العولمة والقوة

إنها الهيمنةُ أُلبست لباسَ العولمة، كما الحال مع الأفكار التي يُراد فرضُها، فيُعمد إلى تسميتِها بإطلاقات مقبولة، بل إنها تجد - لحداثتها - مَن يدعو لها من أولئك المستهدَفين بها.

  • التصنيفات: الغزو الفكري - - ثقافة ومعرفة -

هناك من ينظر إلى العولمة على أنها: "أفكار القوة، وهي نماذجُها الثقافية والحضارية، وهي لسوء حظِّنا وحظ أمثالنا تسير دائمًا في اتجاه واحد، ولم نرَ مطلقًا أنها سارت في الاتجاهين: الذهاب والإياب؛ لذا فإن العولمةَ بتعبير بسيط آخر هي: أُكذوبةُ القويِّ على الضعيف، وهي استدراجٌ له إلى ساحاتٍ معقَّدة من ساحات التعايش الممكن، في الوقت الذي يعلم فيه أنه لا يُدرِك من قوانين الساحات أيَّ شيء"[1]، إنها الهيمنةُ أُلبست لباسَ العولمة، كما الحال مع الأفكار التي يُراد فرضُها، فيُعمد إلى تسميتِها بإطلاقات مقبولة، بل إنها تجد - لحداثتها - مَن يدعو لها من أولئك المستهدَفين بها.

 

يُشير المنتدون في ندوة المنتدى العالمي حول العولمة والتجارة العالمية إلى أنَّه "قد تبيَّن بالممارسة أن منظمة التجارة العالمية جهة مضمونةٌ اتفاقياتُها، وجهة آلياتُ عملِها منحازة بالكامل لصالح الشركات الكبرى ورأس المال العالمي، وهي لا تولي أي أهمية لفكرة العدالة الدولية، ولمصالح البلدان النامية، ولمصالح شعوب بلدان الشمال نفسها، وهي تتناقض بشدَّة مع تحقيق التنمية، ومع حقِّ الشعوب فيها"[2].

 

يخرج المنتدون بعد ذلك بسبع توصياتٍ، كلُّها تصبُّ في التوكيد أن العولمة تسير في اتجاه واحد، ومع هذا فالعولمة ليست شرًّا كلها، مهما ظهر هذا التوجُّس في الطرح الرافض لفرضها من جهة خارجية مهيمنة، يؤيِّد هذا التوجُّه محمد الجوهري حمد الجوهري بقوله: "في الحقيقة، العولمةُ ليست نبتًا طبيعيًّا نشأ دون تدخل من أحد؛ فالدول الرأسمالية المتقدِّمة هي التي صنعت العولمة... فالعولمة - إذًا - نظام موضوع بواسطة أمريكا والدول المتقدمة، وكما أن له فوائدَ عظيمةً لأمريكا والدول المتقدمة، فإن له فوائدَ أيضًا للدول النامية التي تشارك في مِضمارِ المنافسة الاقتصادية، ونتيجة لاستعمال الإنترنت، وشبكة المعلومات، والحواسب، وتكنولوجيا المعلومات"[3].

 

تميَّز هذا الطرح بوجود فوائد من العولمة للدول النامية، بخلاف طروحاتٍ عديدة ترى أن العولمة كلَّها شرٌّ للدول غير المتقدمة.

 

وجود فوائد ظاهرة، في مقابل وجود أضرار، جعل العولمةَ تسيح في هذا الميدان من الجدلِ بين القَبول المطلق والرفض المطلق.

 

المهمُّ هنا هو التوكيد أنَّ ما في العولمة من أضرار أو سلبيات لا يقتصر على الدول النامية كما هي لهجةُ الرافضين للعولمة لأنها جاءت من الدول المتقدمة، أو من الغرب؛ أضرار العولمة وسلبياتها تنسحب على دول العالم كلها، متقدمة ونامية، كما هي الحال في فوائدها وإيجابياتها.

 

الذين يتظاهرون ضد العولمة كلَّما عقدت منظمةُ التجارة العالمية لقاءً شاملًا - ليسوا من الدول النامية، ولكنهم في جملتهم من أولئك الذين يخشَون على المجتمع الإنساني من أن يتحوَّلَ إلى آلة إنتاجية، تتضاءل فيه الروح الإنسانية، وتختفي - إن أمكن - العواطفُ والأحاسيس والروحانيات، وقد يكون في هذا الفعل مبالغةٌ في مصادرة الفوائد والإيجابيات.

 

الذي يبدو أن هذه المظاهرات والمؤتمرات المضادَّة لم تُغفِل الأبعادَ الإيجابية، ولكنها - ضمنًا - تُغلِّب القاعدةَ الأصولية: درءُ المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح.

 

قد لا تظهر هذه الفوائدُ أو تلك الإيجابيات في الدول النامية، كما تظهر لدى مَن صاغ العولمةَ فكرًا وصدَّرها، وربما يتدخَّل الحاجزُ النفسي وهاجس الرفض في غموض الفوائد والإيجابيات، ولا تملِك هذه الوقفات القدرةَ والتأهيل على وزنِ الفوائد والإيجابيات بالأضرار والسلبيات في كلا القطبين: الدول المتقدِّمة والدول النامية، إلا أنَّ القاعدة التي لا بد من استحضارها في توجُّهات العولمة هي أن تقومَ على مصالح الناس كافَّة، وأن تصبَّ أحكامها في هذه المصالح؛ تطبيقًا للقاعدة الأصولية الأخرى: مقاصد الأحكام مصالح الأنام، أما إذا أخفقت العولمةُ في تحقيق ذلك لم تعُدْ عولمة.

 

 


[1] انظر: فهد العرابي الحارثي، موقعنا في الكونية الإعلامية الجديدة (العولمة والفضائيات العربية)، محاضرة - مرجع سابق - ص 41.

[2] انظر: المستقبل العربي، تقرير عن ندوة المنتدى العالمي حول العولمة والتجارة العالمية: بيروت 5 - 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 2001م - المستقبل العربي - ع 474 مج 24 (كانون الأول/ ديسمبر 2001م) - ص 183 - 186.

[3] انظر: محمد الجوهري حمد الجوهري، العولمة والثقافة الإسلامية، القاهرة: دار الأمين، 1422هـ - 2002م - ص 90 - 91.

____________________________________________________________
الكاتب: أ. د. علي بن إبراهيم النملة