لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر

ظاهرة تتعلق بالتسرع في إصدار الأحكام الشرعية على حوادث تحصل، ويحتاج المسلم إلى معرفة حكمها، فيتصدر للفتيا رجال قد لا يملكون خلفية قوية في الشريعة وفقه الإسلام إلا ما لديهم من ثقافة عامة

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -

د. علي النملة

تبرز لدى الجاليات المسلمة "الأقليات" المسلمة في بلاد غير المسلمين ظاهرة تتعلق بالتسرع في إصدار الأحكام الشرعية على حوادث تحصل، ويحتاج المسلم إلى معرفة حكمها، فيتصدر للفتيا رجال قد لا يملكون خلفية قوية في الشريعة وفقه الإسلام إلا ما لديهم من ثقافة عامة "فكرية" عن أمور عمومية في الإسلام، كالذي نقرؤه لدى مجموعة غير يسيرة من الكتاب الإسلاميين ومحاولتهم رصد الحكمة من الأشياء سعيًا وراء الترغيب فيها وتقريبها من القبول، أو دفاعًا عن شبهة ألصقت بها من قِبَل قوم آخرين عن قصد في كثير من الأحيان، وعن غير قصد في بعض الأحيان.

 

ويعزى هذا الأمر في كثير من الأحوال إلى افتقار هذه المجتمعات إلى علماء الشرع المتمكنين الذين تهيأت لهم ظروف الدرس والتتلمذ على علماء آخرين أفذاذ، وعايشوا الوقت والعصر، فانطلقت فتاواهم مستمدة من مصادر الشريعة المعتمدة، ومتمشية مع الواقع، حتى ولو كان هذا الواقع ضيقًا من حيث المكان، معزولًا عن الآخرين، وهذا كله مع التحفظ العام على إصدار أي حكم إذا كان في المسألة المسؤول عنها أي التباس، أو عدم وضوح لدى المسؤول، أو عدم إيضاح من السائل.

 

وأمر الفتوى أمر غير يسير، ولها رجالها العالمون، وليس في الإسلام كهنوت، ولكن في الإسلام علم ورجال علم، وللفتوى مؤهلات لا بد من توافرها كلها في المتصدر للفتوى، وهي ما تسمى بشروط الفتوى، وينكر أشد الإنكار على من يفتي بغير علم، أو يجعل رأيه مقياسًا في إصدار الأحكام، جاء رجل مسلم إلى مسؤول في أحد المراكز الإسلامية في إحدى البلاد الأجنبية وسأله عن حكم "سرطان البحر"، فأفتاه بأنه حرام! وأحس المفتي بأنه قد تسرع، لكن السائل قد أخذ الحكم منه وانصرف، لكن المفتي لم يلبث أن سأل أحد العارفين عن الحكم، وأخبره أنه أفتى السائل بحرمته، فسأل المسؤول الأخير عن السر في تحريمه، فقال المفتي بأنه لا يميل إلى سرطان البحر؛ ولذا حرمه! وعلى هذا المنوال قد تصدر الأحكام والفتاوى بالرأي، أو ربما أحيانًا بالمزاج في بعض تلك البلدان التي يوجد بها أقليات إسلامية، وينقصهم العلماء العارفون بالأحكام الشرعية، وقد وردت نصوص بتحريم فتوى الجاهل.

 

والمفتي بغير علم مثل من يدل الركب وهو لا يعلم الطريق! ومن يزاول الطب ولا معرفة له به، بل هو أسوأ حالًا من هؤلاء كلهم - كما يشير فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي في كتاب له صدر عن دار الصحوة للنشر بالقاهرة وعنوانه "الفتوى بين الانضباط والتسيب"، وقد أخذت البلاد الإسلامية منع من يفتي بغير علم، وقد فعل هذا بنو أمية، فمنعوا طائفة ممن تصدروا للفتيا بغير علم ولا سلطان مبين، ويطلب "أبو حنيفة - رحمه الله - أن يحجر على المفتي الجاهل والمتلاعب بأحكام الشرع".

 

وقد رئي "ربيعة بن أبي عبدالرحمن" شيخ الإمام مالك بن أنس يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم! قال: ولَبَعضُ مَن يفتي ها هنا أحقُّ بالسجن من السراق!، ويؤثر عن "ابن مسعود" - رضي الله عنه - قوله: والله إن الذي يفتي الناس في كل مسألة لمجنون، كما يؤثر عنه - رضي الله عنه - قوله: نحن في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وسيأتي زمان كثير خطباؤه، قليل علماؤه، ويقول غير واحد من السلف: إن أحدهم يفتي في المسألة لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر! وقد كان السلف يتورعون عن الفتوى، وينهون عن العجلة فيها.

 

واشترط أحمد بن حنبل - رحمه الله - على من يريد التصدر للفتيا بالإضافة إلى العلم بكتاب الله علمًا جامعًا والعلم بالسنن والأسانيد، اشترط معرفة المفتي بأقوال الفقهاء والمجتهدين، وسأله أحدهم: إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث (100,000) يكون فقيهًا؟ قال: لا، قال: فمائتي ألف (200,000)؟، قال: لا، قال: فثلاثمائة ألف حديث (300,000)؟ قال: لا، قال: فأربعمائة ألف (400,000)؟ قال بيده هكذا وحركها، والفئة التي نحن بصدد الحديث عنها في بعض البلاد الإسلامية أو تلك البلدان التي يوجد بها أقليات إسلامية لا يكاد الواحد منها يقيم حديثًا واحدًا نصًّا وسندًا، ويلجأ إلى "ما معناه"، ومع هذا تجده يفتي في الأمور الكبار وهو لا علم له بالأصول، ناهيك عن الفروع، ونحن في زمان يكاد الحفظ فيه يتلاشى من الصدور، ويعتمد اعتمادًا كبيرًا على المكتوب أو المطبوع، وتظهر الدعوات التي تقلل من شأن الحفظ وتدعو إلى نبذه والاستعاضة عنه بالفهم، وكأن الحفظ قد ارتبط دائمًا بعدم الفهم، ويعيبون على أصحاب الملكات في الحفظ، ويتهمونهم في قدراتهم الذهنية والإدراكية.

 

ويؤثر عن "ابن حنبل" رحمه الله قوله: "إن على من ينصب نفسه للفتيا أن يكون ذا خصال خمس مجتمعة، وهي: أن تكون له نية، فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور، وأن يكون له حِلْم ووقار وسكينة، وأن يكون قويًّا على ما هو فيه وعلى معرفته، والكفاية (من العيش)، وإلا مضغه الناس، ومعرفة الناس.

ومعرفته للناس ربط بين العلم والواقع؛ فالأمر هنا مناط بالتطبيق، وليس مجرد "كلام نظري" عابر؛ ولذا يجب أن تراعى في الفتوى أمور معينة، ولعل هذا سبب من أسباب تعدد إجابات العلماء حول مسألة واحدة، وفي هذا تيسير على الناس؛ فقد يفوت على البشر إدراك كل الظروف المحيطة بالمسألة، وقد يتوسع آخرون من خلال "تشخيص" المسألة مع السائل، رغم أن بعض العلماء لا يحبذ تكرار السؤال من قبل سائل واحد على أكثر من عالم إلا أن يواجه العالم الأول السائل بسؤال فلان من العلماء تورعًا منه، وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون، فيسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يحدث بحديث أو يسأل عن شيء إلا وَدَّ أن أخاه كفاه!

 

والفتوى نظرة موضوعية حول مشكلة تحل لا تتدخل في إصدارها الأهواء والأغراض، أو التقرب من عزيز، أو الإجحاف على بعيد، أو التهاون مع قريب، أو محاولة مسايرة تيار طغى على مجتمع من المجتمعات في فترة من الفترات؛ إذ الملاحظ أن الفتوى تبقى ويرجع إليها الناس بعد زمان، ونحن لا نزال نرجع إلى مجموع الفتاوى "لابن تيمية" - رحمه الله - رغم أنه كان في عصر غير عصرنا هذا، ونعتبرها مرجعًا نعود إليه عند النظر في مسألة من المسائل، ومن هنا وجبت موضوعية الفتيا، وكان "ابن تيمية" قويًّا في هذا، عرفت فيه النزاهة والتجرد، وهناك فتاوى أخرى لعلماء مضوا وأبقوا علمًا نافعًا يشفع لهم يوم القيامة، فوضعوا معالم على الطريق أعانت المهتدين وطالبي العلم.

 

فئات أخرى:

على أن هناك فئة ممن تلقوا العلم وأدركوا شيئًا من كنهه وتصدروا للفتيا في زمان برزت فيه مجموعة من عوامل الغزو الفكري الذي انقاد البعض له بسبب احتقار للذات وتصغير لها، أو طلبًا للتكسب، أو للتقريب إلى القادمين من بعيد، ونحن ندرك أن العالم الإسلامي تعرض لموجة من الاحتلال الأجنبي عمت معظم أرجائه..وعمل الاحتلال على تقريب نفر من "العلماء" في تلك البلدان، واستصدر منهم فتاوى تتعلق بالتعامل مع المحتل، وكان أبرزها وضوحًا محاولات المحتل "نسخ" فريضة الجهاد؛ لأنها تهدد وجوده، وقصر الجهاد على "الدفاع عن النفس" رغبة في الحد من التوسع الإسلامي، وكان هناك من تجرأ وأصدر الأحكام المناسبة.. بل ظهرت في بعض بلاد المسلمين "الفرق" التي آزرت الاحتلال وقضت على مصطلح "الجهاد" في الفكر والفقه الإسلامي، فكان أن لقيت كل دعم وتشجيع من أولئك المحتلين، فقد خدم هؤلاء أغراض المحتل بأجمل مما يخدمها هذا الوافد من بعيد.

ومثل هذه واضحة في بعض إجراءات تلك البلدان تصدى لها { ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ } [الأحزاب: 23]، ونبهوا لها، ووقفوا وقفات مشهورة أمام التيارات الزاحفة من أفكار دخيلة وغزو مشهود وهجوم فكري متواصل عبر قوانين وضعية تخالف الشريعة، ولم تقتصر وقفاتهم على الامتناع عن الفتيا لمصلحة أولئك ورفضهم التقرب منهم، بل تعدوا هذا إلى التنبيه لهذه الأخطار، فكانوا بهذا من المجاهدين لتكون كلمة الله هي العليا.

 

• منهجان في الفتيا

والذي يتصدى للفتيا يحسب لها ألف حساب قبل أن يطلقها؛ ولذا تجد البعض من رجال العلم في كثير من البلاد الإسلامية يحتاطون كثيرًا، ويلجؤون إلى الجانب الذي يرون أنهم معفوون فيه من المساءلة أمام الله تعالى..

... وكانت هذه جولة مع إصدار من إصدارات الشيخ القرضاوي فيما يتعلق بالفتوى، كان - حفظه الله - وفيما يظهر لي موفقًا في بسطها للعامة من الناس - غير أهل الفتوى - وهذا نفع وتقريب لروح الإسلام من القلوب، وفقه الله وأعانه وهدانا جميعًا إلى الحق والعمل به، وكان الله في عون الجميع.