أهل النفاق 2: يخادعون الله والذين آمنوا

أبو الهيثم محمد درويش

يظن المنافق أنه على أعلى درجات الذكاء , وأنه صاحب الفوز بدهائه وحيله المتكررة, فهو قادر على التحايل على جميع الأصعدة والظهور بكل الوجوه

  • التصنيفات: أعمال القلوب -

{يخادعون الله والذين آمنوا

يظن المنافق أنه على أعلى درجات الذكاء , وأنه صاحب الفوز بدهائه وحيله المتكررة, فهو قادر على التحايل على جميع الأصعدة والظهور بكل الوجوه, فهو كافر مع الكفار , مؤمن مع المؤمنين, يبطن الكفر ويظهر الإيمان , ويطعن الأمة في ظهرها ويشيع الشبهات ويروج الشهوات, ويظن أنه أمهر اللاعبين,وأن مصلحته فوق الجميع,  غافلاً عن نظر الله, ومسقطاً من حساباته قدرة الله عليه, ولا يعلم المغرور أن غروره ونفاقه يقوده إلى أسوء مصير إن لم يفق ويسارع بالتوبة, وإلا فهو في الدرك الأسفل من النار, وإن انطلت حيله على الناس فلن يفلت من الخالق العليم الخبير بحال من الأحوال.

قال ابن كثير رحمه الله :

( {يخادعون الله والذين آمنوا } ) أي : بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر ، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك ، وأن ذلك نافعهم عنده ، وأنه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين ، كما قال تعالى : ( {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون } ) [ المجادلة : 18 ] ؛ ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله : ( {وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون } ) يقول : وما يغرون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم ، وما يشعرون بذلك من أنفسهم ، كما قال تعالى : ( { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم } ) [ النساء : 142 ] .

ومن القراء من قرأ : " وما يخادعون إلا أنفسهم " ، وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد .

قال العلامة السعدي في تفسيره:

والمخادعة: أن يظهر المخادع لمن يخادعه شيئا, ويبطن خلافه لكي يتمكن من مقصوده ممن يخادع، فهؤلاء المنافقون, سلكوا مع الله وعباده هذا المسلك, فعاد خداعهم على أنفسهم، فإن هذا من العجائب؛ لأن المخادع, إما أن ينتج خداعه ويحصل له ما يريد أو يسلم, لا له ولا عليه، وهؤلاء عاد خداعهم عليهم, وكأنهم يعملون ما يعملون من المكر لإهلاك أنفسهم وإضرارها وكيدها؛ لأن الله تعالى لا يتضرر بخداعهم [شيئا] وعباده المؤمنون, لا يضرهم كيدهم شيئا، فلا يضر المؤمنين أن أظهر المنافقون الإيمان, فسلمت بذلك أموالهم وحقنت دماؤهم, وصار كيدهم في نحورهم, وحصل لهم بذلك الخزي والفضيحة في الدنيا, والحزن المستمر بسبب ما يحصل للمؤمنين من القوة والنصرة. ثم في الآخرة لهم العذاب الأليم الموجع المفجع, بسبب كذبهم وكفرهم وفجورهم, والحال أنهم من جهلهم وحماقتهم لا يشعرون بذلك.

#أبو_الهيثم