من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله

عبد الله بن جار الله الجار الله

هو ثلاثة أنواع: صبر على فرائض الله فلا يضيعها، وصبر عن محارمه فلا يرتكبها، وصبر على أقضيته وأقداره فلا يتسخطها، ومن استكمل هذه المراتب الثلاث فقد استكمل الصبر والإيمان...

  • التصنيفات: العقيدة الإسلامية -

الحمد لله الذي وعد الصابرين أجرهم بغير حساب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام الصابرين، وسيد الأولين والآخرين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فقد قال الله - تعالى -: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}  [التغابن: 11]، قال بعض السلَف: هو الرجلُ تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلِّم، وقال - تعالى -: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}  [التوبة: 51]، وقال - تعالى -: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}  [الحديد: 22، 23].

 

وفي الحديث الصحيح:  «والصبر ضياء»[1]، وللبخاري ومسلم مرفوعًا:  «وما أُعْطِي أحدٌ عطاء خيرًا وأوسع من الصبر»، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:  «خير عيش أدْركناه بالصبر»[2].

 

والصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخُّط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، كخمش الوجوه، وشق الثياب عند المصيبة، والصَّبْر يكون بالله ولله ومع الله، فالصبْر بالله هو الاستعانةُ به - سبحانه - فهو وحده المعين على الصبر؛ كما قال - تعالى -: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ}  [النحل: 127]، والصبرُ لله هو أن يكونَ الباعث له على الصبر محبة الله وإرادة وجهه، والتقرُّب إليه، كما قال - تعالى -: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ}  [الرعد: 22].

 

والصبر مع الله: هو دوران العبد مع مراد الله الديني منه، ومع أحكامه الدينية صابرًا نفسه معها، سائرًا بسيرها، مقيمًا بإقامتها، يتوجه معها أين توجهتْ، فهذا معنى كونه صابرًا مع الله؛ أي: قد جعل نفسه وقفًا على أوامر الله ومحابِّه، والصبر نصف الإيمان، فإنه مركب من صبر وشكر، كما قال بعض السلف: الإيمان نصفان: فنصف صبر، ونصف شكر[3].

 

وقال - تعالى -: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}  [إبراهيم: 5]، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فكما أنه لا حياة لمن لا رأس له، فلا إيمان لمن لا صبر له.

 

وهو ثلاثة أنواع: صبر على فرائض الله فلا يضيعها، وصبر عن محارمه فلا يرتكبها، وصبر على أقضيته وأقداره فلا يتسخطها، ومن استكمل هذه المراتب الثلاث فقد استكمل الصبر والإيمان، ولذة الدنيا والآخرة ونعيمهما، والفوزُ والظفر فيهما لا يوصل إليه إلا على جسر الصبر، كما لا يصل أحد إلى الجنة إلا على الصراط، فلا يُنال دينٌ ولا دنيا إلا بالصبر، وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين؛ كما قال - تعالى -: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}  [السجدة: 24]، وإذا تأملت مراتب الكمال المكتسَب في العالم رأيتها كلها منوطة بالصبر، وإذا تأملت النقصان الذي يذم صاحبه عليه، ويدخل تحت قدرته رأيته كله من عدم الصبر، فالشجاعة والعفة والجود والإيثار كلها صبر ساعة، وأكثر أسقام البدن والقلب إنما تنشأ عن عدم الصبر، فما حُفظتْ صحة القلوب والأبدان والأرواح بمثل الصبر، ولو لم يكن في الصبر إلا معية الله مع أهله، فإن الله مع الصابرين، ومحبتُه لهم، فإن الله يحب الصابرين، ونصرُه لأهله، فإن النصر مع الصبر، وأنه خير لأهله؛ {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}  [النحل: 126]، وأنه سبب الفلاح والفوز، كما قال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}  [آل عمران: 200][4].

 

وقال - تعالى -: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}  [البقرة: 155 - 157]، وقال - عليه الصلاة والسلام -:  «ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها»[5].

 

أيها المسلم الكريم:

العبدُ في تنقُّلاته في هذه الحياة وأطواره فيها لا يخلو مِن حالتَيْن: إما أن يحصل له ما يحب ويندفع عنه ما يكره، فوظيفته في هذه الحالة الشكر والاعتراف، أن ذلك من نعم الله عليه، فيعترف بها باطنًا، ويتحدث بها ظاهرًا، ويستعين بها على طاعة الله، وهذا هو الشاكر حقًّا.

 

الحالة الثانية: أن يحصل للعبد المكروه أو يفقد المحبوب، فيحدِث له همًّا وحزنًا وقلقًا، فوظيفته الصبر لله، فلا يتسخَّط ولا يضجر ولا يشكو للمخلوق ما نزل به؛ بل تكون شكواه لخالقه - سبحانه وتعالى - ومن كان في الضراء صابرًا، وفي السراء شاكرًا، فحياته كلها خير، وبذلك يحصل على الثواب الجزيل، ويكتسب الذِّكر الجميل؛ قال صلى الله عليه وسلم:  «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْه سراءُ شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له»[6].

 

والخير الحاصل للشاكرين هو الزيادة؛ {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}  [إبراهيم: 7]، والخير الحاصل للصابرين، هو الأجر والثواب، والمغفرة والرحمة.

 

أيها المسلم الكريم:

متى أصابك مكروه في بدنك أو مالك أو حبيبك، فاعلم أن الذي قدَّره حكيم عليم، لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا يقدر شيئًا سُدى، وأنه - تعالى - رحيم قد تنوعتْ رحمته على عبده، يرحمه فيعطيه، ثم يرحمه فيوفِّقه للشكر، ويرحمه فيبتليه، ثم يرحمه فيوفقه للصبر، فرحمة الله متَقَدِّمة على التدابير السارَّة والضارة ومتأخرة عنها، ويرحمه أيضًا بأن يجعل ذلك البلاء مُكَفِّرًا لذنوبه وآثامه، ومنمِّيًا لحسناته، ورافعًا لدرجاته، ومَن استكمل مراتب الصَّبر والشكر، فهو الكامل في كل أحواله، وإذا أصيبَ العبدُ بمصيبة فآمن بالقدر، ولجأ إلى الصبر والاحتساب، خفَّتْ وطأتُها، وهانتْ مشقتها، وتم له أجرها، وكان منَ الفُضلاء الكرام، وذلك فضلُ الله يؤتيه مَن يشاء، والله ذو الفضل العظيم[7].

 

روى البخاري ومسلم، عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد سعدَ بن عبادة، ومعه عبدُالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبدالله بن مسعود - رضي الله عنهم - فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى القومُ بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكوا، فقال:  «ألا تسمعون، إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم»، وفي الصحيحين، عن أسامة بن زيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه ابن ابنته، وهو في الموت، ففاضتْ عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال:  «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء»، وفي صحيح البخاري، عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ابنه إبراهيم، وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ قال:  «يا ابن عوف، إنها رحمة»، ثم أتبعها بأخرى، فقال:  «إن العين لتدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربَّنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لَمَحْزُونون».

 

أما الذي منعه الشرع عند المصائب فهو التسَخُّط والجزع والندب، وهو تعداد محاسن الميت، والنياحة، وهي رفع الصوت بذلك، كما نهى عن لطم الخدود، وشق الجيوب، وحلق الشعور عند المصيبة، وهو من كبائر الذنوب؛ حيث تبرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من فاعله؛ فقد قال - عليه الصلاة والسلام -:  «ليس منَّا مَن ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية»[8]، وفي الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة، فالصالقة: هي التي ترفع صوتها بالنياحة عند المصيبة، والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة: هي التي تشق ثيابها عند المصيبة، وكل هذا حرام باتِّفاق العلماء.

 

وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد، قال: أرسلت إحدى بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم للرسول تدْعوه وتخبره: أن ابنًا لها في الموت، فقال - عليه الصلاة والسلام - للرسول:  «ارجع إليها فأخبرها أنَّ لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمُرْها فلتصبر ولتحتسب».

 

قال النووي - رحمه الله -: فهذا الحديث من أعظم قواعد الإسلام المشتملة على مهمات كثيرة من أصول الدين وفروعه والآداب والصبر عند النوازل كلها، والهموم والأسقام وغير ذلك من الأغراض، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم:  «إن لله ما أخذ»: أن العالم كله ملك لله، لم يأخذ ما هو لكم؛ بل أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية.

 

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 


[1] رواه أحمد ومسلم.

[2] رواه البخاري.

[3] انظر: "مدارج السالكين"، لابن القيم - رحمه الله - ص 157 جـ2.

[4] انظر: "زاد المعاد"، لابن القيم، جـ4، ص 333، بتحقيق الأرناؤوط.

[5] رواه مسلم.

[6] رواه مسلم.

[7] انظر: "الرياض الناضرة"، لابن سعدي، ص 57 - 59.

[8] رواه البخاري في صحيحه.