من علامات قبول الطاعات في رمضان

إذا أردت أن تعرف أن الله تقبل منك أعمالك، فاعرض نفسك على هذه الأمور:

  • التصنيفات: ملفات شهر شوال -


د. محمد الحلبوسي
أيها المسلم الكريم: ها نَحن نُودِّع شهر رمضانَ المبارك بنَهارِه الجميل ولياليه العطرة، ها نَحن نُودِّع شَهْرَ القرآن، والتَّقْوى، والصَّبْر، والرحمة، والمغفرة، والعتق من النار.

هكذا ستنقضي أيام شهر رمضان، وكأنها لم تكن إلاَّ عشيَّة أو ضحاها، وهكذا ستنقضي بعدها أيَّام شوَّال، وأيام ذي القَعْدة، وستنقضي الشهور والأعوام، وهكذا ستنقضي الحياة الدنيوية، وكلها أوقات من أعمارنا، وأنفاس معدودةٌ علينا، ماذا عَمِلنا في شهر رمضان؟ وماذا سنعمل في شهـر شوال؟ إنهما ملَكان عن اليمين وعن الشمال؛ قال تعالى:﴿ {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ﴾ [ق: 17، 18].

ولقد تعوَّدنا في شهر رمضان على أعمال كثيرة من البر، تعوَّدنا على صلاة الفجر بجماعة، وعلى قراءة القرآن يوميًّا، وصلاة الليل وصلاة الوتر، والصدقات، والأذكار النبوية، وتعوّدنا على حفظ أبصارنا، وأسماعنا، وألسنتنا من الحرام، وغيرها من الاعمال الصالحة، والسؤال الذي يطرح نفسه كيف نعرف أن الله تعالى تقبل منا هذه لأعمال؟

إذا أردت أن تعرف أن الله تقبل منك أعمالك، فاعرض نفسك على هذه الأمور:

أولًا: إخلاصك في العمل: فالإخلاص هو من علامات قبول الأعمال، قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ (رحمه الله): الْعَمَلُ الْحَسَنُ هُوَ أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ، قَالُوا: يَا أَبَا عَلِيٍّ مَا أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ؟ قَالَ: إِنَّ الْعَمَلَ إِذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ، وَإِذَا كَانَ صَوَابًا، وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ، حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا، وَالْخَالِصُ: مَا كَانَ لِلَّهِ، وَالصَّوَابُ: مَا كَانَ عَلَى السُّنَّةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾} [الإسراء: 110][1].

ثانيًا: كُرهك للمعصية وحبك للطاعة: فمن علامات القبول ان المسلم يكرِه الذنوبَ، ويكره أن يعود إليها، وإذا تذكَّر الذنبَ ندمَ وانعصَر قلبُه مِن الحسرة، قال يحيى بن معاذ (رحمه الله): "مَن استغفَر بلسانه وقلبُه على المعصية معقود، وعزمُه أن يرجع إلى المعصية ويعُود، فصومُه عليه مردود، وباب القبول في وجهه مسدود"[2].

ثالثًا: مداومتك على العمل الصالح: فالمسلم اذا داوم على العمل الصالح، فهي علامة على قبول العمل، وهي جزء من ثوابه، قال بعض السلف: " ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بعد بحسنة، كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها "[3].

رابعًا: تذكرك للآخرة: من علامات القبول نظر القلب إلى الآخرة، وتذكُّر وقوفه بين يَدَىِ اللهِ تعالى للحساب، هذا الفضيل بن عياض (رحمه الله) سأل رجلاَ: كَمْ أَتَتْ عَلَيْكَ، قَالَ: سِتُّونَ سَنَةً، قَالَ: فَأَنْتَ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً تَسِيرُ إِلَى رَبِّكَ تُوشِكُ أَنْ تَبْلُغَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَبَا عَلِيٍّ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، قَالَ لَهُ الْفُضَيْلُ: تَعْلَمُ مَا تَقُولُ، قَالَ الرَّجُلُ: قُلْتُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. قَالَ الْفُضَيْلُ تَعْلَمُ مَا تَفْسِيرُهُ؟ قَالَ الرَّجُلُ: فَسِّرْهُ لَنَا يَا أَبَا عَلِيٍّ، قَالَ: قَوْلُكَ إِنَّا لِلَّهُ، تَقُولُ: أَنَا لِلَّهِ عَبْدٌ، وَأَنَا إِلَى اللهِ رَاجِعٌ، فَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ رَاجِعٌ، فَلْيَعْلَمْ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَمَنْ عَلِمَ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ فَلْيَعْلَمْ بِأَنَّهُ مَسْئُولٌ وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَسْئُولٌ فَلْيُعِدَّ للسُّؤَالَ جَوَابًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: فَمَا الْحِيلَةُ قَالَ: يَسِيرَةٌ، قَالَ: مَا هِيَ قَالَ: تُحْسِنُ فِيمَا بَقِيَ يُغْفَرُ لَكَ مَا مَضَى وَمَا بَقِيَ، فَإِنَّكَ إِنْ أَسَأْتَ فِيمَا بَقِيَ أُخِذْتَ بِمَا مَضَى وَمَا بَقِيَ"[4].

فليكن حالنا بعد شهر رمضان كما كان في رمضان ولنواصل الطاعات، ولنثبت على طريق الحق حتى نلقى الله عز وجل وهو راضٍ عنا.

نسأل الله تعالى لنا ولكم الثبات على الطاعات، والحفظ، والسلامة، والعافية من كل داء، وحسن الختام، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


[1] مدارج السالكين لابن القيم: (1/ 104).

[2] لطائف المعارف لابن رجب: (ص: 215).

[3] المصدر السابق: (ص: 221).

[4] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني: (8/ 113).