فليحذر أرباب الأموال إذا ضنوا بها من صولة المال غدا

يظن كثير من الناس أن البخل بالمالِ حفظٌ له من الضياعِ، ولأن بذله في وجوه الخيرِ إتلاف له، وإن معرفةَ حقِ اللهِ تعالى فيه إسرافٌ وتبذيرٌ، ونسي هؤلاء أو تناسوا أنَّ لا تُنقصه الصدقات وأنَّهُ يزكوا على الإنفاقِ قال ﷺ: «مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ».

  • التصنيفات: - آفاق الشريعة - نصائح ومواعظ -

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.[1]

 

تأمل قولَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ}، يظن كثير من الناس أن البخل بالمالِ حفظٌ له من الضياعِ، ولأن بذله في وجوه الخيرِ إتلاف له، وإن معرفةَ حقِ اللهِ تعالى فيه إسرافٌ وتبذيرٌ، ونسي هؤلاء أو تناسوا أنَّ لا تُنقصه الصدقات وأنَّهُ يزكوا على الإنفاقِ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ».[2]

 

وأنَّ أجرَ المتصدق لا يزال في نماءٍ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ}.[3]

 

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ».[4]

 

ذلك الخير الذي في بذله أما الشر في البخلِ بِهِ فإنهم سَيُطَوَّقُونَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أي: يُجْعَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ طَوْقًا مِنْ نَارٍ، وهذا لون واحدٌ من ألوان العذاب بالمال إذا منع صاحبه زكاته.

 

وكفى بذلك عذابًا، أمَّا العلة في أنه يطوقُ به فلأنَّهُ كان عبدًا لماله في الدنيا فيأتى في الآخرة في أحقرِ صورةٍ من صورِ العبوديةِ، في صورةِ العبدِ الذي وُضِعَ الغُلُّ في عنقهِ، والجزاءُ من جنس العملِ.

 

ومن ألوان العذاب بالمالِ يَوْمَ القِيَامَةِ أن ينقلبَ المالُ شُجَاعًا أَقْرَعَ يلتهم صَاحِبَهُ التهامًا؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ، فَيَطْلُبُهُ وَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ، قَالَ: وَاللَّهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ، حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ».[5]

 

فليَحذَر أربابُ الأموال إذا ضنُّوا بها من صولة المال غدًا!

 


[1] سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: الْآيَة/ 180.

[2] رواه أحمد- حديث رقم: 18031، والترمذي- أَبْوَابُ الزُّهْدِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَابُ مَا جَاءَ مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ، حديث رقم: 2325، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ، بسند صحيح.

[3] سُورَةُ الرَّومِ: الْآيَة/ 39.

[4] رواه البخاري- كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ، وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ، لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 277]، حديث رقم: 1410، ومسلم - كِتَاب الزَّكَاةِ، بَابُ قَبُولِ الصَّدَقَةِ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ وَتَرْبِيَتِهَا، حديث رقم: 1014.

[5] رواه البخاري - كِتَابُ الحِيَلِ، بَابٌ فِي الزَّكَاةِ وَأَنْ لاَ يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلاَ يُجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، حديث رقم: 6957.

____________________________________________________

الكاتب: سعيد مصطفى دياب