احفظ الله يحفظك

قالﷺ: «يا غُلَامُ إني أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إذا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لو اجْتَمَعَتْ على أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لم يَنْفَعُوكَ إلا بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ الله لك...»

  • التصنيفات: التقوى وحب الله - تربية النفس -

عن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كنت خَلْفَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فقال: «يا غُلَامُ إني أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إذا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لو اجْتَمَعَتْ على أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لم يَنْفَعُوكَ إلا بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ الله لك، وَلَوْ اجْتَمَعُوا على أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوكَ إلا بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» [1].

 

عباد الله، هذا حديثٌ عظيمٌ جليلٌ، اشتمل على أصول عظيمة من أصول الإسلام، حتى قال بعض العلماء: تدبرت هذا الحديث فأدهشني وكدت أطيش، فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث وقلة التفهم لمعناه[2].

 

أ- فأما قوله صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله)، فهو يعني حفظ حدوده وحقوقه، وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه إلى ما نهى عنه، فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم الله في كتابه بقوله: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق: 32-33]، هذا هو الحفظ العام، وقد أمر العبد بحفظ أعمال مخصوصة مثل:

1- الصلاة:  {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج: 34].

 

2- والطهارة: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يُحَافِظُ على الْوُضُوءِ إلا مُؤْمِنٌ» [3].

 

3- والأيمان: جمع يمين، وهو الحلف، قال تعالى بعد ذكر كفارة اليمين: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89].

 

4- والأمانات والعهود: قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المعارج: 32].

 

5- وجوارح الإنسان يجب أن يحفظها كلها عن الوقوع فيما حرم الله، وجاء الأمر بحفظ جوارح مخصوصة مثل: (اللسان، والبصر، والسمع، والفؤاد، والفرج)، قال تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولً} ا ﴾ [الإسراء: 36]، وقال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30]، وقال عز وجل: {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} ، وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} ، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يَضْمَنْ لي ما بين لَحْيَيْهِ وما بين رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ له الْجَنَّةَ» [4]، وأعظم ما يجب الحفاظ عليه هو القلب؛ لأنه إذا صلح صلح الجسد كلُّه، وإذا فسد فسد الجسد كلُّه، وحفظه يكون عن الشرك بالله في التوكل والرغبة والرهبة والخوف والمحبة، وفي العمل لغير الله مثل الرياء والسمعة، وحفظه أيضًا عن أمراض الشبهات والشهوات.

 

وأعظم الحفظ التثبيت على دين الله والعصمة من الضلال والانحراف، قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27].

 

ب- وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (يحفظك)، فيعني أن يكون الله حافظًا لك في دينك ودنياك، وفي قلبك وعقلك، وجسدك وروحك، وسائر حواسك وجوارحك، كما قال تعالى في الحديث القدسي: «وما يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إليّ بِالنَّوَافِلِ حتى أُحِبَّهُ، فإذا أَحْبَبْتُهُ كنت سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ التي يَبْطِشُ بها، وَرِجْلَهُ التي يَمْشِي بها، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ...» [5].

 

 ومنها الحفظ من الهلاك، انظر قصص إبراهيم عليه السلام وهو في النار، وهاجر وابنها في الوادي (غير ذي الزرع)، وموسى وقومه أمام فرعون، ويونس في بطن الحوت، ومحمد صلى الله عليه وسلم في الغار.

 

• وفي الأيتام والذرية: الأيتام الذين أقام الخضر جدارهم؛ قال تعالى: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف: 82]، قال ابن المنكدر: (إن الله يحفظ بالرجل الصالح ولده، وولد ولده، والدويرات التي حوله، فما يزالون في حفظ من الله وستر)[6].

 

 ومن ذلك حفظ البدن والجوارح؛ قال بعض العلماء: مَنْ حَفِظَ اللهَ في صباه وقوته؛ حَفِظَه اللهُ في حال كبره وضعف قوته، ومتعه بعقله وسمعه وبصره وحوله وقوته.

 

وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله، فوثب يومًا وثبة شديدة فعوتب في ذلك، فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر[7].

 

ج- قوله صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله تجده تجاهك»، معناه أن من حفظ حدود الله، وراعى حقوقه، وجد الله معه في كل أحواله؛ حيث توجه، يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128]، وقال قتادة: (من يتَّقِ اللهَ يَكُنْ معه، ومَنْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ فَمَعَهُ الفِئَةُ التي لا تُغْلَبُ، والحارسُ الذي لا ينامُ، والهادي الذي لا يَضِلُّ)[8].

 

والتقوى يا عباد الله هي نفسها حفظ الله، ولذلك رتّب الله عليها الجزاء العظيم في الدنيا والآخرة، ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29]، وقوله جل ذكره: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 2 - 3]، وقوله سبحانه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا * ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [الطلاق: 4- 5].

 

عباد الله، ثم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله..» إلخ.

 

يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسأل العبد ربه أن ينزل به حاجته؛ لأن الدعاء عمود العبادة، قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]، وسؤال غير الله إن كان فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهو شرك كما أشار إلى ذلك شرَّاح الحديث، ومجرد سؤالهم حتى فيما يقدرون عليه مذموم وخلاف الأَولى.

 


[1] رواه الترمذي 4/667 برقم 2516 وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

[2] جامع العلوم والحكم 1 / 185.

[3] رواه أحمد وابن ماجة والحاكم والبيهقي وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 952.

[4] رواه البخاري ( 5/2376)، برقم ( 6109).

[5] رواه البخاري 5 / 2384 برقم 6137.

[6] جامع العلوم والحكم 1 / 187.

[7] جامع العلوم والحكم 1 / 186.

[8] جامع العلوم والحكم 1 / 188، وحلية الأولياء 2 /340.

_______________________________________________________

الكاتب: الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم