سعد بن معاذ: نبل في الأرض، وكرامة في السماء

جُبلت الفطر السوية، والطِّباع الإنسانية المستقيمة على حبِّ كل نبيلٍ، وإن لم يتحقق ذلك النبل فيها فإنها تطرب لرؤيته، وتعجب به وإن كان في خصم أو عدو، والتاريخ حافل مليء بمن احترموا خصومهم، وعرفوا لهم قدرهم حتى بعد انتصارهم عليهم...

  • التصنيفات: سير الصحابة -

جُبلت الفطر السوية، والطِّباع الإنسانية المستقيمة على حبِّ كل نبيلٍ، وإن لم يتحقق ذلك النبل فيها فإنها تطرب لرؤيته، وتعجب به وإن كان في خصم أو عدو، والتاريخ حافل مليء بمن احترموا خصومهم، وعرفوا لهم قدرهم حتى بعد انتصارهم عليهم، هذا، إذا كان ذلك النبل في خصم أو عدو، فما بالك إذا كان النبل في أسمى معانيه، والشهامة في أزهى صورها قد تجسدا فيمن تحب؟! ساعتها سيزداد عجبك، ويربو طربك، فتهشُّ لهما نفسك، ويسعد بهما فؤادك، خاصة إذا كانت تلك الصفات المعنوية النبيلة تأخذ بأيديها صفات جسدية جزلة؛ لتلتقي العظمة في أبهى تجلياتها، لتأخذ بلُبِّك، فلا تدري إلى أي جانب توجه إعجابك، ولا إلى أية جهة تصرف حبك وإجلالك! وقد امتدح الله تعالى طالوتَ بهاتين الصفتين؛ ليبين لبني إسرائيل طرفًا من أسباب اصطفائه إياه عليهم؛ فقال عز من قائل: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 247].

 

{وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البقرة: 247]؛ أي: زيادة في العلم، وطولًا في القامة، وقوة في البدن؛ وقد ذكر القرطبي وابن كثير أن أهلية القيادة تحصل بهذين الأمرين، فيجب أن يكون القائد من أفضل قومه في العلم وأقواهم.

 

وعندما تقلب صفحات حياة "سعد" المضيئة يقشعر بدنك، وتنفِر الدماء في عروقك، وتكاد تتوشح سيفك لتكون في فيلقه؛ لأنه صورة للشهامة، وعنوان للمروءة؛ تلك الصفة الجامعة لكثير من خلال العظمة، فالشَّهم كما جاء في لسان العرب: "الذكي الفؤاد المتوقد، الجَلْد، والجمع شِهام؛ وفي الحديث: «كان شهمًا نافذًا في الأمور ماضيًا»... والشهم السيد النَّجْدُ النافذ في الأمور، والجمع شُهوم، وفرس شهم: سريع نشيط قوي".

 

وقد زاد من تلك الصفات قيمةً أن صاحبها قد تسربلها وهو في رَيعان الشباب، فكأن الشباب قد توَّج هذه الصفات بتاج القوة والعظمة؛ فإذا ذهبت تبحث عن الصفات التي تجمع الناس حول شخص ما، كان له منها ما يجعله في طليعتهم؛ شكلًا وهيئة، نفسًا وروحًا، قلبًا وعقلًا؛ فهو من حيث الصفات الشكلية الظاهرة وسيم، مشرق الوجه، مضيء الجبين، طويل فارع الطول، جَسِيم جَزل، من يَرَهُ، يقِرَّ في نفسه إجلال وتبجيل وهيبة، وهو من حيث الصفات المعنوية: شهم، شجاع، نبيل، جواد، كريم، غيور... ولَعَمري إن صفة واحدة من هذه الصفات لجديرة بأن تسوِّد صاحبها، فكيف بها إذا اجتمعت في شخص واحد؟ ووالله لقد اجتمعت وإن لأظنها – والظن هنا بمعنى اليقين - سعيدة، فخورة باجتماعها معًا في شخصية "سعد"، وأي الناس كسعد؟!!

 

إنك لا تدري - وأنت تقرأ في سيرته - من أي صفاته تعجَب، ولا بأيِّها تفخر وتتيه، ولا تدري بأي موقف من مواقفه تبدأ، ولا بأيها تنتهي؛ فكلها تصدر عن جهة واحدة، ويحركها توجه واحد، وكلها ترفع الرأس والهامة، ولا تدري بأي كلماته وعباراته تستشهد، فكلها تجسد تلك الصفتين الأساسيتين في شخصيته؛ الشهامة والنبل.

 

في يوم بدر عندما وجه النبي صلى الله عليه وسلم خطابه لصحابته الكرام، قائلًا: «أشيروا عليَّ أيها الناس...»، وعَينُه على الأنصار؛ أهل الديار، ينبري سعدٌ للرد والجواب ليسطِّر بكلماته تاريخًا لقومه بل ولأمته كلها، وليقذف بحجج المعذِّرين الباردين في كل زمان وحين إلى هُوَّةٍ بعيدة القرار، وليعلمهم درسًا في المروءة والشجاعة والثبات: [امضِ يا رسول الله لما أردت، فنحن معك... ووالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا... إنا لصُبرٌ في الحرب، صُدقٌ في اللقاء... ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك... فسِرْ بنا على بركة الله]، والله، إن كلماتك لتعلو الذهب قيمةً يا سعد، وتتضاءل بجوارها كنوز الدنيا المكتنزات، ويكفي كلماتك قيمةً وأثرًا أن يتهلل لها وجه النبي الكريم بشرًا وسرورًا، بأبي هو وأمي.

 

إنها ليست كلمات، إنها ضربات سيف، وطعنات رمح، وطلقات مدفع، إنها صورة من نفس صاحبها، تلك النفس الثائرة للحق، الهادرة باليقين، التواقة إلى مكانها العالي في جنات النعيم.

 

وانظر – جمعني الله وإياك بنبيه وصحابته في عليين - إلى صيغة الجمع التي اختارها سعد في خطابه النبي الكريم على مرأى ومسمع من أصحابه من الأنصار والمهاجرين، كيف وضع من خلالها الأمور في نصابها؛ إنه خطاب السيد، فهو سيد الأوس، والسيد مطاع؛ ليجمع الكلمة، ويوحد الصف، وهو خطاب قائد القوم، وقد كان قائد قومه قبل هجرة النبي إليهم، ولكنه اليوم تحت إمرة قائده الأعلى؛ النبي الكريم، فلا بد أن يهيئ للقائد عمله، ويقر عينه بجنده من الأنصار، فيؤكد له أنهم على أُهْبَةِ الاستعداد؛ ليقطع على أي متخاذل أو منافقٍ الطريق، وهو في كل هذا على ثقة من قومه، فقد خَبَرَهم، وعرف بلاءهم ((صبر في الحرب، صدق في اللقاء))، وها هو ذا يضع كل تلك الإمكانات بين يدي القائد؛ لتزداد الثقة في الجميع، ولترتفع الروح المعنوية إلى عَنان السماء، ليستعدوا ليومٍ سيكون له ما بعده في تاريخ الدعوة الإسلامية منذ تلك الساعة وإلى قيام الساعة.

 

وإذا كان هذا موقفه يوم بدر، فإن موقفه يوم أحد لا يقل عنه عظمة، بل إن الشدة لتكشف عن معادن الرجال، يا ليت كل المعادن كمعْدِنِك يا سعد! يقف سعد في أتُون المعركة وقفة تليق به، فيثبت، وتتسمر قدماه دفاعًا عن النبي الكريم، لتستحيل الكلمات المنطوقة مواقف شامخة، وواقعًا محققًا، فيصدق القول العمل.

 

وإذا كانت صفات الجسارة والشجاعة والبسالة قد ثبتت وظهرت شاخصة مجسَّدة في أرض المعارك، وفي ساحات النزال، فإن هناك صفاتٍ أخرى ستظهر ولا تتوارى، وتتضح ولا تختفي أو تغيب، وما كان لها أن تتخلف أو تغيب عن شخصية قائدٍ سيد، أو سيد قائد، إن تلك النفس النبيلة، وهذا القلب الشهم الشجاع لن يكونا لقمة سائغة أمام محاولات الغدر، والمخاتلة، وإنما سيكونان بالمرصاد لكل مكيدة يكيدها يهود، وكيف لا، وقد خبرهم، وعرف من دواخلهم ما لم يعرف غيره، "فليس من رأى كمن سمع"، وهو قد رأى منهم، وسمع، وعاين وجرب، ومن ثم سيحكم عليهم من واقع ذلك كله.

 

في غزوة الأحزاب تتكالب قوى الشر على النبي وصحبه، ويظهر غدر "يهود" في أحط مشهد، وأنذل موقف؛ إذ يعمدون – كعادتهم - إلى الطعن في الظهر، فيتآمرون على من مدوا لهم أيديهم بالسلام، ويتسلل زعماؤهم إلى مكة ليحرضوا قريشًا على محمد وصحبه بالمدينة، ويغرونهم بهم، باذلين العهود والوعود أنهم واقفون معهم، ناصرون لهم على المسلمين بالمدينة، ولم يقف غدرهم عند حد الاتفاق مع قريش، بل تعداه إلى قبيلة من أكبر قبائل العرب عددًا وشأنًا؛ قبيلة "غطفان" فيؤلبونهم على المسلمين، ويتفقون مع سادتهم على الانضمام إلى قريش، ومشاركتها في مهاجمة المدينة والإغارة عليها؛ ليستأصلوا الإسلام من جذوره... تمت الخطة، ودُبِّر الأمر؛ قريش وغطفان يهاجمان المدينة من الخارج، ويهود المدينة يقومون بالأعمال التخريبية داخلها وفيما حولها، أما المسلمون فيصبحون بين فكي الرحى، ماذا يفعل النبي القائد في مثل تلك المحنة؟ وكيف يتعامل مع هذا الوضع المأزوم؟! يبدأ في مجريات العمل العسكري، فينخرط الصحابة في حفر الخندق وهو معهم، لكنه لم يغفل صلى الله عليه وسلم عن دوره السياسي، فيلجأ إلى سياسة "تفتيت الجبهة"؛ ليجنب المدينة وأهلها ويلات هذا الحصار المُطبِق، وذاك الغزو المحدِق، فيتفق مع قادة غطفان على أن يتخلوا عن قريش وجيشها، ولا يشتركوا في تلك الحرب مقابل أن يحصلوا على ثلث ثمار المدينة، ويرضى قادة غطفان بذلك، فهي غنيمة بلا حرب، ولكن النبي الكريم ما كان ليبرم الأمر وينهيه إلا بعد مشورة أصحابه، وخاصة سادة الأنصار، فهم أصحاب الحق الأول في هذا الأمر، فاستدعى "السَّعدين"؛ سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأخبرهما أنه ما لجأ إلى ذلك إلا لأنه – كما قال صلى الله عليه وسلم - قد رأى «العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسِرَ عنكم من شوكتهم إلى أمرٍ ما»، وهنا يأتي رد سعد بن معاذ كاشفًا عن إيمان وعزة، وشموخٍ وأنفة ليسا بمستغربين عليه، فيقول: ((يا رسول الله، قد كنا ونحن على الشرك وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا من مدينتنا تمرة إلى قرًى [ضيافة وكرمًا] أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم))، وبهذه الحجة الدامغة، والرد القاطع، والإجابة الشافية التي تكشف عن معادن أصحابها في الشدائد والمحن لم يجد النبي الكريم بدًّا من العدول عن الأمر، وأخبر غطفان برأي أصحابه، وإقراره له، والتزامه به.

 

وبعدها بأيام يبدأ حصار المدينة ويخرج سعد حاملًا سيفه ورمحه، وهو ينشد:

لبث قليلًا يشهد الهيجا جملْ   ***   ما أجملَ الموتَ إذا حان الأجلْ 

 

وفي إحدى الجولات يقذف أحد المشركين بسهم فيصيب ذراع سعد، فيتفجر الدم من وريده بغزارة فيسعف سريعًا، ويمرَّض في مسجد النبي، وتُنصب له فيه خيمة ليكون قريبًا من النبي الكريم أثناء علاجه وتمريضه، ويطلب سعد من ربه الشهادة، ولكن بعد أن تقر عينه من بني قريظة: ((ولا تُمتني حتى تقر عيني من بني قريظة))، وقد استجاب الله دعاءه فلم يمت إلا بعد أن شفا الله صدره منهم، فبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وعادت قريش وحلفاؤها يجرون أذيال العار والخيبة يأمر النبي الكريم أصحابه بالسير إلى بني قريظة، فيحاصرونهم خمسة وعشرين يومًا، فلما أُسقط في أيديهم استسلموا، وطلبوا من النبي أن يحكم فيهم "سعد بن معاذ"، وقد كان حليفهم في الجاهلية قبل الإسلام، ويؤتى بسعد محمولًا على دابة، وقد نال منه المرض، ويطلب منه النبي أن يحكم في بني قريظة..

 

وهنا يتوقف الزمن وكأني بسعد قد انهالت عليه الذكريات، وتمثل أمام عينيه تاريخ "بني قريظة" الأسود، وما فعلوه في غزوة الخندق منه ببعيد، وكأني ببني قريظة وزعمائهم في تلك اللحظة وقد تعلقت أعينهم بشفاه سعد، وقد زاد اصفرار وجوههم، وعلت ضربات قلوبهم، وتملكتهم مشاعر متضاربة، بين يأس ورجاء، أمل وألم، وكيف لا وهي آخر فرصة لهم تحددها كلمات سعد؟ وها هو سعد يعود من رحلة ذكرياته إلى واقعه المعيش ليطهر المدينة من دنسهم إلى يوم الدين، فيقول: ((إني أرى أن يُقتل مقاتلوهم، وتُسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم))، فيثبت النبي الكريم حكمه ويقره قائلًا: «حكمتَ بحكم الله»، لتطويَ كلمات سعد التي أجراها الله على لسانه صفحة من صفحات الغدر والخسة والخيانة، وتفتح للمسلمين آفاقًا جديدة في ظل مدينتهم الميمونة.

 

وفي إحدى زيارات النبي الكريم وعياداته سعدًا يجده في لحظاته الأخيرة في هذه الدنيا، فيضع النبي الكريم رأس سعد في حجره، ويدعو الله له، ويحاول سعد بجهد جهيد أن يفتح عينيه لتكتحل بمرأى النبي الكريم، وليكون وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم آخر ما تبصر عيناه في هذه الدنيا قبل أن يسبق النبي إلى دار الخلد، ولكنه يشق على نفسه ليلقي على النبي السلام، ويودعه خير وداع، فيحرك لسانه قائلًا:

السلام عليك يا رسول الله، أما إني لأشهد أنك رسول الله.

ويلقي النبي على وجه سعد نظرة الوداع، وهو يقول: "هنيئًا لك أبا عمروٍ".

لتجد نفسك أيها القارئ الكريم تردد خلف النبي صلى الله عليه وسلم: "هنيئًا لك أبا عمروٍ".

 

رحل سعدٌ، ولكن ذكراه تظل عطرًا تتعطر به الأيام والليالي على مر الزمن، رحل سعد ولكن مواقفه تظل مثالًا للعزة والشموخ، ونبراسًا للكرامة والإباء، وقدوة لأصحاب العزائم والهمم.

 

أليس سعد وإخوانه من الصحابة الكرام، ومن تبعهم من التابعين وتابعيهم أجدرَ بأن يمثِّلوا القدوة والمثل لأبنائنا وأحفادنا؟ أليس من الأولى أن تعرض سيرهم بأسلوب مشوق ممتع؛ كي يقتدي بهم جيل ابتعدت عنه تلك النماذج الفريدة لتحل محلها نماذج شوهاء؟ أليس من الأجدى أن نحوطهم بسِيَرِ هؤلاء الأبطال، وأن نستخلص منها الدروس والعبر التي تفيدهم في حياتهم فنحصنهم ضد هذا السيل الجارف الذي تضخه تلك السماوات المفتوحة، والعالم الأزرق؟!

 

إن في تقليب صفحات الصحابة الكرام فوائد جمة، ومنافع عظيمة تساعد على خلق جيل ناضج اجتماعيًّا، سويٍّ نفسيًّا، ناجح عمليًّا، مفيدٍ لدينه ووطنه وأمته، فلنكتب عن هؤلاء بأسلوب بسيط يناسب أعمار النشء واليافعين؛ حتى لا تتبدل القيم، ولا تنحرف البوصلة عن تلك القدوات الحقيقية التي إن استلهمناها جنينا حلوَ الجني؛ ثمارًا يانعات، تقر بها عيون الآباء والأمهات، فهل نفعل؟

___________________________________________

الكاتب: د. عبدالمنعم مجاور