الاهتمام العربي بانتخابات تركيا بين انفعال عاطفي و تحليل للدروس المستفادة

عبد المنعم منيب

رصد الدروس والعبر للاستفادة منها فى واقعنا العربي بل الاستفادة منها فى واقع كل دولة مسلمة فى شتى بقاع الأرض، لاستنساخ النجاحات والايجابيات وتنميتها وتطويرها وتجنب الاخفاقات

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -

 

شهدت الانتخابات التركية البرلمانية والرئاسية اهتماما عربيا بارزا حتى أن بعض المراقبين قالوا إن المتعاطفين مع أردوغان وحزبه في العالم الاسلامي كله لم يناموا لأكثر من 24 ساعة حتى ظهرت نتائج الانتخابات، ولا نقصد اهتمام الراغبين في سقوط أردوغان فهؤلاء سنتحدث عنهم فى مناسبة اخرى إن شاء الله، وإنما أقصد اهتمام محبي أردوغان وحزبه فهؤلاء فى عالمنا العربي اهتموا بالمتابعة من باب إزالة توترهم بشأن الخوف من سقوطه وبعضهم من باب الفرح والتمتع بمشاهدة نجاحه هو وحزبه واكتساحهم لخصومهم من باب كره علمانية الخصوم او تبعيتهم للغرب او ميولهم الاستبدادية والقمعية، وكل هذه دوافع وأعمال ذات طبيعة وجدانية أو عاطفية بحتة، بينما من الأولى لكل محبي تجربة أردوغان وحزبه أن تشمل متابعتهم للانتخابات التركية ومعاركها رصد الدروس والعبر للاستفادة منها فى واقعنا العربي بل الاستفادة منها فى واقع كل دولة مسلمة فى شتى بقاع الأرض، لاستنساخ النجاحات والايجابيات وتنميتها وتطويرها وتجنب الاخفاقات والسلبيات وعدم الوقوع في فخاخها.

وعلى كل حال فيمكننا الآن بعد أن انقشع غبار المعارك الانتخابية التركية أن نرصد عددا من أبرز الدروس والعبر في مجال العمل السياسي والتنافس الانتخابي في صورة نقاط مركزة.

وفي البداية نجد أن أردوغان فرض  الخطاب الإسلامي على الساحة التركية بما فيها خنادق المعارضة حيث نجد عشرات المفردات الإسلامية والأخلاقية فى خطاب كيلتشدار اوغلو النصيري الأتاتوركي، وكرم إمام أغلو الاتاتوركي العلماني، وميرال أكشينار القومية العلمانية.. وغيرهم.

ونجح أردوغان وحلفاؤه في وضع المعارضة فى موقع الدفاع أكثر من موقع الهجوم إذ باتت مضطرة الى الدفاع عن زعمها بالتدين الإسلامي واحترام وحماية المتدينين والمحجبات، والاستقلالية وعدم تبعيتها لأوروبا وأميركا، والديمقراطية وعدم نيتها للاستبداد بعد ان كانت في البداية تتوعد أردوغان وحزبه بالسجن بعدما تفوز بهذه الانتخابات.

كما تمكن أردوغان وحزبه وحلفاؤه من كسب ثقة نسبة كبيرة من الشعب التركي لدرجة أن عدة زلازل بقوة 200 قنبلة نووية ضربت جنوب شرق تركيا عشية الانتخابات، كما تفاقم التضخم الاقتصادي وتدهورت القوة الشرائية للعملة التركية بشكل غير مسبوق منذ اكثر من 15 عاما، وفى نفس الوقت توحدت كل المعارضة التركية ضد أردوغان وتحالفه، ورغم هذا كله فإن القاعدة الصلبة لأنصار رجب الطيب أردوغان وتحالفه لم تفقد الثقة فيه وواصلت دعمه فى الانتخابات النيابية ومنحته أغلبية مريحة بالبرلمان كما أهلته في انتخابات الرئاسة.

وحقق أردوغان وحزبه نجاحا في استمالة كوادر كثيرة جدا من كل أحزاب المعارضة فكل يوم تتوالى أخبار عن انشقاقات من أحزاب المعارضة خاصة حزب "المستقبل" و حزب على بابا جان وحزب "الجيد" و حزب "النصر" وحزب "البلد" وحزب "الشعب الجمهوري"، وقد بدأت هذه الانشقاقات قبل الجولة الأولى من الانتخابات بينما زادت بعدها وهذا طبيعي لأن الانجاز والنصر والنجاح الحقيقي العملي على الأرض يعطي قوة لصاحبه وهذه القوة السياسية عادة ما تكون أكثر إقناعا من كل الحجج المنطقية بالنسبة لشرائح واسعة من القادة والنشطاء السياسيين فى كل زمان ومكان.

 وهذا يقودنا لنقاش سياسي ذي طبيعة نظرية نسبيا وهو أن البعض يظن أن ممارسة العمل السياسي هى مجرد كلام معسول ولباقة ومجاملات لفظية فقط، ويحكم على خصمه أو منافسه أو حتى جمهوره بأنه جاحد ومعاند ولايستحق نعمة القيادة التى يمثلها هذا القيادي أو هذا الحزب معسول الكلام لو لم يتأثر بهذا الخطاب المعسول والشعارات البراقة، وهذا خطأ فأغلب الناس لا تقتنع باللباقة ومعسول الكلام والإفراط في الوعود بعيدة التحقق، وإنما أغلب العقلاء يريدون أفعالا تصحب الأقوال بل بعضهم يضيق ذرعا بالشعارات البراقة والأقوال المعسولة ولا يفهمها ولا يثق سوى في الأفعال فقط.

ومن الأخطاء أيضا في هذا المجال أن البعض يعتبر أن السياسة هي التزام عقيدي أو أيديولوجي أو التزام بمبادئ سياسية نظرية فقط فمن لم يلتزم سياسيا بناء على رابط العقيدة أو المبادئ النظرية فهو ليس لديه إخلاص كاف لها، ويأتي خطأ هذا الأمر من أن البشر لا تغريهم كلهم أو لا تقنعهم كلهم الأمور النظرية وحدها، فنجد أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو من هو حجة ولباقة وحسن خلق وحسن بيان وفصاحة ومعجزات ومع هذا كله وبعد 13 عاما دعوة لعقيدة الحق فى مكة لم يؤمن به الا نحو 115 رجل وامرأة وصبي (أى نحو 9 كل عام أى أقل من واحد كل شهر)، لكن بعد إقامة الدولة فى المدينة نجدهم زادوا في 6 سنوات فقط إلى نحو ألفي رجل (عدا النساء والأطفال) ثم بعد إنجاز عملية "قهر كفار قريش سياسيا" عبر هدنة الحديبية وعمرة القضاء، و"قهر أقوى اليهود" بفتح خيبر، والتوسع الدعوى والسياسي بالجزيرة العربية كلها، نجده يدخل مكة فاتحا بجيش قوامه 10 آلاف مقاتل، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هاجر بدينه قبل 8 سنوات ومعه 115 مؤمن مستضعف عاد بعد الانجازات العملية بـ10 آلاف مقاتل، وبتضاعف الانجازات نجد أن المؤمنين بعد الفتح بسنتين فقط يبلغ عددهم في حجة الوداع أكثر من 100 ألف مؤمن ومؤمنة، فالدعوات الإيديولوجية والنجاحات السياسية لا تنجح بالنظريات والأفكار فقط بل لابد لها من إنجازات عملية على الأرض لتقنع أغلبية هى عادة لا تفهم لغة العقل والمنطق دون مثال عملي مادي على الأرض.

البعض يعتبر أن هذا مناف للصلابة العقيدية ويتجاهلون سيرة النبي صلى الله عليه وأله وسلم وهديه التي ذكرنا دلالتهما آنفا والتى أجملها القرآن ببلاغته واختصاره المعهود في قوله تعالى: ((اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا)) سورة النصر.

وبشكل عام فإن الإنجازات السياسية لها أوجه عديدة ومنها حسن إدارة الصراع السياسي ومن ذلك ما جرى في معارك الانتخابات التركية من اقتناص أخطاء المعارضة واستثمارها لإضعافها وكشف عيوبها للشعب، وعلى سبيل المثال لا الحصر رأينا استثمار خطأ دوس كمال كيلتشدار أوغلو بحذائه على سجادة الصلاة ومعه عدد من قادة حزبه، وكذلك طرد ضحايا الزلزال من الفنادق والاعتداء عليهم في بلديات يهيمن علي إدارتها حزب الشعب الجمهوري زعيم المعارضة، وشجار القيادي بنفس الحزب كرم إمام اوغلو مع بائع فى اسطنبول وسجنه، وإبراز علاقة المعارضة بالغرب ومساندة الغرب لها، ومساندة حزب العمال الكردستاني للمعارضة ودعوته للتصويت لها، واعتداء بعض انصار العلمانية على المحجبات، وابتزاز المرشح الرئاسي محرم انجه واجباره على الانسحاب من السباق الرئاسي، ففي كل هذه الأحداث لم يفوت تحالف الجمهور الذي يقوده أردوغان الفرصة بل أجج إعلاميا المعركة السياسية حول كل خطأ وقعت فيه المعارضة أو أحد أنصارها لكشف عيوب المعارضة للشعب.

واستخدم أردوغان وإعلام حزب العدالة والتنمية وحلفاؤه التاريخ لضرب المنافسين وتعرية حقيقتهم أمام الشعب وذلك بالتذكير بتاريخ معاداتهم للحكم الديمقراطي ومناصرتهم للانقلابات العسكرية وغلقهم المساجد ومنعهم الأذان ومنع الحجاب ودورهم التاريخي في تدهور قوة تركيا السياسية والاقتصادية.

ومن أبرز وأهم أعمال أردوغان وحزبه وأبلغها أثرا في تشكيل حاضر ومستقبل تركيا عملية "برمجة" سلوك بعض أبرز المعارضين و"هندسة" واقع المعارضة حزبيا، فعندما تعرض محرم انجه للابتزاز اتصل اردوغان به وسانده معنويا وعمليا، وعندما أعلن سنان اوغان انه سيدرس من سيساند في الجولة الثانية من الإنتخابات الرئاسية وجدناه يصرح في البداية أنه قد يطلب تولى منصب الوزير لإحدى الوزارات ثم بعدها قال فى وقت تالي: لماذا أصبح وزيرا بينما يمكنني أن أصبح نائبا لرئيس الجمهورية، ثم فجأة وبعد اجتماعاته بقادة حزب العدالة والتنمية ثم الرئيس أردوغان نجد تغيرا فى خطابه حيث أصبح كلامه مقتصرا على الحديث عن مصلحة تركيا ومستقبل تركيا وقوتها، كما نلاحظ أن مفردات تولى منصب وزاري او غيره تغيب عن خطابه تماما، ونجد أردوغان نفسه يقول إنه لم تحدث مساومات ولا مطالبات في التفاوض مع سنان اوغان، هذا كله رغم أن سنان أوغان أعلن تأييده لأردوغان وظل يدعو أنصاره للتصويت لأردوغان كما واصل انتقاده لكمال كيلتشدار ومعارضة التصويت له.

ونلاحظ أن كل من انشقوا عن الأحزاب المعارضة نجدهم ينضمون لحزب اردوغان وهم فى مجموعهم يصل عددهم لعدة آلاف من القادة والنشطاء (أغلبهم من  المتوسطين والصغار) فلم نجد احدا تمسك بالاستمرار في حزبه مع مساندة اردوغان إلا نادرا جدا، ومن هنا نلاحظ ملمح التحولات السياسية القادمة فى تركيا حيث يتحول الأغلبية لمناصرين للتحالف الحاكم وتتحول المعارضة الى أقلية لا حول لها ولا قوة ذات بال.

ومن المؤكد أن هذه البرمجة للاشخاص والهندسة للحياة السياسية لم تأت بمجرد كلام معسول وشعارات رنانة وانما من خلال الاقناع بمشروع نهضوي قومي واقعي له انجازاته المادية المحسوسة على الأرض والتى تكفي لإقناع كل ذي عين إن قصر عقله عن فهم الجوانب النظرية لهذا المشروع النهضوي، اذ دائما نجد أغلبية الناس تقتنع بالوقائع المادية العملية بأكثر من فهمها للجوانب النظرية التى لا تظهر بوضوح إلا فى عالم العقل والفكر.

وقد توجد الانجازات المادية عند البعض لكنهم يقصرون فى توظيفها فى هندسة وتوجيه الواقع السياسي وكسب عقول الجمهور، إما للعجز عن هذا التوظيف واما لعدم إدراك حجم القوة التى يمتلكونها لتحقيق هذه "الهندسة السياسية" للواقع بما يخدم أهدافهم.