أبو هريرة رضي الله عه فقير الدنيا غني الآخرة

محمد سيد حسين عبد الواحد

يقول عن نفسه رضى الله عنه  "صحبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين لم أكن في سنيّ أحرص على أن أعيَ الحديث مني فيهن".

  • التصنيفات: سير الصحابة -

أيها الإخوة الكرام: يقول رب العالمين سبحانه وتعالى  ﴿ {وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } ﴾ ﴿ { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَٰتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } ﴾

حتى تستقيم الحياة،  وحتى يتعاون الناس،  وحتى لا يستغني الإنسان عن أخيه الإنسان جرت سنة الله تعالى في عباده أن يتلفوا اختلاف ( تنوع) فاقتضت حكمته سبحانه وتعالى في بعض عباده أن يكونوا أغنياء،  واقتضت حكمته سبحانه وتعالى في بعض عباده أن يكونوا فقراء.. 

أما الأغنياء: فهؤلاء قد وسع الله عليهم..  فأعطاهم وجاد عليهم وسلمهم مفاتيح الفوز في الآخرة،  فبحسن استقبال النعمة وبحسن ضيافتها، وإنفاقها في وجوه الخير يكون صاحبها بأعلى وأرقى وأشرف المنازل في الآخرة.. 

[أخرج البخاري] « منْ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. قَالَ : " كَيْفَ ذَاكَ ؟ ". قَالَوا : صَلَّوْا كَمَا صَلَّيْنَا، وَجَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْنَا، وَأَنْفَقُوا مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، وَلَيْسَتْ لَنَا أَمْوَالٌ» .. 

أن تؤتى مالا ثم يعينك ربك على نفقته في وجوه الخير هذا سبب لأن تكون أحد أغنياء الآخرة كما كنت أحد أغنياء الدنيا... 

{ ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلْأَتْقَى ﴾﴿ ٱلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ ﴾ ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰٓ ﴾﴿ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ ﴾﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ ﴾ }

هذه الآيات نزلت في أبي بكر وفي عثمان وفي عبد الرحمن وفي غير من أصحاب الأموال من أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلّم.. 
رزقوا أموالا طائلة عاشوا بها في الدنيا أغنياء،  ورزقوا إنفاقها في إطعام الجائع وتفريج الهموم وفك الكروب فصاروا سادة أهل الجنة يوم القيامة.. 

وفي شأن أبي بكر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " « مَا لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلَّا وَقَدْ كَافَيْنَاهُ مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا ؛ لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ » ".

وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي كُمِّهِ حِينَ جَهَّزَ رسول الله جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَجعل يَنْثُرُهَا فِي حِجْرِهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ وَيَقُولُ : " مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ - مَرَّتَيْنِ ".

لكن ماذا عمن كان رزقه كفافا؟  ماذا عن الفقراء؟ 
أمثال السواد الاعظم من الناس،  وكان منهم زمان رسول الله أبو هريرة،  وبلال بن رباح،  وعمار بن ياسر،  وجليبيب،  وعبد الله ذو البجادين..؟ 

ماذا عمن منعهم الله تعالى نعمة المال..!! 
أيكونوا فقراء الدنيا وفقراء في الآخرة؟! 
منعوا في الدنيا الثراء،  منعوا الكثرة،  منعوا الوفرة،  فماذا عن آخرتهم؟! أيكونوا فقراء الدنيا وفقراء في الآخرة؟! 

إن العاقل هو الذي يجعل من البلية عطية.. 
العاقل من يحول المحنة إلى منحة.. 
العاقل لا يبكي على اللبن المسكوب،  لأنه سكب وانتهى والبكاء لن يعيده.. 
العاقل من يجعل من قلة ذات اليد سببا للتفرغ لأبواب أخرى من الخير،  قد يفوت الفقير باب الصدقة والنفقة في سبيل الله بسبب ( قلة ماله) لكنه يتفرغ لأبواب أخرى من الصالحات.. 

يتفرغ لصلة الرحم، يتفرغ لبر الوالدين، يتفرغ للدخول على إخوته وأخواته، يتفرغ للسعي الى بيوت الله، يتفرغ لعيادة المرضى، يتفرغ  لحفظ القرآن الكريم،  يتفرغ لمجالس العلم،  يتفرغ لصحبة الطيبين  .. 

وكم من صاحب مال وثراء ( مشغول)  بماله ( لا يحصل من ابواب الخير هذه إلا أقل القليل)  مشغول ب( الصادر والوارد) عن كثير من ابواب الخير،  فلا يات منها إلا القليل.. 

ما أود أن أقوله لك: 
هو أن الحكيم العليم سبحانه وتعالى بكامل قدرته وألوهيته وسلطانه وحكمته إن منعك بابا من الخير،  أعطاك وفتح لك من الخير أبوابا أخر فسبحانه وتعالى منعك ليعطيك ويرضيك،  ربما يكون قد سلب منك الدنيا لكنه أعطاك الآخرة.. 

أبو هريرة: 
أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم،  أحد أكبر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم، أبو هريرة،  أحد أشهر أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام،  رغم أنه لم يصحب رسول الله إلا ثلاث سنوات فقط.. 

يقول عن نفسه رضى الله عنه  "صحبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين لم أكن في سنيّ أحرص على أن أعيَ الحديث مني فيهن".

ما من كتاب يعنى بحديث النبي صلى الله عليه وسلّم، أو يستدل به  إلا وفيه ذكر أبي هريرة وما جامع ولا محراب ولا منبر في مسجد أو دار علم إلا إلا ويتردد فيه اسم أبي هريرة.. 
وما من طفل صغير ولا شيخ كبير إلا وهو يعرف أبا هريرة،  ويحب أبا هريرة ويحفظ أحاديث رواها أبو هريرة.. 

وما من كتيب ولا مجلد ولا موسوعة تعنى بالإسلام ومصالح المسلمين إلا وهى عامرة بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم حضرها وحفظها رواها عنه أبو هريرة.. 

وما يتكسب أحد حسنة من صلاة يصليها أو من معروف يبذله إلا ولأبي هريرة نصيب منه لأنه حضر وغاب غيره وحفظ ونسى غيره وبلغ ودل على الخير وسبق غيره.. 
وفي الحديث عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُبْدِعَ بِي ، فَاحْمِلْنِي. قَالَ : فَقَالَ : " لَيْسَ عِنْدِي ". قَالَ : فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ ؟ قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ ".

هل سألت نفسك يوما:  من أين حصل أبو هريرة كل هذه الشهرة من بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم  .. 

أتدري لماذا هو راوية الإسلام الأول ؟  ولم يكن راوية الإسلام أبو بكر أو عمر  أو عثمان ( مثلا )؟ 

لأن الله لم يشغله بالبيع والشراء،  لم يشغله بالدينار والدرهم،  لأن
 الله تعالى فرغه من الشواغل والملهيات،  وفرغه فقط لصحبة رسول الله وحضور المجالس وسماع الحديث وحفظ الآثار  فجمع في ثلاث سنوات مالم يجمعه غيره في ثلاث وعشرين سنة..  

وكأن الله تعالى ( منع) عن أبي هريرة المال و (أعطاه)  ما هو أعز منه وما هو أبقي منه اعطاه ( عطية) لا يشاركه فيها أحد من الأولين والآخرين وهي حفظ السنة القولية والعملية عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ.

أي أنه حفظ من رسول الله علما كثيرا لو فرغ في وعائين احدهما كبير والآخر أصغر منه لملأهما  أما الوعاء الكبير فنشره أبو هريرة وأما الآخر فكتمه لأنه يخص الفتن زمانها وأمرائها ( كتمه خوفا من القتل) فلما كانت آخر حياته رضي الله عنه حدث بالوعائين حتى لا يأثم.. 

كان أبو هريرة في الدنيا ( فقيرا معدما)  لكنه أحد أغنى أغنياء الآخرة بما حضر وحفظ وبلغ وأدى من حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلّم.. 

ورد عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :
 إِنَّكُمْ تَقُولُونَ : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَقُولُونَ : مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ؟ 

وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِي مِنَ الْأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ، أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ..

 وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ : " « إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، إِلَّا وَعَى مَا أَقُولُ ". فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ، حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ مِنْ شَيْءٍ» .

الشاهد: 
لا تجمع على نفسك فقر الدنيا والآخرة.. 
إن فاتتك الدنيا فلا تفتك الآخرة.. 
الدنيا متاعها قليل،  ظلها زائل ومتاعها حائل،  والآخرة خير وأبقى.. 

معيشتك في الدنيا بين الغنى والفقر بتقدير الله سبحانه وتعالى لا بيدك أنت.. 

أما الآخرة فالفوز فيها بفضل الله تعالى وبيديك أنت..

قال الله تعالى:   { ﴿ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾}

رحم الله أبا هريرة ورضي عنه وجزاه عنا وعن الإسلام خير الجزاء..