التهيئة قبل التهنئة

ما هي إلَّا أيام قلائل وينادى منادٍ: يا باغي الخير أقبِل، ويا باغي الشرِّ أقصِر! وإن أُولى خُطُوات استقبال شهر رمضان الكريم هي تهيئةُ العبدِ نفسَه قبل دخول هذا المضمار العظيم.

  • التصنيفات: ملفات شهر رمضان -

الحمدُ لله الذي هدانا للإسلام، ومَنَّ علينا بالإيمان، وأحيانَا حتى نُدرك رمضان، والصلاة والسلام على نبينا محمد عليه من ربِّه أفضل الصلوات وأتمُّ السلام، الذي علَّمَنا الصِّيامَ والقيام، وعلى آله وصحبه البررة الكرام.

 

وبعد:

ما هي إلَّا أيام قلائل، وستُفتح أبواب الجنَّة، وستُغلق أبواب النار، وتصفَّد الشياطين، ويُنادى منادٍ: يا باغي الخير أقبِل، ويا باغي الشرِّ أقصِر! وإن أُولى خُطُوات استقبال شهر رمضان الكريم هي تهيئةُ العبدِ نفسَه قبل دخول هذا المضمار العظيم.

 

♦ تهيئة القلب (التهيئة القلبية):

• فمعلومٌ أن القلب مَلِك الجوارح، وأنَّ صلاح الجوارح بصَلاح القلب، وأنَّ القلب سريع التقلُّب، وهذا طبيعي، ولكن غير الطبيعي أن يُكثِر التقلُّبَ في المعاصي والشهوات، ولا يتقلَّب في أنواع الطاعات والقُرُبات.

 

• فلا بدَّ مِن تهيئة القلب إيمانيًّا، حاوِل أن تتفقَّد قلبك، أين هو؟! هل قلبك في السَّماء يجول حولَ العرش، أم هو في الخراب يجول حول الحُشِّ (أي: القاذورات)؟! فإن كان في السماء فلا ترضَ بدون الفِردوس، وإن كان في الخراب فحاول أن تُنقذه مِن المُهلكات التي اختطفَتْه أحد عشَر شهرًا.

 

• ثم تسأل قلبك: أي نوعٍ مِن القلوب هو؟! هل قلبك سليم، أم مريض، أم ميت؟!

إن كان سليمًا، فهنيئًا لك قلبك؛ لأنه حيٌّ بالإيمان، قد سَلِمَ من الشِّرك والعُجب والكبر؛ فهذا القلب السليم يجد ويتذوَّق حلاوةَ الإيمان، ويستمتع بسَماع وقراءةِ القرآن، وتغمره السَّكينة والاطمئنان، فلم يَعترِه تَعَبٌ مِن الصيام، ولم يجد نصبًا مِن القيام، ولم يشعر بالضِّيق مِن كثرة الأعمال، فصاحِبُ هذا القلب قد سلَّم قلبه لله.

 

• هيِّئ قلبَك بتَرْك الغيبة والنَّميمة، هيِّئ قلبك بالبُعد عن الكذب والخيانة، هيِّئ قلبك بحذف أصدقاء السوء من حياتك، وحذف مَقاطِع الحرام من جوَّالك، هيِّئ قلبَك بالتوبة من الغِلِّ والحقد والحسد والكراهية، هيِّئ قلبك بالتوبة مِن سماع الأغاني والمعازف والموسيقا.

 

• ثمَّ بعد ذلك هيِّئ قلبك لاستقبال رسالات القرآن؛ لأنَّه الآن مُتهيِّئٌ لها، قابلٌ لنزول حقائقها عليه، مستعدٌّ للتخلُّق بأخلاقها، فانتهز فرصةَ خُلوِّه مِن الشهوات، وبُعده عن السيِّئات، فزاحِمْه بالآيات البيِّنات، واقرَعْه بالآيات الخاشعات، وخاطِبه بالآيات الصادقات، ثمَّ بعد ذلك سَلِ اللهَ الثبات، وقل: "يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّت قَلْبِي على دِينِك".

 

♦ تهيئة النفس (التهيئة النفسية):

• ومعلومٌ أنَّ النفس أمَّارة بالسُّوء إلَّا مَن رحِم ربي، فلا بدَّ للعبد مِن تطهيرها وتزكيتِها؛ فلقد أقسم الله عزَّ وجل في كتابه أحد عشر قسَمًا متواليًا على أنَّ صلاح العبد متعلِّقٌ بتزكية نفسه، وخيبته نتيجة لعدم تطهير نفسه؛ قال تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 1 - 10].

 

وأوَّل مراحل تَزكية النَّفس وتطهيرها هي معرفة عُيوبها، وكُلٌّ منَّا يعرف عيبَ نفسه جيدًا:

• هل هي أمَّارة بالسُّوء؟ وهي التي تأمر صاحبها بالمعاصي والشهوات وحبِّ الزينة والسيئات.

• أم هي لوَّامة؟ وهي التي فيها مِن نور الإيمان ما يوقظها كلَّما غفلت فوقعت في سيئة، أو فاتتها طاعةٌ، فتلوم نفسَها.

 

• أم هي مطمئنَّة؟ وهي التي اكتمل فيها نورُ الإيمان، فرفضت كلَّ ما يُبعدها عن مصدر اطمئنانها، واتَّصفتْ بكل خُلُقٍ يقرِّبها من ربها، وقد صار لها ذلك خُلقًا وعادة.

• قال مالك بن دينار: "رحِم الله عبدًا قال لنفسه: ألسْتِ صاحبةَ كذا؟! ألستِ صاحبة كذا؟! ثمَّ ذمَّها، ثم خَطَمَها [أي: قادها وسيطر عليها]، ثمَّ ألزمها كتابَ الله تعالى، فكان لها قائدًا"، فهل أنت قائد نفسك! أم أنَّك تاركٌ لها الزمامَ؟!

 

• حينئذٍ تستطيع أن تنهاها عن هواها، وتُبعدها عن شقاها، وتتحكَّم في مُراداتها ومُناها، قال عمر بن عبدالعزيز: "إنَّ لي نفسًا توَّاقة؛ تاقَت للإمارة فتولَّيتُها، ثم تاقت إلى الخلافة فتولَّيتُها، وهي الآن تتوق إلى الجنَّة"، {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40، 41]، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} [طه: 75، 76]، أي: طهَّر نفسَه مِن الذنوب والمعاصي، فأصبحت نفسًا مُزكَّاة، طاهرة، مُطمئنَّة، ثمَّ بعد ذلك سَلِ اللهَ الثَّبات، وقل: "اللهمَّ آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير مَن زكَّاها، أنت وليها ومَولاها".

 

♦ تهيئة العقل (التهيئة العقلية):

• والمقصود هنا بالتهيئة العقليَّة أو العلمية: هي استعداد العبد بالنَّظر والدراسة لأحكام الصيام والقيام، وقراءة القرآن، وكل ما يخصُّ شهرَ رمضان، وبما أنَّ صيامَ شهرِ رمضان مِن الفرائض الواجبات - وهو أحدُ أَهمِّ أركان الإسلام - كان ينبغي على الصَّائم أن يَعرِفَ أحكامَ الصيام الضرورِيَّة حتى يكون صِيامُه صحيحًا مقبولًا بإذن الله.

 

• فالله لا يُعبَد عن جَهل، فكما أنَّ السائق لا يجوز له أن يمارس القيادةَ إلَّا بعد حصوله على رخصة القيادة، كذلك الصائم لا بدَّ أن يعلم أحكامَ الصِّيام وآدابَه؛ مُفطِّرات الصيام ومفسداته، وما يُكره للصَّائم، وما يُباح، وما يُستحب، وما يحرم، ما هي أحكام الاعتكاف وآدابه، وكذلك مسائل القنوت والدُّعاء وآدابه... إلخ.

 

• قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]، فكلَّما ازددتَ علمًا زادك الله أجرًا، ثمَّ بعد ذلك سَلِ اللهَ الإخلاصَ والقبول والثَّبات، {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].

 

♦ تهيئة الجسد (التهيئة الجسدية):

• أما تهيئة البدَن قبلَ دخول شهر رمضان، فبمعرفة حقوق جسمك عليك، وفي المثال الشهير: (العقل السَّليم في الجسم السليم)، فكلَّما حافظتَ على صِحَّة بدنك استطعتَ أداء أعمالك، سواء عباداتك لربِّك، أو أعمالك الحياتيَّة في يومك، وقد مدَح الله طالوتَ في القرآن الكريم بأنْ أعطاه قوَّةً في العلم، وقوَّةً في الجسم؛ فرمضان شهر الصِّيام، وليس شهر كثرة الطَّعام والشراب! والنَّبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما مَلأ ابْنُ آدَمَ وِعاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْبُ ابنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمن صُلْبَه، فإنْ كان لا محالةَ، فَثُلُثُ طَعَامٍ، وَثُلُثُ شَرابٍ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ».

 

• فلا بدَّ مِن تناول القَدْر المطلوب للجسم مِن الغذاء، فإذا زادت كميَّةُ الطعام عن احتياج الجسم، اختُزِن هذا الزائد على هَيئة دهونٍ تؤدِّي إلى مرَض السمنة، وكما يقول الأطبَّاء: إنَّ الإسراف في الطَّعام هو السبب الحقيقي لمرض السمنة، والسِّمنة تؤدِّي إلى تصلُّب الشرايين وأمراض القلب، وتشحُّم الكبد، وتكوِّن حصوات المرارة ومرض السكر، ودوالي القدمين والجلطة القلبية، والروماتزم المفصلي الغضروفي بالركبتين، وارتفاع ضغط الدم، والأمراض النفسية والآثار الاجتماعيَّة التي يعاني منها البعض.

 

• فاحرِص على صحَّتك؛ بعدم تناول ما يضرُّ بالجسم الذي له حقٌّ عليك، وجاء في وصايا لقمان لابنه: "يا بُني، إذا امتلأتِ المعدة؛ نامتِ الفِكرة، وخرستِ الحِكمةُ، وقعدت الأعضاءُ عن العبادة".

• فالمسلم مطالَب بالحِفاظ على صحَّته؛ لأنَّها من حِفظ النَّفس التي هي أحَد أهمِّ مقاصد الشريعة الخمسة، ((فإنَّ لبدنِك عليك حَقًّا))، من أجل ذلك حرَّم الإسلام بعضَ الأطعمة المضرَّة، والتي تنقل العدوى؛ فحرَّم أكلَ لحوم الحيوانات الميتة، والدَّم، وأكلَ لحم الخنزير، والسِّباع والطيور الجارحة، وأكلَ الحيواناتِ والطيور (الجلَّالة) التي تتغذَّى على القاذورات؛ لذلك قال الله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} [عبس: 24].

 

فعاهِد قلبك دائمًا وطهِّره، وحاسِب نفسك جيدًا وزكِّها، واسلك طريقَ العلم النافع واحرص عليه، وحُطْ جسَدك وصحَّتك بالرِّعاية والعناية، واعلم أنَّك مسؤولٌ عن كلِّ هذه الجوارح.

 

وفي النهاية: أسأل اللهَ تعالى أن يُوفِّقنا وإيَّاكم للعمل الصَّالح الذي يُرضيه عنَّا، ويتقبَّل منَّا ومنكم صالحَ الأعمال والأقوال، إنَّه سبحانه بَرٌّ رحيم.