"ويعجبني الفأل"

محمد بن إبراهيم السبر

ويعجبني الفأل: ما أروعها من كلمة! وما أعظمها من عبارة من مشكاة النبوة تضيء الحياة، وترسم للأمة المنهج في التعامل مع الواقع واستشراف المستقبل!

  • التصنيفات: الزهد والرقائق - تزكية النفس -

إن الحياة تتقلب صفحاتها بين خير وشدة، وسرور وحزن، وتموج بأهلها من حال إلى حال؛ وصدق الله إذ يقول: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140]، وفي الحياة مصائب ومحن وابتلاءات؛ {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ} [البقرة: 155].

 

فيومٌ علينا ويوم لنا  **  ويوم نساءُ ويومٌ نسر 

 

أحداث الحياة وشدائدُ الأحداث قد تُورِث المرء لونًا من اليأس والقنوط، الذي هو مثبط للعزائم، ومحطِّم للآمال.

 

وفي أوقات الأزمات والكوارث تعظُم الحاجة لاستحضار خُلُق التفاؤل، وهو انشراح القلب وإحسانه الظن، وتوقُّع الخير بما يسمعه من الكلم الصالح، والقول الحسن والطيب؛ وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى ولا طِيَرة، ويعجبني الفأل؛ الكلمة الحسنة، والكلمة الطيبة»، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لا طيرة وخيرها الفأل، قيل: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم».

 

«ويعجبني الفأل»، ما أروعها من كلمة! وما أعظمها من عبارة من مشكاة النبوة تضيء الحياة، وترسم للأمة المنهج في التعامل مع الواقع واستشراف المستقبل! فالسيرة النبوية زاخرة بمواقف خالدة، وكلمات مضيئة، تحمل في طياتها التفاؤل وبسط الأمل؛ حتى لا تُصاب النفوس باليأس والقنوط، ومن قلب الشدة ينطلق نداء التفاؤل والثقة بنصر الله وفَرَجِه؛ فيقول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق، وهما ثاني اثنين في الغار في حادثة الهجرة: «ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما» ؟))، فسطَّر القرآن الكريم أعظم كلمات الفأل والأمل: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40].

 

وحياة الأنبياء والرسل كُلُّها فألٌ وعزيمة: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} [الأحقاف: 35]؛ فهذا يعقوب عليه السلام ابتُلي بفقد ولده الغالي؛ فقال: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86]، ثم فَقَدَ أخاه الثاني فقال: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} [يوسف: 83]، لم يقنط ولم ييأس؛ فجاء الفرج فاجتمعوا بعد فراق: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف: 100].

 

وفي هذا درس عظيم أن المسلم المتفائل لا يسمح لمسالك اليأس أن تتسلل إلى نفسه، أو تعشش في زوايا قلبه؛ قال تعالى: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].

 

وقصة خروج أبينا آدم وزوجه من الجنة بداية الفأل والأمل؛ فبعد انكسار المعصية، ووسوسة الشيطان، والخروج من نعيم الجنة، والهبوط لدار الامتحان والابتلاء: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37].

 

التفاؤل غَمَرَ حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وربَّى عليه صحابته وأمته، حتى في أحلك المواقف؛ فتفاءل بالنصر في غزوة بدر، بل أخبر أصحابه بمصرع رؤوس الكفر وصناديد قريش، وفي غزوة الأحزاب وعند حفر الخندق بشَّر أصحابه بفتح مدائن كسرى وقيصر.

 

وعندما يعُود المريض يمسح عليه بيده اليمنى؛ ويقول صلى الله عليه وسلم: «لا بأس، طهور إن شاء الله»؛ تفاؤلًا بالشفاء وزوال الوجع، وكان يغير الاسم القبيح إلى الاسم الحسن، وفي الحديبية جاء سهيل بن عمرو يفاوض عن قريش؛ فتفاءل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «سهلٌ إن شاء الله».

 

كل ذلك وغيره كثير، يصور لنا تلك النفس العظيمة الواثقة بربها، وما أحوجنا اليوم إلى استلهام سيرته وهَدْيِهِ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، فإن واقع أمة الإسلام اليوم، وما هي فيه من محن ورزايا، لَيستدعي إحياء صفة التفاؤل، تلك الصفة التي تعيد الهمة لأصحابها، وتضيء الطريق لأهلها!

 

التفاؤل أساسه حسن الظن، وعماده الثقة بالله تعالى، والرضا بقضائه، وغذاؤه علمُ المؤمن أنه لن يصيبَه إلا ما كتبه الله له، فلا يستبطئ الرزق، ولا يستعجل، بل يتفاءَل حتى لو نزلت به مصيبة، أو دهمه مرض أو فقر.

 

والمؤمن يتفاءل مع العمل على دفع ما يقدر من بلاء، أو تخفيف ما نزل به من ضر، ثم يطمع في ثواب الصبر وتحمل المشاق؛ قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يُشاك شوكة فما فوقها، إلا كُتبت له بها درجة، ومُحيت عنه بها خطيئة»؛ (رواه مسلم).

 

والمؤمن يفعل الأسباب المشروعة والمباحة فيعمل ويطلب الرزق، ويدفع المرض بالعلاج، والجهل بالعلم، والمصائب بالصبر؛ قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يُشاك شوكة فما فوقها، إلا كُتبت له بها درجة، ومُحيت عنه بها خطيئة»؛ (رواه مسلم).

 

((ويعجبني الفأل))؛ لأن في كل محنة منحةً، ولا تخلو مصيبة من غنيمة، وفي معترك المصائب توقد جذوة التفاؤل، مع أملٍ ودعاء وصبر؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استسقى، قَلَبَ رداءه بعد الخطبة؛ تفاؤلًا بتحول حال الجدب إلى الخصب.

 

((ويعجبني الفأل))؛ لأن المتفائل بالخير سيحصد الخير في نهاية الطريق؛ فالتفاؤل يدفع بالإنسان نحو العطاء والعمل؛ وكما قال تعالى: {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا} [الأنفال: 70].

 

وفي ميدان الدعوة تفاؤلٌ وتيسير وتبشير؛ قال صلى الله عليه وسلم: «يسِّروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا»، والغلو يثبِّط العزائم وينفر من الدين، والمتشائم همه التلاوم، وسوء الظن بالآخرين، وهذا يفضي إلى إطلاق الأحكام على الناس واعتزالهم وتكفيرهم، أو إلى الانحراف والتحلل من قيم الدين؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكُهم»؛ (رواه مسلم).

 

وأخطر الناس من عاش بلا أمل، يسقط فلا ينهض، ويسوقه اليأس إلى الأفعال اليائسة، أو يدفعه إلى الانتحار أو العنف؛ قال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 127، 128].