أبو محجن ومحاسبة النفس

محمد سيد حسين عبد الواحد

هذه الأطوار وهذه الأحوال في خلقة الانسان انعكست على طبيعة الإنسان فترى الإنسان متقلب الأحوال فتارة تراه طائعا قانتا وتارة تراه متأثما عاصيا وتارة تراه عالي الهمة وتارة تراه ساقط الهمة

  • التصنيفات: التقوى وحب الله -

أيها الإخوة الكرام: ورد في صحيح الجامع من حديث مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " « إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ ؛ جَاءَ مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ » ". 

لما اراد الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان الأول ( أصل البشر)  سيدنا آدم عليه السلام بعث جبريل عليه السلام في الأرض ليأتيه بطين منها ، فلما هم أن يقبض من ترابها قالت الأرض : أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني . فرجع جبريل ولم يأخذ منها شيئا . ورجع فقال : يا رب إنها عاذت بك فأعذتها . فبعث الله ميكائيل عليه السلام ، فعاذت منه ، فأعاذها ، فرجع ، فقال كما قال جبريل . فبعث الله  ملك الموت عليه السلام ، فقالت الأرض : أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني . فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره ، فأخذ من وجه الأرض وخلطه ، ولم يأخذ من مكان واحد ، وأخذ من تربة بيضاء ، وحمراء ، وسوداء ، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين ، فصعد به فبل التراب حتى عاد طينا لازبا.. 

هذه الآثار ما مفادها؟ 
مفاد هذه الآثار أن أصل خلقة الإنسان متقلبة من حال إلى حال لا تثبت على حال واحدة ( تراب وماء ثم طين ثم طين لازب ثم حمأ مسنون ثم صلصال كالفخار) أصل خلقة الإنسان متغيرة.. 

حتى الجنين في بطن أمه خلقته متقلبة ومتغيرة من طور إلى طوى ( من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم من عظام ثم من لحم ودم وعصب) 

هذه الأطوار وهذه الأحوال في خلقة الانسان انعكست على طبيعة الإنسان فترى الإنسان متقلب الأحوال فتارة تراه طائعا قانتا وتارة تراه متأثما عاصيا وتارة تراه عالي الهمة وتارة تراه ساقط الهمة، تارة تراه حازما، وتارة تراه مهملا، تارة تراه قريبا، وتارة تراه بعيدا... 

هذا الواقع تراه في جميع الناس ( يصيبون، ويخطئون، ويحسنون ويسيئون) كل الناس كذلك إلا الأنبياء والرسل عليهم السلام فإن الله تعالى يعصمهم من الزلل والخطأ.. 

المسلمون وغير المسلمين ( الناس اجمعون)  ( يحسنون ويسيئون، ويصيبون ويخطئون) المسلمون وغير المسلمين على حد سواء..  

إلا أن المسلمين يتميزون وينفردون عن عموم الناس ب( محاسبة النفس) فالمسلم نفسه ( لوامة) تلومه إن فعل خيرا لماذا لم تفعل من الخير أكثر، وتلومه إن فعل شرا لماذا فعلته..
 ومع محاسبة النفس التي تميز المسلم عن غيره يحضر الندم يحضر الألم يحضر الاستغفار تحضر التوبة والأوبة إلى الله سبحانه وتعالى.. 


{ ﴿ لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾﴿ وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾}  

«وعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ".  »

وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " «مَنْ دَانَ نَفْسَهُ » ". أي  : حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.. 

وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ، وَإِنَّمَا يَخِفُّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا.. 

وَيُرْوَى عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ : لَا يَكُونُ الْعَبْدُ تَقِيًّا حَتَّى يُحَاسِبَ نَفْسَهُ كَمَا يُحَاسِبُ شَرِيكَهُ مِنْ أَيْنَ مَطْعَمُهُ وَمَلْبَسُهُ.

ومع محاسبة النفس ومع الألم والندم تكون التوبة وتكون المغفرة من الله تعالى {﴿ إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾}

أبو محجن الثقفي..  احد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام،  قدم فأسلم مع وفد ثقيف بعد فتح مكة وكان فارسا هماما في الحرب لا يشق له غبار.. 

وكان رضى الله عنه مبتلى بالخمر فكان يشربها قبل إسلامه،  فلما أسلم ( أسلم وقد حرمت الخمر) ولأنه بشر وضعف نفسه وقوة شيطانه زلت قدمه فشربها.. 

وكان رضي الله عنه كلما زلت قدمه فشرب الخمر ( حاسب نفسه فندم واقبل تائبا) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقم عليه الحد ( ضربا بالنعال والجريد) 

وفي خلافة ابي بكر جعل ابو بكر يستعمل ( أبا محجن) لحكمته وقوته وعلو همته غير أنه في وقت من الأوقات زلت قدم أبي محجن فشرب خمرا فلما افاق وراجع نفسه أقبل إلى أبي بكر مقرا بذنبه تائبا إلى ربه فجلده أبو بكر ( أربعين جلدة) ثم عاد بعدها فشرب وحاسب نفسه وندم واقر بذنبه وجلد،  ثم عاد شرب وندم واقر بذنبه فجلد..  

فلما كان زمان عمر عاد أبو محجن فزلت قدمه فشرب فجلد، فأمر به عمر فنفاه إلى جزيرة في البحر  .. 

وبينما هو في الجزيرة إذ سمع ان عمر وجه جيشا إلى القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص يقاتل في سبيل الله فما كان من ابي محجن إلا أن هرب من الجزيرة  فلحق بالمسلمين يود ان يجاهد في سبيل الله فلما وصل القادسية زلت قدمه ثانية فشرب خمرا ولأن ( الحدود لا تقام في ارض العدو) ما كان من عمر إلا أن عزله وحبسه.. 

وبينما ابو محجن في محبسه وقيده إذ بدأت المعركة، وارتفعت أصوات الأبطال، وقعقعت السيوف والرماح، وتعالت أصوات الخيول!! وفتحت أبواب الجنة لتطير إليها أرواح الشهداء، وهنا راجع ابو محجن نفسه فاحترق قلبه وندم على ما كان منه وعرف أن شؤم المعصية هو الذي منعه الجهاد في سبيل الله.. 

فنادى أبو محجن على ( سلمى) زوج سعد بن أبي وقاص وقال لها: أسألك بالله يا سلمى! أن تفكي قيدي، وأن تدفعي لي سلاح سعد وفرس سعد؛ لأن سعدا قد أقعده المرض عن المشاركة في المعركة.. 

فرقت سلمى لحال أبي محجن، ففكت قيده، ودفعت له السلاح والفرس..

 وقال لها: إن قتلت فالحمد لله، وإن أحياني الله جل وعلا فلك على أن أعود إلى قيدي؛ لأضعه في رجلي بيدي مرة أخرى.. 

وانطلق أبو محجن، وتغير سير المعركة على يد بطل! على يد فارس! حتى قال سعد الذي جلس في عريش فوق مكان مرتفع؛ ليراقب سير المعركة، قال سعد: والله! لولا أني أعلم أن أبا محجن في القيد، لقلت بأن هذا الفارس هو أبو محجن، ولولا أني أعلم أن البلقاء فرسي في مكانها لظننت أنها البلقاء.. 

فردت عليه زوجه، وقالت: نعم، إنه أبو محجن وإنها البلقاء، وحكت له ما قد كان!! ولما انتهت المعركة دخل سعد بن أبي وقاص على أبي محجن في سجنه، فوجد أبا محجن وقد وضع القيد في رجليه بيديه مرة أخرى، فبكى سعد بن أبي وقاص ورق لحاله، وقال له: قم يا أبا محجن، وفك القيد عن قدميه بيديه.. 

وقال له سعد: والله! لا أجلدك في الخمر بعدها أبداً، فرد إليه أبو محجن وقال: وأنا والله لا أشرب الخمر بعد اليوم أبداً!

كنت أشربها فتطهرني بالجلد،  اما اليوم فإن لم تقم علي الحد فلن يطهرني إلا النار فلله علي ألا أشرب الخمر بعد اليوم أبدا.. 

محاسبة النفس نعمة،  محاسبة النفس توبة،  وعودة من قريب إلى الله تعالى،  وإلى مغفرته ورحمته.. 

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يطهر قلوبنا من النفاق وأعيننا من الخيانة وألسنتنا من الكذب...  آمين. 

الخطبة الثانية 
بقي لنا في ختام الحديث عن بركة محاسبة النفس أن نقول:
كلنا ذو خطأ،  كلنا تقع منا الهفوات والزلات،  ومنا يقع في الموبقات المهلكات.. ولولا ستر الله تعالى لفضحنا.. 

من هنا أقول:  إذا وقعت عينك على ذي معصية فلا تشمت فيه ولا شڜتشهر به ولا تفضحه،  فكلنا ذو خطأ،  والفرق بيننا وبينه أننا مستورون..

 إذا وقعت عينك على ذي معصية،  فاعلم أنه مريض عليك إسعافه،  وقد يكون ضحية عليك إنقاذه.. وإن استطعت أنت تدعو له بأن يرحمه الله بأن يهديه الله بأن يصلح الله حاله وبأن ينور الله بصيرته فقد أحسنت صنعا..
 فإن عجزت عن هذا وذاك فلا تعن عليه شيطانه بدعائك عليه..  فلا تلعنه.. 

 أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ يقال له ( النعيمان بن عمرو) وهو صحابي محب لرسول الله صلى الله عليه وسلّم وقد أثر عنه كثيراً أنه كان يمازح رسول الله عليه وسلم أتى بالنعيمان رضى الله عنه وقد زلت قدمه،  أتى به (سكرانا) قَدْ شَرِبَ خمرا، فقَالَ النبي لأصحابه: " اضْرِبُوهُ ".

 قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فقمنا إليه فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا فرغوا منه وانْصَرَفَ ( النعيمان) شارب الخمر قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : أَخْزَاكَ اللَّهُ ما أكثر ما يؤتى بك فيقام عليك الحد.. 

فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلّم: " لَا تَقُولُوا هَكَذَا، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله.. 

قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : أَخْزَاكَ اللَّهُ ما أكثر ما يؤتى بك فيقام عليك الحد.. 
فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلّم: " لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ ". أي لا تدعو عليه فتضعفوه وتعينوا عليه شيطانه " وَلَكِنْ قُولُوا : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ".

وفي رواية قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : " بَكِّتُوهُ ". فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يَقُولُونَ : مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ ؟ مَا خَشِيتَ اللَّهَ ؟ وَمَا اسْتَحْيَيْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ.. 

هذا الذي سمعتموه هو دعوة عملية وقولية من رسول الله إلى أن يأخذ بعضنا بأيدي بعض وأن يناصر بعضنا بعضا في الخير لا في الشر  .. 
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا جميعا من الزلل وأن ينجينا برحمته من سوء العمل...  آمين.