اليد العليا خير من اليد السفلى

عبد الله بن حمود الفريح

قال ﷺ «إِنَّ هذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى».

  • التصنيفات: الحديث وعلومه - فقه الزكاة -

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ».

 

وعن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَوْ خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ».

 

وعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى».

 

وفي حديث مُعَاوِيَةَ عند مسلم قال رَسُولُ اللّهِ: «لاَ تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ، فَوَاللّهِ لاَ يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا، فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا، وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ، فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ».

 

وفي رواية للبخاري: قال حكيمُ: فقلتُ يا رسولَ اللهِ، والذي بعَثَكَ بالحقِّ، لا أرْزَأُ أحدًا بعدَكَ شيئًا حتى أفارقَ الدُّنيا، فكانَ أبو بكرٍ يَدْعو حَكيمًا ليُعطيَهُ العَطاءَ، فيأبى أن يَقبَلَ منهُ شيئًا، ثمَّ إنَّ عمرَ دَعاهُ ليُعطِيَهُ فأبى أن يَقبَلَهُ، فقال: يا معشرَ المسلمين، إني أعرِضُ عليهِ حقَّهُ الذي قسم اللهُ لهُ من هذا الفَيء، فأبى أن يأخذَهُ، فلم يَرْزَأ حكيمٌ أحدًا منَ الناسِ بعدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حتّى تُوُفِّيَ رَحِمَهُ الله».

 

شرح ألفاظ الأحاديث:

«الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»: جاء معنى ذلك في بقية الحديث؛ حيث قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ».

 

«عَنْ ظَهْرِ غِنًى»: أي ما كان المتصدق به غير محتاج إليه لنفقة عياله وأهله ونفسه من سداد دين ونحوه، وكلمة (ظَهْرِ) ذكر الخطابي - رحمه الله - تزاد في مثل هذا إشباعًا للكلام، وعليه فالمعنى أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غنى يعتمده صاحبها، ويستظهر به على مصالحه وحوائجه لنفسه وأهله وعياله، ولذا قال بعدها: «وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»؛ أي في الإعطاء والإنفاق ابدأ بأهل بيتك الذين تنفق عليهم؛ [انظر الفتح حديث (1427)، وانظر شرح النووي لمسلم حديث (1034)].

 

«إِنَّ هذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَة»: (خَضِرَةٌ) خبر إن، وجاء مؤنثًا مع أن (الْمَالَ) مذكر، ومن سياق الكلام أن يقول: (إن هذا المال أخضر حلو)، ولكنها جاءت مؤنثة؛ لأن الدنيا مؤنثة، وشبه المال في الرغبة فيه والميل إليه بالفاكهة الخضراء الحلوة المستلذة، فالخضر مرغوب على انفراده، وكذا الحلو مرغوب فيه، فكيف إذا اجتمعا، ولكنهما كما أن الدنيا لا تراد للبقاء فكذلك الخضروات لا تبقى.

 

«وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ»: أي أخذه بعد سؤال وإلحاح وشره، وتعرض وتطلع للمال، وعكسه من يأخذه بطيب نفس، وقيل في تفسير «وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ» احتمالان: الأول: أنه عائد على الآخذ، فالمعنى عكس ما تقدم كأن يأخذه من غير سؤال ولا إشراف وتطلع له، والثاني: أنه عائد على الدافع، فالمعنى أن يكون بالدفع منشرحًا طيب النفس بالدفع لا بعد السؤال تضطر نفسه للدفع فيه.

 

«وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ»: هو الذي به داء لا يشبع بسببه، ويسمى جوعه كاذبًا؛ لأنه من علة به وسقم.

 

«لاَ تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ»: الإلحاف: الإلحاح؛ أي لا تلحوا في المسالة.

 

((لا أرْزَأُ أحدًَا بعدَكَ شيئًا)): (أرْزَأُ): بفتح الهمزة الأولى والزاي وإسكان الراء، والمعنى: لا أنقص من أحد ماله بالطلب منه، ولم يأخذ حكيم بن حزام - رضي الله عنه - من عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع أنه يعرض عليه حقَّه من الفيء؛ لأن حكيمًا - رضي الله عنه -أراد أن يؤدِّب يده ويفطمها على عدم الأخذ، ويربي نفسه على ذلك، مع أن الحق له لئلا تتجاوز إلى أخذ شيء آخر.

 

من فوائد الحديث:

الفائدة الأولى: حديث حكيم بن حزام - رضي الله عنه – دليلٌ على أن الصدقة ما كان عن سعة وغنى، وذلك بأن يبدأ بمن يعول كأهله وأولاده، ثم يتصدق بعد ذلك على البعيدين، وهذا يغفل عنه بعض من يجتهد في البحث عن الفقراء والمساكين، ظانًّا أنه لا يؤجر على نفقته على أهله وأولاده، وهذا من قلة الفقه، بل النفقة عليهم مقدَّمة؛ لأنها واجبة تُنتظر منه بخلاف غيرهم، وتقدم بيان ذلك، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219]، والعفو: هو ما فضل وزاد عن الحاجة كما قاله غير واحد من السلف؛ [انظر تفسير ابن كثير في آية البقرة رقم (219)].

 

الفائدة الثانية: حديث ابن عمر - رضي الله عنهما – دليلٌ على استحباب التعفف عما في أيدي الناس، وألا يؤخذ المال إلا بطيب نفس، فلا سؤال ولا إلحاح ولا إشراف، بل بتوكل على الله تعالى بأن يستعف عن ذلك حتى يعفه الله ويغنيه، ومن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى»؛ (رواه مسلم من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه).

 

الفائدة الثالثة: في الأحاديث دلالة على فضل اليد العليا على اليد السفلى، واختلف في تفسيرهما على أقوال، والصواب أن السنة تفسر السنة، هذا هو الأحق، وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن اليد العليا المنفقة واليد السفلى هي السائلة، ومن مجموع الأحاديث يمكن أن يقال: الأيدي أربع أفضلها المنفقة، ثم اليد المتعففة ثم اليد الآخذة بغير سؤال، وأسفل الأيدي اليد السائلة للمال المتعرضة له، وكذلك اليد المانعة من الإنفاق، فاليد التي لا تنفق يد سفلى؛ [انظر الفتح حديث (1426)].

 

الفائدة الرابعة:في حديث حكيم بن حزام - رضي الله عنه – وتكرار سؤاله للنبي -صلى الله عليه وسلم- وإرشاد النبي -صلى الله عليه وسلم- له عدة لفتات تربوية:

الأولى: يؤخذ من تصرف النبي - صلى الله عليه وسلم – مع حكيم - رضي الله عنه – أن المربي والمعلم ينبغي له ألا يبيَّن للطالب ما في تصرفه من مفسدة إلا بعد قضاء حاجته إن لم يترتب عليها محظور شرعي، فيبادره أولًا بما يريد وإن كان خلاف الأفضل، ثم يبيِّن له لتقع الموعظة والتوجيه في قلبه، ولأن لا يظنَّ أن ذلك سببٌ في منعه لحاجته مع ما في ذلك من جبر لخاطره.

 

الثانية: أنه ينبغي للمربي أن يبيِّن للطالب، ويوضح له مراده بأقرب صورة، وهذا من حسن التعليم، وهذا يؤخذ من توضيح النبي - صلى الله عليه وسلم – لأصحابه كيف تكون نزع البركة، وذلك بضرب مثال محسوس، فقال: «كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ»؛ أي: إنه لا ينتفع بما عنده ولو كان كثيرًا لنزع البركة منه.

 

الثالثة: في تربية حكيم - رضي الله عنه - لنفسه وعدم سؤاله أحدًا شيئًا حتى مات، أروعُ الأمثلة في تهذيب النفس وتربيتها على ما يخالف هواها، وهكذا ينبغي للمسلم وطالب العلم على وجه الخصوص أن يحمل نفسه ويربِّيها على ما يخالف هواها، وهكذا ينبغي للمسلم وطالب العلم على وجه الخصوص أن يحمل نفسه ويربيها على ما يخالف هواها إن كان مفضولًا، ويحجم شهواتها ملتمسًا بذلك ما يرفع همتها، ويعلي شأنها، وهكذا كان حكيم - رضي الله عنه – وهذا من علو همته حيث التزم ما وعد به النبي - صلى الله عليه وسلم.

 

الفائدة الخامسة: في حديث حكيم - رضي الله عنه - بيان أن العبد يلتمس البركة في المال قبل كثرته؛ لأن المبارك وإن كان قليلًا، فمنفعته أعظم، وبكثيرٍ من المال الكثير حينما تنزع منه البركة، فليست الفائدة في عين المال وكثرته، وإنما فيما يتحصل فيه من منفعة وبركة، وتأمل قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ»، فأي فائدة يجتنيها من يأكل ولا يشبع، فهو حتى وإن كثر أكله فلن ينتفع، وهكذا من كثر ماله ونزعت منه البركة، وهذا في واقعنا مشاهد وملموس، فكم من شخص يقبض عائدًا ماليًّا كل شهر، ولا يدري كيف يذهب عنه هذا المال لقلة البركة فيه، وآخر منه بكثير بورك له فيه، فالعبرة بالبركة لا بالكثرة، وما أكثر من يغفل عن هذا.

 

مستلة من إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم (كتاب الزكاة)