الحرب النووية بين الأرثوذكسية والبروتستانتية

عامر عبد المنعم

العالم اليوم يقترب من الجنون، وكما هو معلن لن يتورع الطرفان عن استخدام السلاح النووي، بل يظن كل منهما أنه سيتحكم في مصير الأرض

  • التصنيفات: أحداث عالمية وقضايا سياسية -

 

عندما كان زعماء الأصولية الإنجيلية الأمريكية يدعون في السبعينيات من القرن الماضي إلى استخدام السلاح النووي لتدمير جيوش الشر التي تضم روسيا والعرب فيما يعرف بحروب نهاية الزمان للتعجيل بعودة المسيح، كنا نظن أنها أوهام ومبالغات غير ممكنة من اليمين المتطرف، لكن اليوم بدأ الروس يرددون كلاما مشابها ويلوحون باستخدام النووي لتدمير جيش الشر الأطلسي بزعامة أمريكا وبريطانيا!

مع عجز الجيش الروسي عن تحقيق انتصار في أوكرانيا بدأ بوتين وكبار القادة الروس يلوحون باستخدام السلاح النووي ويهددون بمحو عواصم غربية من الوجود، وفي المقابل حذر حلف الناتو بالرد على أي خطوة في هذا الاتجاه، وحركت أمريكا طائرة “يوم القيامة” التي تدير الحرب النووية من الجو!

التصعيد النووي من الطرفين يكشف خطورة لعبة الهيمنة التي تتصارع عليها روسيا مع حلف الأطلسي لحكم العالم، فالولايات المتحدة لا تريد الاقتناع بأن انفرادها بالزعامة قد انتهى مع صعود قوى عالمية جديدة، والروس من ناحيتهم يريدون استعادة الإمبراطورية الروسية الأرثوذكسية وحكم أوربا وآسيا فيما يعرف بأوراسيا.

أوراسيا

منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ظهرت في روسيا فكرة استعادة الإمبراطورية ولكن بتصور جديد، وطرح تيار من المفكرين فكرة روسيا الأوراسية، وصدرت الكتب والمؤلفات التي تؤصل لهذه النظرية، ومن أبرز زعماء هذا التيار ألكسندر دوغين الذي ترجم أفكاره بتشكيل منظمات وكيانات محلية ودولية وإعطاء النظرية الأوراسية بعدا عالميا مثاليا، حتى أصبح عقل بوتين كما يقول عنه خصومه الغربيون.

يشير ألكسندر دوغين في كتابيه “الخلاص من الغرب” و “أساسيات الجيوبوليتيك: مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي” إلى أن الأوراسية هي المنطقة الممتدة بين أوربا وآسيا وتشمل حضارات أربع هي: الروسية، الصينية، الهندية، والإيرانية (كممثلة للحضارة الإسلامية) ووصفها بأنها حضارات أرضية ترتبط باليابسة، ويقول إنها في صراع مع الحضارات البحرية الأطلسية التي تقودها بريطانيا وفرنسا قديما، والآن أمريكا.

ويرى دوغين أن الشعب الروسي مخلص لمهمته التاريخية؛ فروسيا بتاريخها الأرثوذكسي وكونها روما الثالثة بعد سقوط القسطنطينية مقدر لها أن تصبح زعيمة البديل الأوربي الآسيوي الجديد ضد النظام العالمي الأطلسي والعولمة وأحادية القطب.

ملخص نظرية دوغين والتيار الأوراسي أن تسيطر روسيا على أوربا وآسيا وتقتسم العالم مع الحلف الأطلسي رغم كثرة الحديث عن تعدد الأقطاب، أي يعود العالم إلى الثنائية القطبية مرة أخرى، ويؤكد دوغين ودعاة الأوراسية احترام روسيا للحضارات الأخرى ما عدا العالم الإسلامي؛ فالروس لا يقبلون التحالف إلا مع إيران والشيعة!

من حق التيار الأوراسي أن يطرح نظريته وأفكاره كما يريد ويتصور، لكن الأخطر أنه يهدد بتدمير العالم إذا لم تنجح روسيا في تنفيذ الخطة الأوراسية في أوكرانيا، وكأن أرواح البشر لا قيمة لها.

النووي الأوراسي

لوح الرئيس بوتين أكثر من مرة باستخدام السلاح النووي، وكذلك فعل قادة الكرملين إلا أن  تهديد ألكسندر دوغين بتدمير العالم إذا لم تنتصر روسيا في حواره مع قناة الجزيرة كان أكثر وضوحا وعدوانية، إذ قال كلاما لا يقل تطرفا عن دعاة اليمين الأمريكي أصحاب نظرية حرب هرمجدون النووية التي سيموت فيها الملايين.

قال دوغين إن “العملية العسكرية الحالية بالنسبة لروسيا هي وجودنا أو عدم وجودنا..أكون أو لا أكون.. لا نفكر في احتمالية الهزيمة، وإذا حدثت فلن يكون هنا بوتين ولا روسيا ولن يكون هناك عالم”.

وأضاف دوغين في حواره : “إما ننتصر وإما زوال العالم بأكمله.. من دون روسيا ليس ثمة بشرية وإذا ما أردت أن تعيش على هذه الأرض يجب أن تقبل بروسيا عظيمة ذات سيادة مستقلة”.

وختم دوغين تهديده بقوله ” إن وجود البشرية من دون روسيا مستقلة أمر محال..لقد قال بوتين: ما قيمة العالم بلا روسيا؟!”

إن تهديدات الروس الأوراسيين باستخدام السلاح النووي أعظم هدية يقدمونها لليمين الأمريكي المتطرف وللدعاة الإنجيليين من أنصار الابادة النووية الذين ينتظرون لحظة تدمير العالم.

معركة هرمجدون

منذ سبعينيات القرن الماضي شهدت الولايات المتحدة صعود الإنجيليين الصهيونيين الذين يعتقدون أنه مالم تقم حرب نووية في هرمجدون بين قوى الخير ممثلة في الولايات المتحدة وحلفائها، وقوى الشر ممثلة في روسيا وحلفائها فلن يعود المسيح ولن يكون هناك سلام على الأرض.

تتكون كلمة هرمجدون من “هار” ومعناها جبل و”مجيدو” مدينة استراتيجية تقع في مرج بني عامر بشمال فلسطين على الطريق الساحلي، وتأتي أهميتها من أنها تربط الأراضي السورية بفلسطين، وبها تمر الجيوش والقوافل من قديم الزمان، ووقعت بها معارك كبرى بسبب موقعها.

يعتقد الإنجيليون أن الكتاب المقدس يتنبا بالعودة الحتمية الثانية للمسيح بعد مرحلة الحرب النووية العالمية، وأن المسيحيين المخلصين سوف يُرفعون ماديا من كل وجه الأرض ويجتمعون بالمسيح في الهواء، ومن هذه النقطة سوف يراقبون بسلام الحروب النووية، وفي نهاية المحنة سيعود هؤلاء المسيحيون المولودون ثانية مع المسيح كقائد عسكري لخوض معركة هرمجدون ولتدمير أعداء الله ومن ثم ليحكموا الأرض لمدة ألف سنة!

وضمن موجة ترويج هذه الأفكار أصدر المؤلف الإنجيلي هول لندسي كتابا بعنوان ” آخر أعظم كرة أرضية” بِيع منه الملايين، زعم فيه أن الحرب النووية في هرمجدون هي خطة الله من أجل نزول المسيح لخلاص العالم.

ما قاله هول لندسي ردد مثله جيري فالويل وجيمي سواغارت وبات روبرتسون الذين اعتنقوا نظرية الإبادة النووية، التي سيقتل فيها الملايين وحسب نصوص الإنجيل والتوراة سيملأ الدم الشوارع ويصل”إلى رقاب الخيل”.

في كتاب لجيري فالويل بعنوان “الحرب النووية والمجيء الثاني لعيسى المسيح” الذي نشر في 1983 كتب فصلا بعنوان “الحرب القادمة مع روسيا” قال فيه إن روسيا ستكون المهاجم وسوف تدمر تدميرا كاملا، وقد أفاضت غريس هالسل كاتبة خطب الرئيس الأمريكي الأسبق ليندون جونسون في كتابيها “النبوءة والسياسة” و”يد الله” في تناول هذه الأفكار التدميرية.

الملاحظ أنه لا خلاف بين الأمريكيين المتدينين والأمريكيين العلمانيين؛ فهم سواء في اعتناق عقيدة حروب نهاية الزمان، ولا فرق بين آراء جيري فالويل وبات روبرتسون وغيرهما من قادة اليمين المسيحي، وآراء مفكرين علمانيين مثل فرانسيس فوكوياما صاحب “نهاية التاريخ” وصمويل هنتنجتون صاحب “صدام الحضارات” فالفريق الأول يؤصل لحرب هرمجدون برؤية دينية بينما يتبنى الفريق الثاني ذات العقيدة ولكن برؤية علمانية.

***

العالم اليوم يقترب من الجنون، وكما هو معلن لن يتورع الطرفان عن استخدام السلاح النووي، بل يظن كل منهما أنه سيتحكم في مصير الأرض، لكن يفوتهم أن حساباتهم بشرية، وأن هناك من سبقهم بذات المنطق وقال: “من أكثر منا قوة” فكانت نهايته تحت الأرض، وسقطت إمبراطوريات ودول كانت تظن أنها خالدة وولدت أخرى، واستمرت الحياة إلى الأجل الذي قدره الله خالق الكون.

 

  • عامر عبد المنعم

    صحفي وكاتب مصري، شغل موقع مساعد رئيس تحرير جريدة الشعب، ورئيس تحرير الشعب الالكترونية.