أبناؤنا أمانة

على الأهل أنْ يبدؤوا منذ الصغر، بالتربية والتوعية فهي كالنقش على الحجر، فاختيار الصُّحْبة للأبناء في المدْرسة، ضمانٌ مِن الضياع والوسْوسة...

  • التصنيفات: التربية والأسرة المسلمة - تربية الأبناء في الإسلام -

لقد تعدَّدت الحكَم والأمثال، التي تصِف الإنسانَ في كل حال، ولقد جاءت الآيات البيِّنات فيها مقصد ومنال، فقد خَلَق اللهُ الإنسانَ وجعل له بنين وبنات، وجعل في هذه الحياة كثيرًا مِن العِبَر والعِظات، فالإنسان بطَبْعه يُحب التآلُف والتعارُف، ويَكره التباغُض والتخالُف، فإما أن يكون ذاك الخِلُّ سببًا في السعادة والهناء، أو سببًا في التعاسة والشَّقاء، فكما يُقال: الصاحِب ساحب، فكيفما كان فإنَّه يؤثر على صاحبه ذلك الصاحب، إنْ كان خيِّرًا فخيره على الصاحب يعمّ، وإنْ كان سيِّئًا فشرُّه على الصاحب كالسُّمّ، فكم مِنْ صاحبٍ أصبح أخا! وكم مِن صاحبٍ قد نصب لصاحبه فخّا!

 

فعن أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامَك إلا تقيٌّ» [1].

 

وليست الحياة كما كانت فقد كثُرَت فيها المصالح، بما فيها مِن شرٍّ ومن طالح، فمنهم مَن يَبني الصداقة على المصلحة، ومنهم مَن يبني الصداقة على الأُخوة الصالحة، وهذه العلاقة على المجتمع تنعكس، فإنْ كانتْ على التآخِي مبنيَّة، كان المجتمعُ في سعادةٍ وهذه هي الأُمنيَّة، وإنْ كانت قائمةً على الكذب والخداع، لأصبح المجتمع يُعاني مِن التعَب والصداع، ولذلك كان على الأهل أنْ يبدؤوا منذ الصغر، بالتربية والتوعية فهي كالنقش على الحجر، فاختيار الصُّحْبة للأبناء في المدْرسة، ضمانٌ مِن الضياع والوسْوسة، فكلُّ طفل قد ينقُل إلى أقرانه ما يجري في البيت مِن عادات، وقد تكُون سيئة أو فيها كثيرٌ منَ الزلَّات، فالحذرَ مِن ذلك الحذر، فهو بذلك شرٌّ مستطر.

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرجُل على دِين خليله، فلينظر أحدُكم مَن يُخالل» [2].

 

وعلى المعلِّم في المدرسة، مُهمَّة جليلة ومُقدَّسة، ليس فيها العِلم "مجرَّد"، إنما معه تربيةٌ وبناءُ جيلٍ صالح فيه القيَم مغروسة فالعِلم بالتربية مُقيَّد، وفيما مضى كان يُقال عن عالِمٍ: ما أدبه فلان! فالعِلم والتربية يرتبطان، ففي البيت لا تدَعوا التربية للخادمة الأجنبية، فأين أنتِ أيتها الأمُّ مِن هذه المسؤولية؟! وأين أنتَ أيها الوالد مِن المسألة والقضية؟! ليست الحياةُ مجرَّد جمْع مالٍ ورحلات وتسلية، إنما هي واجبات وتضْحية، فالأب للأسرة عِماد، والأمُّ يقع على كاهلها حُسن إدارة المنزل بالحب والوداد، فعلى كلٍّ يقع الدَّور ليس على أحدهما فقط، فإنْ تُرِك فعِقْد الأسرةِ قد انفرط، وانحرف مَن انحرف، أو إلى المهالك قد انْجَرَف، وأصبح الصغيرُ والكبير مِن لدُن نفِسه يتصرف.

 

عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا كُلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيَّته؛ فالأمير الذي على الناس راعٍ عليهم، وهو مسؤول عنهم، والرجُل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعْلِها وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راعٍ على مال سيِّده، وهو مسؤول عنه؛ فكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته» [3].

 

ففي المدرسة صُنوفٌ مِن الناس تختلف عن بعضها في التربية، وفي تنشئة الطفل والتوعية، فمنهم مَن يدَع العِنان للطفل أو الشاب، دون توجيه أو استيعاب، وهنا تكمُن المشكلة والبليَّة، فترى الأطفال يأتون بكلمات نابية، وألفاظٍ في البيت لا تُلفَظ، مِن فُحش القَوْل والفِعْل الفَظِّ، فمِن أين هي إذًا؟ إنما هي مكتَسَبة مِن المجتمع، الذي فيه يدْرسون ودور المدرسة في كل هذا يقع، فعلى القيَم يجب أن يُحَافظ مِن المُرَبِّي أو المُرَبِّيَة، بالحكمة والأساليب الواعية، فالفساد ما أبشع أن ينتشر! والبلاء ما أفظع أن يَعُم! والكل لا يريد ذلك، فلات ساعة مندم، فطالب مشاغبٌ ينشر سُوء تربيته في الصف، وكثير مَن يكتسب هذا الوصْف، أو بنت سيئة المنبت، تجعل هذا الخُلُق السَّيِّئ بين البنات ينْبُت، وخصوصًا أن الرذيلة انتشرت الآن، مع تطوُّر التقنية، وتصبح بين الأيدي في ثوان، فعلى الأهل ألَّا يَدَعُوا الحبْل على الغارب، ولو نبت لذلك الطفل شارب، ولا يُدرك الأهلُ هذه المخاطر، إلا عندما تكون الكارثة قد وقعتْ وهي كالعُضال في الجسَد سائر، وهذا بسبب أن الأهل تركوا مُهمة التربية للخدَم، أو أهملوا كثيرًا مِمَّا الله قد حرَّم، فيا رب سلِّم، فأنتَ بالحال أعلَم.

 

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6].

فترى بعضَ الشباب، يَلبسون أَغرَبَ الثِّياب، بدعوى مُواكبة العصر، وهذا أدهى وأمرّ، فالتقليدُ في هذه المسائل أعمَى، فتنتشر بين الشباب بشكل عجيب، يُثير القلق والريب، بتقليد أحد الفُسَّاق الأجانب، الذي يدعو إلى الانحلال وما يجر هذا التقليد إلا الخيبة في الحياة مِن كلِّ جانب.

 

فهذه الثياب المُمزَّقة، وما عليها مِن صورٍ مخيفة ومُقلقة، لأحد المشاهير، في الشرق أو الغرب وهو في مجتمِعه مغمور وحقير.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سُنة مَن كان قبلكم، باعًا بباع، وذراعًا بذراع، وشبرًا بشبر، حتى لو دخلوا في جحر ضبٍّ لدَخَلْتم فيه»، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمَن إذًا» ؟!))[4].

 

والاهتمام بهذه التُّرَّهات منتشر بين أهْل اللهو والمجُون، وهذا ضرْب مِن ضروب الجنُون، فالمُغَنِّي فلان ابتكَر قَصةً لِشَعْره، واتخذ أبذأ الألفاظ لغنائه وشِعره، فهي رائجة بين الشباب وأصبحَت بينهم شيئًا "مسلَّم"، وتأبى البهائمُ قصها فكيف بمَن اللهُ قد كرَّم؟!

 

قال الله تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70].

 

أمَّا ثياب البنات فكانت محتشمة، وأصبحتْ قدوتهن الفنانة فلانة، التي ارتدت الحجاب فقد أصبحَت ملتزمة، فيا للأسف لقد صمَّمَ لها الأجانب حجابها وثيابها! لِتُصْبح قدوة هدَّامة تفتح للشرِّ أبوابها، فأيُّ حجاب حجابها؟! لا لغةً إطلاقُ اللفظ على هذه الرقعة حجابًا ينفع، ولا شرعًا هذا التزام فقد ضرَّ أكثر مِمَّا نفع - طبعًا الله يقبل التوبة، ولكن نتكلم على مَن لم تختلف حياتُه مع ادعائه التوبة - أفَمثلُ هؤلاء أصبحوا لأبنائنا قدوة؟! ألهذا الحدِّ العقولُ مشوَّهة تريد التمرُّد بالقوة؟!

 

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء مع مَن أَحَبَّ» [5].

فانظر أخي كيف يكون المآل، إمَّا مع النبي والصحب والآل، أو مع أهل الفجور والانحلال، وأنتِ يا أختي إما مع أمَّهات المؤمنين والصحابيات، أو مع الفاسقات المغنيات.

قال الله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10].

 

فليتخيَّر كلُّ شخص مَن يكُون له في الحياة خلاًّ، فيكون بصحبته سعيدًا، أو يكُون له شقاء وذلًّا، فصحبة التقيِّ هناء، وصحبة الشقيِّ شقاء.

___________________________________________________

الكاتب: همام محمد الجرف