أحرار العالم هل ينجحون في ايقاف مذابح غزة؟

تناقلت وسائل الإعلام صور المظاهرات المنددة بالمجازر الوحشية للجيش الصهيوني ضد الفلسطينيين، ورغم كبر وعظم تلك المظاهرات يبقى السؤال: هل تستطيع تلك المظاهرات، أن تغير في القرارات السياسية لبلدانها أم أنها مجرد تنفيس عن الواقع دون أثر فعال؟

  • التصنيفات: أحداث عالمية وقضايا سياسية -

فور بدء الإعلام في بث صور المذابح الناتجة عن القصف الصهيوني لغزة، اندلعت المظاهرات المنددة بتلك المذابح والمتعاطفة مع الفلسطينيين وأهل غزة في جميع أنحاء العالم.

ففي أوروبا، تظاهر البريطانيون بصفة مستمرة، وبلغت ذروة الفعاليات هذا الأسبوع الماضي، عندما خرج نحو نصف مليون متظاهر في العاصمة البريطانية لندن في مسيرة مؤيدة للفلسطينيين، ورفع المتظاهرون أعلاما فلسطينية ولافتات تطالب بوقف قصف غزة بينما هتفوا أوقفوا إطلاق النار الآن والحرية لفلسطين، فيما انتشرت الشرطة لمنع وقوع صدامات مع مظاهرة مضادة.

وفي العاصمة الألمانية برلين، خرج أكثر من 6 آلاف شخص احتجاجاً على جرائم الاحتلال الإسرائيلي المستمرة، كما شهدت العاصمة الفنلندية هلسنكي تظاهرة حاشدة شارك فيها نحو 3 آلاف شخص طالبوا بوقف إطلاق النار في غزة.

كما تظاهر الآلاف في مدينة جنيف السويسرية، مطالبين بحق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير، ورفعوا شعارات مؤيدة لفلسطين ومناهضة للاحتلال الإسرائيلي.

وشهدت باريس ومدينة بوردو الفرنسية مظاهرات حاشدة، طالب المشاركون فيها بوقف إطلاق النار في غزة، ووقف قتل الأطفال الفلسطينيين، كما تجمع مئات الأشخاص وسط بروكسل منددين بجرائم الاحتلال في غزة.

 

ووفق دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فإن 95% من التظاهرات حول العالم مؤيدة للفلسطينيين مقابل 5% فقط مؤيدة للكيان الصهيوني.

وفي أستراليا، تجمع مئات المتظاهرين في سيدني لمنع سفينة تابعة لشركة شحن إسرائيلية من الدخول، فيما تنظر المحكمة العليا اﻷسترالية طعنًا يلزم الحكومة بالكشف عن تفاصيل صادراتها من الأسلحة.

ووصلت المظاهرات المناهضة للكيان إلى الولايات المتحدة الداعم الرئيس للصهيونية في العالم.

وكانت التظاهرة التي نظمها تحالف يضم منظمات داعمة لفلسطين في واشنطن يوم الرابع من نوفمبر الحالي واحدة من أكبر التظاهرات في تاريخ قضية دعم فلسطين في العاصمة الأمريكية، وشارك فيها الآلاف الذين غمروا الشوارع ورفعوا شعارات تنتقد بايدن بشدة، بل وتدينه وتعده مسؤولا عن سقوط الضحايا الفلسطينيين في غزة، ولم تقتصر التظاهرات والنشاطات المنتقدة لإسرائيل ولسياسة بايدن في الولايات المتحدة على العرب والمسلمين بل ضمت نسبة ملحوظة من الجماعات اليسارية والتقدمية التي يؤيدها جزء مهم من القواعد الانتخابية التي أيدت بايدن ضد ترامب في الانتخابات.

ومن أهم المظاهرات التي نجحت في لفت أنظار الرأي العام الأمريكي والعالمي تلك التي نظمتها ووقفت وراءها منظمات لليهود الأمريكيين ممن يعارضون السياسات الصهيونية ويطالبون بمنح الفلسطينيين دولتهم المستقلة.

ونجحت هذه المظاهرات في الاستيلاء لساعات عدة على محطة "غراند سنترال" الرئيسية للقطارات في مدينة نيويورك وعلى "الكابيتول" (مقر الكونغرس) في العاصمة واشنطن، وقبل ذلك أغلقت مداخل البيت الأبيض ومخارجه، للفت الأنظار إلى مطالبهم بضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، وتم اعتقال العشرات منهم وأُفرج عن أغلبهم لاحقا.

ووفق دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فإن 95% من التظاهرات حول العالم مؤيدة للفلسطينيين مقابل 5% فقط مؤيدة للكيان الصهيوني.

ويبقى السؤال الأهم: هل أثرت تلك المظاهرات والفعاليات في سياسات دول الغرب وموقفها من ما يجري في غزة؟

هل تنجح هذه التظاهرات في وقف مذابح غزة واجبار الكيان الصهيوني على إيقاف الحرب؟

للإجابة على هذه التساؤلات يجب الاستعانة بمقاربة تاريخية لمعرفة هل استطاع الضغط الشعبي في الغرب ونجح في إيقاف حروب سابقة؟

وقبل ذلك يجب علينا أن نفهم كيف يسهم الرأي العام في تشكيل سياسات الدول.

الرأي العام ودوره في صناعة القرار السياسي:

يعرف المتخصصون قي الاإلام الرأي العام بأنه مجموعة الآراء أو المواقف أو التوجهات الشائعة في مجتمع معين تجاه قضية أو موضوع أو حادث معين.

 

وفي السياسة، يمكن للرأي العام أن يلعب دوراً حاسماً في صنع القرارات ووضع السياسات. فالساسة يميلون إلى الاستجابة للرأي العام للحفاظ على شعبيتهم والحفاظ على مراكزهم السياسية. على سبيل المثال، إذا كانت غالبية الناس تعتقد أن الحكومة يجب أن تنفق أكثر على الرعاية الصحية، فقد يكون السياسيون أكثر قدرة على تمرير التشريعات التي تزيد من الإنفاق على الرعاية الصحية.

ولكن تأثير الرأي العام على صنع القرارات السياسية يمكن أن يتفاوت بناءً على عدة عوامل، بما في ذلك نظام الحكم، والوعي السياسي الثقافي، والحرية الإعلامية.

 

أي لكي يكون الرأي العام مؤثرا لابد من توافر أربعة شروط:

1. أن يكون نظام الحكم شوريا أو بالتعبير الغربي ديمقراطيا، أي يقبل ضغوط الرأي العام لأن الجماهير تملك محاسبته وتغييره إن لم يلب طموحاتها.

2. تمتلك الجماهير أو الفئة المؤثرة فيها قدر من الثقافة والتعليم والمبادئ، يمكنها من رؤية الحقيقة والتمييز وعدم الانخداع بالأوهام والحملات الإعلامية المضادة.

3. وجود حرية لوسائل الإعلام لنقل الحقائق بحيادية وشفافية، ولديها قدرة على إيصال المعلومة دون تحيز أو توجهات مسبقة.

4. توافر قدر من الغالبية الشعبية التي تمكن الحكومات من الاستماع إلى وجهة النظر المخالفة، فوجود شريحة أو شرائح في المجتمع لا تمثل غالبية المجتمع فنادرا ما تنجح في التأثير على حكوماتها.
 

تأثير الرأي العام الغربي على سياسات الحكومات:

بالنظر إلى دول الغرب سواء أوروبا وامريكا، هل نجحت شعوبها في تغيير توجهات هذه الحكومات؟

إذا كانت القضايا خاصة بمشكلة داخلية، فتأثير الرأي العام الذي تكشفه استطلاعات الرأي يكون أقوى، أما في القضايا الخارجية فيعتمد الساسة في الغرب على أن الشعوب تنسى طالما أنها قضية غير حياتية بالنسبة لهذه الشعوب.

وأكثر مثال يدل على ذلك: المظاهرات المليونية التي قامت في دول الغرب قبل غزو التحالف الغربي لبغداد وإسقاط حكومته.

فقد بدأت الاحتجاجات ضد حرب العراق في عام 2002، واستمرت بعد غزو العراق عام 2003.

وانتشرت المظاهرات والفاعليات الجماهيرية واسعة النطاق ضد الحرب على العراق في العديد من المدن في جميع أنحاء العالم، وغالبا ما كانت هذه الاحتجاجات تحدث في وقت واحد وبصورة منسقة في جميع أنحاء العالم.

 

تقول القناة 12 الصهيونية: إنه وبعد مرور شهر، أصبحنا نواجه واقعًا جديدًا فالصور التي تتألق في وسائل الإعلام الدولية هي صور القتل والدمار في غزة، وليست الصور القادمة من المستوطنات.

حتى أن الكاتب الأمريكي باتريك تايلر في النيويورك تايمز قال حينها بأن هناك اثنان من القوى العظمى في العالم، الولايات المتحدة والرأي العام المناهض للحرب في جميع أنحاء العالم.

كما أظهرت استطلاعات مؤسسة غالوب الأمريكية وقتها، أن عدد المعارضين الأمريكيين للحرب على العراق كان يفوق عدد المؤيدين، حيث اعتقد غالبية الأمريكيين وقتها أن الحرب كانت خطأ كبيرا.

وشهدت أوروبا أكبر حشد من المتظاهرين، حيث احتشد أكثر من ثلاثة ملايين شخص في روما، والتي تم سردها في كتاب غينيس للأرقام القياسية باعتباره أكبر تجمع مناهض للحرب، ووفقا للأكاديمي الفرنسي دومينيك ريني، فإنه ما بين 3 يناير و12 أبريل 2003، شارك 36 مليون شخص في جميع أنحاء العالم في ما يقرب من تنظيم 3,000 مسيرة احتجاجية ضد الحرب على العراق.

وفي برشلونة ذكرت وسائل الإعلام أن حوالي مائة وخمسين ألف من المتظاهرين قد خرجوا منددين بالحرب بينما قدرتهم مصادر أخرى بنحو مليون متظاهر، كما خرج ما يقرب من نصف مليون متظاهر في لندن، ومائة ألف متظاهر في باريس، وما لا يقل عن مائة وخمسين ألفا متظاهر في العديد من المدن الألمانية، وغيرهم من الملايين في العديد من دول العالم سواء في أوروبا أو في آسيا أو في أفريقيا أو في أمريكا اللاتينية.

ولكن لم يستطع طوفان المظاهرات تلك وقف الحرب، ومضت الولايات المتحدة ومعها حلفاؤها في غزو العراق وتدميره اقتصاديا وتكنولوجيا بعد تدميره سياسيا، ليعود إلى الخلف عدة قرون.

تأثير الرأي العام في حرب غزة:

لقد بدت المظاهرات في العالم وخاصة في الولايات المتحدة أكثر تأثيرا خاصة التي شاركت فيها شرائح واسعة من الجماهير، فمن كان يتصور أن يشارك في هذه المظاهرات والاحتجاجات على مذابح غزة اليهود سواء المتدينين منهم وهم اليهود الأرثوذكس والمعروفين بمناهضتهم للصهيونية والدولة التي قامت عليها، بل شارك اليهود الليبراليون في تلك الاحتجاجات.

تقول القناة 12 الصهيونية: إنه وبعد مرور شهر، أصبحنا نواجه واقعًا جديدًا فالصور التي تتألق في وسائل الإعلام الدولية هي صور القتل والدمار في غزة، وليست الصور القادمة من المستوطنات.

وأضافت يبدو أن قصة المناصرة اليهودية لا تنجح في أداء مهمتها بما يكفي لإتاحة مساحة كافية لنشاطات الجيش.

وتابعت القناة في تحليلها أن الصور وسيطرة الرواية الفلسطينية تؤثر على الرأي العام في العالم، ومن هناك على الطريقة التي يمنح بها قادة "إسرائيل" الأولوية في العمل، ولهذا السبب، يعمل الجيش "الإسرائيلي" باستمرار ضد مؤقت العد التنازلي، الذي لا أحد يعرف حقًا متى سينتهي؟

بينما السياسيون الصهاينة كان لهم تحرك آخر، فرئيس الوزراء الصهيوني السابق نفتالي بينيت نشط في التنقل بين محطات التلفزة المحلية في محاولة لتجنيد الدعم لاستمرار الحرب.

وكتب بينيت على منصة إكس "سأقوم الليلة بجولة إعلامية سياسية في نيويورك وواشنطن. وضعنا الدولي ليس جيدا".

وأضاف "هدفي هو مساعدة الحكومة الإسرائيلية على تعزيز موقفنا في الرأي العام وفي الكونغرس وفي الإدارة من أجل إعطاء قادة جيش الدفاع الإسرائيلي الحرية الكاملة في العمل للقضاء على حماس، وتابع "الرأي العام العالمي ليس في مصلحتنا الآن".

وكان الجيش الإسرائيلي قد أفرز أعدادًا كبيرة من جنود الاحتياط، إضافة للناطقين الرسميين، للحديث إلى وسائل الإعلام الأجنبية دفاعًا عن الحرب.

ولكن أوضح مثال على تأثير الرأي العام كان في الولايات المتحدة.

ففي تطور مفاجئ، وفي مقابلة مع شبكة تلفزيون "يونيفيجن" تطرق الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى العمليات الحرب الصهيونية في قطاع غزة، واعتبرها أمرًا لا يصدق، منتقدًا ما يفعله الكيان الصهيوني.

وشدد على أن الكثير من الناس يموتون، موجها انتقادات إلى الدعاية الصهيونية حيال الحرب، قائلا "إسرائيل بحاجة إلى القيام بعمل أفضل في العلاقات العامة، لأن الطرف الآخر يوجه لهم ضربة على هذه الجبهة".

ووصفت القناة 12 الصهيونية أقوال ترامب بأنها مفاجئة.

وانقلب موقف ترامب بعد أن كان قبلها بأيام قد قال في مؤتمر التحالف اليهودي الجمهوري في لاس فيغاس، إنه سيطرد من البلاد عندما ينتخب رئيسا في العام 2025، المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين في جميع أنحاء الولايات المتحدة، واصفا إياهم بأنهم سكان أجانب مؤيدون للجهاديين، وأضاف: أنا أفضل صديق لإسرائيل، ولكل إسرائيلي وكل أمريكي تضرر من أنشطة حماس الهمجية، نحن نقف معك.

وتبدل أيضا موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ففي مقابلة مع شبكة بي بي سي البريطانية صرح بأن على إسرائيل أن تتوقف عن قتل المدنيين في غزة، وأكد ماكرون أن حرب إسرائيل على غزة تقتل الأطفال والنساء والكبار في السن، دون أن يكون هناك سبب أو شرعية لذلك، كما دعا الرئيس الفرنسي قادة الولايات المتحدة وبريطانيا للانضمام إليه، في دعوته لوقف فوري للحرب في غزة.

لذلك لا يمكننا الاستهانة بتأثير المظاهرات والضغوط الشعبية على المواقف السياسية الغربية، حتى إن ظهر في البداية أنه غير مجدٍ، ولكن تأثيره التراكمي ما يلبث أن يكون مؤثرا وفاعلا.

_________________________________________________________
الكاتب:  حسن الرشيدي