حُكم نَشر الأدعية والأذكار غير المأثورة.

وورد في كثير منها نصوصٌ صحيحة تبين فضلها، وَأَثَرها، واستجابة الله لمن دعا بها. فلا تستَبدل -أخي المسلم- الذي هو أدنى بالذي هُو خير .

  • التصنيفات: الذكر والدعاء -


كتب / د. محمد بديع موسى
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لانبي بعده، وبعد؛ فإنه تنتشر كثيراً عبر وسائل التواصل أدعيةٌ وأذكار مخترَعة لبعض الناس، ويُلزم أصحابُها - أو يحضّون- الآخرين على نشرها، وإذاعتها، واستحبابها، وذلك كأن يقول في آخر دُعائه : اللهم من نشر هذا الدعاء فأعطه كذا وكذا ...وأجِره من كذا وكذا... وكثيراً ما تكون هذه الأذكار والأدعية فيها مخالفاتٌ أو توسّلات غير مشروعة، أو تسمية الله تعالى أو وَصفُه بغير ما سمّى به نفسَه أو سَمّاهُ به رسولُه، أو نوع من السّجْع المبتَدَع، وغير ذلك من الاعتداء في الدعاء الذي نهى عنه الشارعُ الحكيم، مما قد لا يَتَنبّهُ له عامةُ الناس.
لقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الدُّعَاءُ هو العِبادَة". رواه أبو داود والترمذي.
والعبادةُ مبناها على الاتباع لا على الابتداع.

والدعاءُ المستَحبُّ هو الدعاءُ المشروع المأثور؛ لأن الاستحبابَ إنما يُتلقّى من الشارع، فما لم يشرعهُ لا يكونُ مستَحباً بل قد يكون شَرعَ من الدّين مالم يأذَنْ به الله، فإن الدُّعاءَ من أعظمِ الدين.
والمنصوصُ المشهورُ عن الإمام أحمد أنه لا يدعو في الصلاة إلا بالأدعية المأثورة . وسئل عن قوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين : " ثُمّ يَتَخَيّر مِنَ الدعاءِ أعجبه إليه" ( يعني بعد التشهد ) ؟! قال: "يَتَخيّر مما جاءَ في الخَبَر". وقد استحسنَ ذلك شيخُ الإسلام في "الفتاوى" وقال: "قولُ أحمد: بما جاءَ في الخَبَر حَسَنٌ، فإن اللامَ في (الدعاء) للدُّعاء الذي يُحبّه الله، ليس لِجِنسِ الدعاء، فإن من الدعاء ما يَحرُم. قال تعالى: ( {ٱدۡعُوا۟ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعࣰا وَخُفۡیَةًۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِینَ} )"
وعن ابنٍ لسعدِ بن أبي وقاص قال: سمِعَني أبي وأنا أقول: اللهمَّ إني أسألُك الجنةَ ونعيمَها وبهجتَها وكذا وكذا، وأعوذُ بك من النَّارِ وسلاسلِها وأغلالِها وكذا وكذا، فقال: يا بُنيَّ إني سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقول: "سيكونُ قومٌ يعتدُون في الدُّعاء" فإياكَ أن تكونَ منهم! إنك إن أُعطيتَ الجنَّةَ أُعطيتَها وما فيها من الخير، وإن أُعِذتَ من النَّارِ أُعذتَ منها وما فيها من الشرِّ. رواه أبو داود وحسنه الألباني.
قال الحافظ ابن حجر: "والاعتداءُ في الدّعاء يقعُ بزيادةِ الرفع فوقَ الحاجة، أو بِطَلَب ما يستحيلُ حُصولُه شرعاً، أو بِطلبِ معصية، أو يدعو بما لم يؤثر، خصوصاً ما وَرَدت كراهتُه، كالسجع المتكلف".
وقال ابن القيم : " فكل سؤال يناقض حكمة الله ، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره ، أو يتضمن خلاف ما أخبر به ، فهو اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله" . انتهى من "بدائع الفوائد" (3/524).
الحاصل: أنّ ما صَحّ معناهُ وألفاظُهُ من الأدعية المُطلَقَة غيرِ المأثورة يجوزُ الدعاء به، لكن مثل هذه الأدعية لا يجُوزُ تقييدُها بِزَمانٍ، أو حالٍ، أو مَكانٍ، أو عَدَد، أو دعوةُ الناس للدعاء بها، واتخاذُها سُنّةً راتبة . ففي المأثور من أدعية القُرآن والسُنّة غُنْيَة عن كل ذلك، ففي القرآن مايقرب من خمسين دعاء من جوامع الدعاء ومحاسنه، حثنا الله تعالى على الدعاء بها، والنبي صلى الله عليه وسلم أفصح العرب لسانا، وأكثر الناس دعاء، وقد جاءنا عنه مئات الأدعية الصحيحة
فاحرص عليها أخي المسلم، واحفظها، وادع الله بها دائما، وعلمها لأهل بيتك، فهي أدعِيةٌ جامعةٌ مانعة سهلة ميسرة ومنتشرة بفضل الله تعالى.
وورد في كثير منها نصوصٌ صحيحة تبين فضلها، وَأَثَرها، واستجابة الله لمن دعا بها. فلا تستَبدل -أخي المسلم- الذي هو أدنى بالذي هُو خير .
ولا يَغُرّنك ترغيبُ أو ترهيبُ صاحبِ الدعاء المُبتَدَع، فكلامُه باطل وليس له أن يُلزِمَ أحداً بدعائه بهذا الأسلوب ولا بغيره. وعلى العَكسِ من مُرادِك فقد يَكونُ ترويجُكَ للأدعِية والأذكار البِدْعِيّة سبباً لِتَحَمُّلكَ إثم كُلّ مَن وَصَلت إليه من بعدك.
أسأل الله لي ولك الهدى والسداد . وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

وَكَتب: ( أبو اليمان- محمد بديع موسى)