد الأرامل؛ يقضي عنهم حوائجهم، فرآه طلحة بن عبيدالله - أحد العشرة المبشرين بالجنة - يتردد على بيت امرأة بالليل، فدخل طلحة بالنهار، فرأى عجوزًا عمياء مقعدة، فقال: ما يفعل هذا الرجل عندك؟

 

فقالت: إنه منذ كذا وكذا يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى.

فقال طلحة: ويحك يا طلحة أعورات عمر تتبع؟!

وكان أبو وائل يدور على عجائز الحي يقضي لهم حوائجهم من السوق.

ويقول مجاهد أحد التابعين: صحبت ابن عمر في سفر لأخدمه فكان يخدمني.

 

فهذا هدي السلف الصالح رضي الله عنهم وهذا حرصهم على طاعة الله عز وجل، وعلى قضاء حوائج إخوانهم.

«والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة».

قالوا: الطريق إلى تحصيل العلم إما طريق حسي؛ كأن يسعى إلى عالم يتعلم منه أو يسأله، أو يسعى إلى معهد أو مدرسة يتعلم منها العلوم الشريفة علوم الشرع، وإما أن يكون طريقًا معنويًّا، كأن ينوي مدارسة علم معين، أو ينضم إلى معهد أو مدرسة أو دار تحفيظ من أجل أن يدرس علمًا من العلوم الشرعية، فمن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة.

 

قالوا: تسهيل الطريق إلى الجنة: إما أن يسهل الله عز وجل له هذا العلم، والعلم يوصل إلى الله عز وجل، وإلى الجنة من أقرب طريق، كما قال بعضهم: هل من طالب علم يعان عليه؟

 

لأن العبد لا يعرف كيف يتقي الله عز وجل، حتى يعلم ما يحبه الله عز وجل ويرضاه، فكيف يتقي من لا يدري ما يتقي؟ لا بد أن يتعلم العلم حتى يتقي الله عز وجل، بل حصر الله عز وجل الخشية في العلماء، فقال عز وجل: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، وإنما: أداة حصر في اللغة.

 

وقال عبدالله بن مسعود: كفى بخشية الله علمًا، وكفى باغترار بالله عز وجل جهلاً.

وقيل للإمام الشعبي: يا عالم، فقال: إنما العالم من يخشى الله.
 

فالعِلم علمان عباد الله: علم في القلب، وعلم على اللسان)؛ أما علم اللسان: فلا ينتفع به العبد.

 

أما علم القلب: فهو الذي ينتفع به العبد، وهو أول علم يرفع من الأرض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا، ينتزع من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا»[10].

 

فنزْعُ العلم من صدور العلماء جائز في قدرة الله عز وجل، لأن الله عز وجل على كل شيء قدير، ولكن هذا الحديث يبين أن ذلك لا يحدث، وأن الله عز وجل إذا أراد أن يرفع العلم فإنه يقبض العلماء، لا ينزع العلم من صدورهم، ولكن يقبض علماء السنة، علماء القلب، علماء الخشية، فيتخذ الناس رؤوسًا جهالاً؛ فيسألون فيفتون بغير علم، فيَضلون ويُضلون، فهذا أول علم يرفع عباد الله، كما قال بعضهم: ألا أخبركم بأول علم يرفع؟ هو الخشوع.

 

فينزع هذا العلم أولاً عباد الله، ثم ينزع بعد ذلك علم اللسان، وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب -أي: نقش الثوب- فلا يدرى ما صلاة ولا صيام ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، ويبقى الرجل الكبير، والمرأة العجوز: يقولون: لا إله إلا الله وجدنا آباءنا عليها، فنحن عليها إلى أن يتوفانا الله».

فقال صلة بن زفر لحذيفة: يا حذيفة، ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة حتى كررها ثلاثًا، فقال حذيفة: تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار[11].
 

فبعد أن يرفع علم القلب - وهو الخشية - يرفع كذلك العلم من السطور ومن الصدور، نعوذ بالله من أن ندرك هذا الزمان عباد الله، ويسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، لا يبقى في الأرض منه آية لا في الصدور ولا في السطور، فيرفع الله عز وجل القرآن قبل قيام الساعة، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، كيف يعيش الناس بدون القرآن، فاعرفوا عباد الله نعمة العلم النافع، ونعمة القرآن، وتصوروا هذا الزمان الذي يرفع فيه هذا القرآن من السطور ومن الصدور، فيعيش الناس بلا قرآن، يعيشون كالبهائم، يبقى شرار الأرض، وعليهم تقوم الساعة، وتأتي ريح من جهة الشمال فتأخذ المؤمنين من تحت آباطهم، فتقبض كل روح مؤمنة، ولا يبقى إلا الكفرة والفجرة، فكيف تبقى الأرض، بعد ذلك قوم ذو السويقتين فيهدم الكعبة حجرًا حجرًا، فتهدم الكعبة، ويبقى ناس لا يعرفون من الإسلام إلا كلمة لا إله إلا الله، فيقول صلة بن زفر أحد التابعين لحذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا صدقة؟ فقال: تنجيهم من النار، وهذا فيه دليل على الحكم بإسلام من نطق بالشهادتين، إذا جهل كل شرائع الإسلام من الصلاة والصيام والصدقة وغير ذلك، فهي من أدلة العذر بالجهل، فإن في آخر الزمان يبقى ناس لا يعرفون صلاة، ولا صيامًا، ولا صدقة، يجهلون ذلك ولا سبيل لتحصيل علم ذلك؛ لأن ذلك يرفع من الأرض، أو يتعذر الوصول إليه، فقال حذيفة: تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار.

 

قوله صلى الله عليه وسلم: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».

 

وهذه الأمور الغيبية عباد الله، الصحابة بقوة يقينهم وشدة إيمانهم رأوا ذلك في عالم المشاهدة، ورأوا ذلك عيانًا؛ كما في حديث البراء بن عازب في الصحيحين: كان رجل يقرأ القرآن، فتغشته سحابة، فجعلت تدور وتدنو، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «هذه السكينة نزلت بالقرآن»[12].

 

فرأى السكينة في صورة سحابة، كلما قرأ تدنوا وتقترب منه، فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هذه السكينة نزلت بالقرآن»[13].

 

كذلك الرحمة رآها النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث سلمان الفارسي الذي رواه الحاكم في مستدركه، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على جماعة فقال: «ما كنتم تقولون، فإني رأيت الرحمة تنزل عليكم، فأردت أن أشارككم فيها» ؟))[14].

فكانوا في ذكر الله عز وجل، وفي طاعة الله عز وجل: فرأى النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة وهي تنزل على أصحابه، فانضم إليهم حتى يأخذ نصيبه من الرحمة.

 

أما الملائكة عباد الله، ففي الصحيحين كذلك من حديث أسيد بن حضير: أنه كان يقرأ في مربده - في مربط فرسه - فكلما قرأ جالت فرسه، أي: تحركت فرسه، فإذا سكت سكنت الفرس، قال: فخشيت أن تطأ يحيى؛ أي: ولده، فنظرت في السماء فإذا مثل الظلة، فيها مثل أمثال المصابيح، أو مثل أمثال السرج، فعرجت في السماء حتى ما يراها، فلما أصبح ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: «هذه الملائكة نزلت تسمع القرآن، ولو قرأت لأصبحت ينظر إليها الناس وما تستتر منهم»[15].

لأن الملائكة والجن وعذاب القبر، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وتلميذه ابن رجب، قالوا: بأن الملائكة والجن وعذاب القبر من الغيب الذي يكشفه الله عز وجل لمن شاء من خلقه، فهو من الغيب، ولكن الله عز وجل قد يري بعض خلقه الملائكة، كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل، رآه في صورة دحية الكلبي، ورآه الصحابة - رضي الله عنهم - لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة رجل شديد بياض الثوب، شديد سواد الشعر، وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووضع ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، ثم سأله عن علامات الساعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انصرف، قال: «علي بالرجل» فطلبوه، فلم يجدوه، فقال: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم»[16].

فأسيد بن حضير رأى الملائكة وهي تنزل في مثل الظلة، قالوا: هذه الظلة هي السحابة في الحديث المذكور آنفًا، فهي السكينة؛ لأن هذه هي ملائكة الرحمة، تنزل معها الرحمة والسكينة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله ملائكة سيارة يطوفون بالطرقات يلتمسون أهل الذكر، فإذا رأوهم حفوهم بأجنحتهم إلى سماء الدنيا، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم، كيف وجدتم عبادي؟ قالوا: وجدناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك، قال: هل رأوني؟ قالوا: لا يا رب العالمين، قال: كيف لو رأوني؟ قالوا: لو رأوك لكانوا لك أكثر تسبيحًا وتحميدًا وتكبيرًا، قال: فماذا يطلبون؟ قالوا: يطلبون الجنة، قال: هل رأوها؟ قالوا: لا يا رب العالمين، قال: كيف لو رأوها؟ قالوا: لو رأوها لكانوا أشد لها طلبًا، وأكثر لها استعدادًا وسعيًا، قال: ومما يتعوذون؟ قالوا: يتعوذون من النار، قال: هل رأوها؟ قالوا: لا يا رب العالمين، قال: كيف لو رأوها؟ قالوا: لو رأوها لكانوا أكثر منها استعاذة، وأشد منها فرارًا، قال: أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم، فيقال: فيهم فلان ليس منهم، وإنما أتى لحاجة، فيقول عز وجل - والحديث في صحيح مسلم -: وله قد غفرت، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم»[17].

 

فهذه ملائكة تبحث عن أهل الذكر، فإذا رأتهم، فالملائكة تحب ما يحبه المؤمنون من ذكر الله عز وجل، ويتسابقون في رفع الأعمال الصالحة إلى الله عز وجل، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً يصلي خلفه فلما رفع وقال: «سمع الله لمن حمده» قال: اللهم لك الحمد حمدًا طيبًا مباركًا فيه، كما تحب ربنا وترضى، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن قائل هذه المقالة، فأخبر، فقال: «والله لقد ابتدرها كذا وكذا ملكًا، أيهم يصعد بها إلى الله عز وجل»[18].

 

من حبهم للمؤمنين يحبون أن يرفعوا الكلام الطيب إلى الله عز وجل، ويتسابقون في ذلك؛ لأنهم يعلمون أن الله عز وجل يحب أن يتفضل على عباده، ويحب أن يكرم عباده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وبالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، يصعد الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم - أي أعلم بعباده، ولكن هذا سؤال مباهاة، كما في الحديث السابق يباهي الله عز وجل بهم الملائكة - يقول: كيف تركتم عبادي؟ يقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون»[19]، «فالله عز وجل يقول لهم كيف تركتم عبادي؟ فهم يقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون؛ لأنهم يعلمون أن الله عز وجل يحب أن يتفضل على عباده المؤمنين، فزادوا في موجب ذلك، فزادوا في الإجابة ((وأتيناهم وهم يصلون».

فالمؤمن يحب ملائكة الله عز وجل؛ لأن الملائكة تحب المؤمنين: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا} [غافر: 7].

 

فهم مع أنهم يحملون العرش، وهم موكلون بهذه المهمة العظيمة، مع ذلك يستغفرون للذين آمنوا؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، يقولون: {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} [غافر: 9].

 

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذكرهم الله فيمن عنده»؛ لأنهم يذكرون الله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حاكيًا عن ربه عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نَفْسِه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم»[20]، وهم الملائكة المقربون وهم الملأ الأعلى.

((ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) لا يساعده ولا يسرع به أن أباه أحد الشيوخ، أو أن أباه من الصالحين ومن الأولياء، أو أنه من نسب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ينفع نسب النبي صلى الله عليه وسلم أهل الإيمان، وأهل الطاعة، وأهل العمل الصالح، قال الله عز وجل: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاؤَلُونَ} [المؤمنون: 101].

 

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل نسب مقطوع يوم القيامة إلا نسبي وصهري»[21].

 

تزوج عمر رضي الله عنه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وقال: ما بي حاجة إلى الزواج، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل نسب مقطوع يوم القيامة إلا نسبي وصهري».

 

فينفع نسب النبي صلى الله عليه وسلم من كان من أهل الإيمان والعمل الصالح.

 

فهذا عم النبي صلى الله عليه وسلم شقيق أبيه أبو لهب، ينزل في حقه وهو على وجه الأرض: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} [المسد: 1 - 5].

 

فهذا عم النبي صلى الله عليه وسلم هل نفعه نسب النبي صلى الله عليه وسلم وهو كافر؟ فإنما ينفع نسب النبي صلى الله عليه وسلم أهل الإيمان وأهل العمل الصالح، أما سائر الأنساب فلا ينفعه بحال من الأحوال.

 

تقطع الأنساب يوم القيامة، فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يضرب الصراط على ظهري جهنم، فأكون أول من يجيزها، ويمر الناس بحسب أعمالهم، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر كشد الرجل - أي إسراع الرجل في المشي - ومنهم من يتلبط على بطنه، فتعلق يد فيجرها، وتعلق رجل فيجرها، فيقول: يا رب لِمَ أبطأت بي؟ فيقول: إنني لم أبطئ بك، ولكن أبطأ بك عملك، فيعطى العبد قوى على الصراط، والصراط على متن جهنم، منهم من يكردس في جهنم، ومنهم الناجي، ومنهم الناجي المخدوش»[22] وغير ذلك، فمن أبطأ به عمله في المرور على الصراط، لم يسرع به نسبه.

فهذا الحديث النبوي الشريف يتضمن وصايا عظيمة، وأبوابًا كبيرة من أبواب الخير، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كرب من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه»[23].


[1] مسلم (4867).

[2] أبو داود (4290)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (3522).

[3] مسلم (4734).

[4] مسلم (4867).

[5] مسلم (4867).

[6] مسلم (5108).

[7] مسلم (2922) بنحوه.

[8] مسلم (4867).

[9] أبو داود (4236)، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" وفي "المشكاة" (5044).

[10] البخاري (98)، ومسلم (4828).

[11] ابن ماجه (4039)، وصححه الألباني في "الصحيحة" (87).

[12] البخاري (3345).

[13] البخاري (3345).

[14] الحاكم (1/ 210) وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، وقد احتجا بجعفر بن سليمان، فأما أبو سلمة سيار بن حاتم الزاهد فإنه عابد عصره، وقد أكثر أحمد بن حنبل الرواية عنه.

[15] مسلم (1327).

[16] مسلم (9).

[17] البخاري (5929)، ومسلم (4854)، واللفظ له.

[18] الترمذي (369)، وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي" و"المشكاة" (992).

[19] البخاري (6878)، ومسلم (1001).

[20] البخاري (6856)، ومسلم (4832).

[21] ابن عساكر في تاريخه من حديث ابن عمر، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (4564).

[22] البخاري بمعناه رقم (6886).

[23] سبق تخريجه مرارًا.