ما أحوجنا نحن المسلمين أن نصحح إسلامنا ونسلم

ما نجده الآن على أرض الواقع من ضغائن وصراعات ودعوات طائفية ومذهبية لا تمت للإسلام بصلة، تقودها أهواء النفس وأغراض دنيوية، مما ينفر الناس من الإسلام في بقاع الأرض ويعطي صورة سيئة...

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة - مجتمع وإصلاح -

للأسف نحن المسلمين نحتاج أن نصحح إسلامنا، ونُسلم لمنهج ربنا وما جاءنا من الحق، ولا نتبع هوى النفس ومتاع الحياة الدنيا، قبل أن نَدعُو غيرنا للإسلام، هل نحن كمسلمين أخذنا منهج الإسلام في حياتنا عقيدة في القلوب وتطبيقًا في الحياة والعيش به روحًا وعقلًا ومشاعرًا وسلوكًا، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ} [الأنعام: 162].

 

أم أننا نأخذ من الإسلام ما يحقق لنا هوى أنفسنا، فنركز عليه وندعو إليه ونعتبره هو كل الإسلام ونترك ما دونه؛ قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85].

 

إننا كمسلمين نحتاج أن نستسلم لمنهج الله بكليته بقلبٍ راض منشرح بالإسلام؛ {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].

 

نحتاج إلى تربية أنفسنا للاستسلام لله أولًا، وتنقية القلوب من الضغائن وهوى النفس والاتباع الأعمى لغير الله، فتكون دعوتنا كما قال ربنا: {لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ} [الأنعام: 122]؛ قولًا وعملًا وروحًا.

 

أما ما نجده الآن على أرض الواقع من ضغائن وصراعات ودعوات طائفية ومذهبية لا تمت للإسلام بصلة، تقودها أهواء النفس وأغراض دنيوية، مما ينفر الناس من الإسلام في بقاع الأرض ويعطي صورة سيئة منفرة عن المسلمين، لغير المسلمين، بل وللمسلمين أنفسهم في قيادة الإسلام للبشرية كما أرد الله.

 

وهذه الصورة المنفرة تجدها بكل وضوح على وسائل النشر والتواصل الإجتماعي بين المسلمين أنفسهم.

 

لقد استوقفتني آية قرآنية توحى لنا كمسلمين أننا في حاجة ماسة إلى تربية أنفسنا أولًا على الاستسلام لمنهج ربنا؛ كي نكون مسلمين، {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓاْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94].

 

ما أحوجنا أن نتخلى عن هوى النفس والظن السيء بالآخرين، والطمع في مغانم الدنيا من إرضاء غير الله، ومكاسب مادية، فنتهم المسلمين، ونشق عن قلبه، فالحكم على ما بداخل الصدور هو لله وحده، وأمره إلى الله، كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية لمـَّا لم يتثبتوا وقتلوا من سلم عليهم؛ فلهذا عاتبهم بقوله: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ}، ثم قال تعالى مذكرًا لهم بحالهم الأولى، قبل هدايتهم إلى الإسلام: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} .

 

وفي سنن ابن ماجة عن عمران بن حصين قال: بعثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشًا من المسلمين إلى المشركين، فقاتلوهم قتالًا شديدًا فمنح المشركون المسلمين أكتافهم، فحمل رجل من المسلمين على رجلٍ من المشركين بالرمح، فلما غشيه قال: أشهد أن لا إله إلا الله إني مسلم، فطعنه، فقتله.

 

فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت. قال: «وما الذي صنعت» مرة أو مرتين.

 

فأخبره بالذي صنع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهلا شققتَ عن بطنه فعلمت ما في قلبه»؟

 

فقال: «يا رسول الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما في قلبه؟ قال: لا فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما في قلبه».

 

وقال بعض العلماء: وقد دلت الآية على حكمة عظيمة في حفظ الجامعة الدينية، وهي بث الثقة والأمان بين أفراد الأمة وطرح ما من شأنه إدخال الشك لأنه إذا فتح هذا الباب عسر سده، وكما يتهم المتهم غيره فللغير أن يتهم من اتهمه. وبذلك ترتفع الثقة، ويسهل على ضعفاء الإيمان المروق، إذ قد أصبحت التهمة تظل الصادق والمنافق. وهذا منتشر كالنار في الهشيم على وسائل النشر والتواصل الإجتماعي.

 

وانظر معاملة النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين معاملة المسلمين.

 

أيها المسلم:

اعلم أن هذا الدين سريع السريان في القلوب فيكتفى أهله بدخول الداخلين فيه من غير مناقشة، إذ لا يلبثون أن يألفوه وتخالط بشاشته قلوبهم، فهم يقتحمونه على شك وتردد فيصير إيمانًا راسخًا، ومما يعين على ذلك ثقة السابقين فيه باللاحقين.

 

ومن أجل ذلك أعاد الله الأمر فقال: {فَتَبَيَّنُوا} تأكيدًا لقوله: {فَتَبَيَّنُوا} المذكور قبله...

______________________________________________________
الكاتب: أ. د. فؤاد محمد موسى